(ص 136 - 180)

الحج في مواجهة اخطار الانعزال الاجتماعي

       ويعتبر الانعزال الاجتماعي من اخطر العوامل التي تؤدي الى الاضطرابات العقلية التي تصيب الفرد المحروم من المشاركة في النشاطات الاجتماعية. والنقطة الرئيسية هنا هي ان الحقيقة الخارجية التي يتم تصورها في ذهن الانسان لا يمكن بناؤها اجتماعياً الا بمساعدة الآخرين، فنحن لانستطيع ان نفهم عقيدتنا في الخلق والتكوين والحياة الاجتماعية الا عن طريق رسائل لابد ان يحملها الآخرون لنا. ولذلك، فان للفرد طاقة نفسية لاستيعاب مفردات وشروط الحياة الاجتماعية. وهذه الطاقة والقابلية النفسية لابد من اشباعها حتى يتحقق الاجتماع الانساني الذي هو اصل بقاء الحياة الانسانية على وجه الارض.

       ويعتبر العزل القسري والسجن الانفرادي من اكثر العقوبات قسوة على الانسان، لان الفرد بحاجة دائمية الى الاتصال بالآخرين حتى يستطيع ان يحافظ على احساسه المستمر بالحقائق الخارجية ويحافظ على الشعور بهويته الذاتية. ولذلك فان الافراد الذين يعاقبون بالسجن الانفرادي لفترة طويلة يفقدون احساسهم بقيمة الوقت مع انهم يحسبون الايام عن طريق خطوط يرسمونها على جدران السجون. وعندما يفقدون احساسهم بقيمة الوقت، فان الشك يبدأ بالسريان الى كل شيء في حياتهم، فلا يستطيعون ـ لاحقاً ـ الاطمئنان الى الحقائق الخارجيـة التي اختبروها في حياتهم العامة سابقاً.

       ولكن الانعزال والاغتراب الاجتماعي لايكون دائماً نتيجة سجن انفرادي او عزل قسري، بل قد يتولد من ضعف الفرد امام المشاكل الاجتماعية، او فقدان الفرد احساسه بمعنىً واضح للحياة الاجتماعية، او قد يتولد من انهيار الجانب الاخلاقي الاجتماعي للفرد ايضاً.

          فالضعف الانساني تجاه المشاكل الاجتماعية التي جلبها التصنيع الحديث في الدول الصناعية، وانعدام العدالة الاجتماعية، وانحلال الاواصر العائلية والعشائرية ادى الى احساس الفرد بغربته وانفصاله عن المجتمع الكبير الذي يعيش فيه؛ لان المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها الفرد دون حلول واضحة تدفع الانسان الغربي نحو الادمان على الكحول والمخدرات، وتجعله يسبح في بحر من الاضطرابات النفسية والعقلية.

        اما فقدان الفرد لشعوره لمعنى الحياة الانسانية واهداف الخلق والوجود، فانه يساعد ايضا على الاغتراب الاجتماعي، باعتبار ان قلق الفرد وعدم استقراره على عقيدة معينة يطمئن اليها لتفسير معاني الخلق والحياة والانسان تعطي ذلك الفرد صورة مرعبة قاتمة عن الحياة ودور الانسان فيها.

        وكذلك الحال اذا واجه الفرد غياباً للاعراف والقيم الاخلاقية التي آمن بها، فانه سيشعر بان سلوكه الاخلاقي غير مقبول اجتماعياً من قبل الفئة المسيطرة على النظام السياسي والاخلاقي والاقتصادي. وهي خطوة اولية نحو الاغتراب الاجتماعي.

       ولكن الانعزال والغربة الاجتماعية انما هي تعبير عن شعور الفرد المنعزل عن انسلاخه عن بقية الافراد الذين يتعامل معهم. فالاغتراب الاجتماعي هو محاولة داخلية لرفض المجرى العام للنظام الاجتماعي من قبل المغترب، والاحساس العميق بانه خلق في زمان ومكان لايلائم بيئته الانسانية ومحيطه الاجتماعي. بمعنى ان الفرد المنعزل اجتماعياً يعلم في داخله بان المجتمع لايكافئه مكافَأة نفسية او فكرية تساعده على الاندماج مع الآخرين، والسير مع السفينة الاجتماعية الماخرة في عباب الزمن.

        وبطبيعة الحال فان الانعزال الاجتماعي يعكس الحالة العقلية للفرد في تفسير احداث الحياة الانسانية. فهذا الانعزال الاجتماعي ينشأ على صعيدين؛ الاول: الصعيد الذاتي، والثاني: الصعيد الموضوعي. فالانعزال الذاتي يعكس الشعور الداخلي الذي يصيب الفرد بالغربة والانسلاخ عن الحالة الاجتماعية، وهو ينتج اساساً من اختلاف نظرة الفرد ورأيه وسلوكه المنعزل عن بقية الافراد في المجتمع. اما الانعزال الموضوعي فهو يعكس الانعزال الذي يحصل نتيجة الظروف الاجتماعية الجديدة التي يولّدها التطور الصناعي. ومن اوائل من ناقش آثار هذا الانعزال الاجتماعي (كارل ماركس) في نقده للنظام الرأسمالي ودور رأس المال ومستثمريه في سلب انسانية الانسان في الحياة الصناعية والحقوقية والاجتماعية.

       ولابد لنا من ملاحظة الفرق ـ بدقة ـ بين الانعزال الاجتماعي الذاتي والانعزال الاجتماعي الموضوعي. فالانعزال الاجتماعي الذاتي ما هو الا انسلاخ يولّده الفرد في نفسه بسبب عدم تطابق عقيدته الاساسية مع عقيدة المجتمع. ولهذا الانعزال الاجتماعي مصاديق عديدة في التاريخ الانساني، منها انسلاخ الانبياء (ع) قبل البعثة عن مجتمعاتهم الوثنية وتعبدهم في اماكن نائية عن عيون المجتمع ونظامه الكافر حتى مجيء الوحي، كما هو واقع خاتم الانبياء محمد (ص) الذي كان يتعبد في غار حراء حتى نزول جبرئيل (ع) عليه. اما الانعزال الاجتماعي الموضوعي فهو الانعزال الذي يفرضه المجتمع على الافراد عبر وسائله الحضارية، كالتصنيع الحديث مثلاً. فالاحداث التي رافقت الثورة الصناعية في اوروبا في القرن الثامن عشر وما صاحبها من انتهاك لحرمة العمل والعمال، وانكسار للاواصر العائلية والعشائرية، وازدحام المدن، وثبات الانظمة السياسية على الايمان بالمذهب الفردي، كلها ادت الى إحداث حالة عظيمة من الاغتراب الثقافي والاجتماعي بين مختلف فئات المجتمع خصوصاً فئة الشيوخ والعاجزين عن العمل والشباب الباحثين عن عقيدة تفسر لهم معاني الحياة الانسانية.

        ولاشك ان الاسلام ـ باعتباره ديناً ورسالة عالمية غير مقيدة بزمن معين ـ اهتم بقضية الاغتراب الانساني. وعالج هذه المشكلة عبر حثّه الافراد على ضرورة الانتماء الاجتماعي التي لاحظنا اهميتها الفائقة في كسر طوق الاضطرابات العقلية والنفسية. وكان الحج احد مصاديق محاربة الاغتراب الانساني على مر التاريخ. ونظرة خاطفة لطبيعة الحج في مكافحة الانعزال الاجتماعي، تبين لنا النقاط التالية:

1 ـ ان التهيؤ الاجتماعي للسفر يجمع الافراد لفترة زمنية معينة، مما يساعدهم على كسر طوق العزلة الاجتماعية.

2 ـ ان فكرة الاستطاعة تشجع الافراد على العمل الجاد من اجل التحصيل المالي والاكتفاء، وهذا يبعد الافراد عن الكسل ويبعدهم عن الانعزال ايضاً، لان التكسب غالباً ما يكون جماعياً.

3 ـ ان مناسك الحج تعكس طبيعة التجمع الانساني. فالمسلك الجماعي في العبادة يمنح الفرد شعوراً بالاندماج مع الامة الكبيرة المنتشرة في كل بقاع الارض.

4 ـ ان الاسلام يكافح الانعزال الذاتي عبر حثّ الفرد على الاتصال بالله سبحانه وتعالى. ويكافح الانعزال الموضوعي عبر تطبيق الاحكام الشرعية على النظام الاجتماعي. وبذلك تسد الشريعة الطريق على الانعزال والاغتراب الاجتماعي بشكل مُحكَم. ولاشك ان الاجتهاد في الشريعة يعطي الفقيه فرصة واسعة لمعالجة المشاكل الاجتماعية التي تولّدها الاكتشافات والاختراعات الحديثة وما يلحقها من تصنيع، بما يتناسب مع حاجات الفرد والنظام الاجتماعي، آخذاً بنظر الاعتبار الضرورات الاجتماعية التي تدعو الى التقدم التقني والتصنيع الحديث.

 5 ـ العدالة الاجتماعية في الاسلام والمساعدات المتبادلة بين الافراد انفسهم، وبين الافراد والدولة، وصلة الرحم، كلها تقلل من فرص الانعزال الاجتماعي. والحج يعكس جانباً من جوانب العدالة الاجتماعية الكلية في الاسلام.

 6 ـ ان من اهم اسباب الانعزال الاجتماعي بين افراد الاقليات في الدول الصناعية في اوروبا وامريكا هو انتماء الافراد الى اقليات عرقية مختلفة. وبسبب الحرمان الاقتصادي والاجتماعي لهؤلاء وعدم توفر فرص متساوية لابنائهم، فان ذلك يجعلهم يعيشون في غربة شديدة. بينما تساهم اعمال الحج في شدّ وتماسك الافراد على اختلاف اعراقهم البشرية وألوانهم ولغاتهم.

 7 ـ يعتبر التقدم في السن احد اسباب الانعزال الاجتماعي في المجتمعات الصناعية الغربية بسبب عدم قدرة المسنّ على الانتاج مما تسبب له مشاكل اقتصادية جمّة. واذا اضفنا الى ذلك مشاكل انحلال الروابط الاسرية بسبب التصنيع وتغيير الخارطة السكانية، يتضح لنا ان من اكثر الامراض النفسية ظلاماً وتأثيراً على الفرد هو الانعزال الاجتماعي للمسنّين. الا ان الاستطاعة الشرعية لاداء الحج غالباً ما تحصل عندما يتوسط عمر الانسان ويجمع مالاً من عرق جبينه ليحقق شروط الاستطاعة الشرعية. وليس هناك تمييز شرعي من اي نوع تجاه المسنين؛ لان الدين ضمن منهجه الاخلاقي حثَّ على احترام الكبير وضمنَ معيشته على الصعيد العائلي او صعيد الدولة. ولما كانت العلاقات العائلية في الاسلام متماسكة كان المسنّ اكثر الافراد ثراءً في الخبرة والتعبد والعلاقات الاجتماعية، واكثرهم بعداً عن الانعزال الاجتماعي.

        وبكلمة، فان الاطار الاجتماعي لأعمال ومناسك الحج، تدفع الافراد نحو التماسك والتعاون الذي يتحول لاحقاً الى لبنة من لبنات بناء الدولة الاسلامية العالمية. ولاشك ان النشاطات الشرعية للحج الاسلامي انما تساعد جميع الافراد على كسر طوق الانعزال الاجتماعي والغربة الانسانية التي نلاحظ مساوئها النفسية في عالم اليوم.

 التغيير الاجتماعي

        ان عملية التغيير الاجتماعي لا تثمر الا اذا تضافرت جهود الافراد في الاقناع بتبديل السلوك الفردي والجماعي المتعلق بالقيم والعادات الاجتماعية. فلا تستطيع الامة ان تغير من سلوكها الاجتماعي ما لم تتأثر فئة واسعة من الافراد بمفردات وشروط التغيير. وهذا يعتمد كله على كمية المعلومات الفكرية والعقائدية المخزونة في ضمير الامة. ولاشك ان انسجام الافكار الاسلامية الخاصة بالحج مع الطبيعة الفطرية للافراد يساهم بشكل فعّال في تقبّل مفردات التغيير الاجتماعي.

        ان السلوك الجمعي في مناسك الحج له قابلية ذاتية على شحن الافراد نحو تغيير منشود في الثقافة الدينية او القومية والسلوك الاجتماعي وربما التركيبة السياسية ايضاً؛ لان اجتماع الحجيج في بقعة طاهرة محددة يفسح المجال للافراد بالتفاعل الاجتماعي فيما بينهم. وقد ذكرنا في بداية هذا الكتاب ان القدرة العقلية هي الاصل في التفاعل والتغيير الاجتماعي. ولما كانت الفريضة مرهونة بشروط البلوغ والعقل والاستطاعة ـ وان الاستطاعة ما هي الا وسيلة من وسائل الوصول لتأدية اعمال الحج ـ اصبحت الفكرة الاساسية للحج اضافة الى جانبها التعبدي، هي تنشيط قابلية الفرد الفكرية وتحفيز استعداده النفسي على تقبّل مفردات التغيير الاجتماعي المنشود. وقد درسنا فلسفة التغيير الاجتماعي باسهاب في كتابنا (الابعاد الاجتماعية لواقعة الطف).

 فلسفة الاقناع

        ويبرز سؤال مهم هنا، وهو: ما هي الظروف الموضوعية التي تكون سبباً قوياً لتغيير اتجاهات الافراد واعتقاداتهم وسلوكهم؟ وكيف نصدّق بان ذلك التغيير كان تغييراً جوهرياً حقيقياً وليس تغييراً سطحياً ظاهرياً لامعنىً له ؟

        لاشك اننا نتعرض يومياً الى محاولات اجتماعية عديدة للتأثير علينا في التفكير والشعور والسلوك. وهذه المحاولات تهدف الى اقناعنا بقبول او رفض سلوك وتفكير معين. وبطبيعة الحال فان الاقناع لايتحقق ما لم يتم تغيير اتجاه الافراد المراد اقناعهم. ولكي نفهم طرق الاقناع، لابد ان نفهم اصول الاتجاه الانساني وهي ثلاثة: (1) العقيدة التي يؤمن بها الفرد. (2) القضايا العاطفية المرصوصة بين احجار تلك العقيدة. (3) النية، والقدرة على الاستجابة للمحفزات الخارجية.

        فعندما نكوّن اتجاهنا نحو الاشياء والظواهر الخارجية التي من حولنا، فاننا نحتاج الى معلومات يقدمها لنا الآخرون. ولذلك فان من اهم وسائل الاقناع لتثبيت او تغيير اتجاهاتنا هو كمية المعلومات الواردة الى اذهاننا من المصادر الخارجية، اولاً. وملاحظة سلوك الانماط القيادية، ثانياً. ونظام الثواب والعقاب، ثالثاً.

        وتعتبر ساحة الحج من انشط الاماكن الاجتماعية فعالية في الاقناع، لان الحجيج يأتون من مختلف بقاع العالم وهم يحملون معلومات جديدة عن الخبرات الاجتماعية والدينية في مجتمعاتهم. ويتعرض الحجيج الى قوة وفعالية التأثير السلوكي للافراد الذين يحتلون موقعاً متميزاً على صعيد القيادة الدينية والحركية والثقافية الاسلامية في مجتمعاتهم الاسلامية المتباينة. ولاشك ان التبليغ الاسلامي الذي ينبغي ان يقوم به المبلّغون ـ والذي يهدف الى تذكير الحجيج بالثواب والعقاب الآخروي الذي تعرض له القرآن الكريم ـ يعتبر وسيلة اخرى من وسائل الاقناع الاجتماعي بضرورة تطبيق الشريعة الاسلامية على كل اركان الحياة الاجتماعية الاسلامية.

          ومع ان فلسفة الاقناع وتطبيقاتها قد تطورت في العقود الاخيرة، الا ان مبادئها قديمة قدم الفيلسوف الاغريقي (ارسطو) الذي وضع (الايثوس) و(اللوغوس) و(الباثوس) ـ وهي مصطلحات اغريقية تعني المصدر، والرسالة، والجمهور[1] ـ التي تعتبر اليوم من اهم متغيرات الاقناع؛ وتُلَخّص بالاسئلة الثلاثة: (مَن الذي يخاطب مَنْ؟ ويقول ما؟ وما هو التأثير ؟).

          وحتى لو فهمنا الحج من منظار (ارسطو) نفسه لرأينا ان هذا العمل العبادي يجمع كل متغيرات الاقناع التي لازال علماء الغرب يناقشونها لحد اليوم. فالحاج المبلِّغ ـ وهو مصدر الاقناع ـ ينبغي ان يجمع ما بين الخبرة، والثقة، والمنـزلة العلمية والاجتماعية، والجاذبية الخارجية والذاتية. والرسالة ينبغي ان تحمل كل معاني الجذب العقلائي والعاطفي، والاسلوب اللغوي الفصيح، والموضوعية في طرح الايجابيات والسلبيات. والجمهور ينبغي ان يكون على درجة من الاستعداد لتقبل المعلومات من اجل الاقتناع.

         وهذه المتغيرات ـ في واقع الامر ـ لها مدلولاتها العملية في اقناع الافراد بضرورة تطبيق المفردات الشرعية والوصول الى التغيير الاجتماعي المنشود.

         ولاشك ان من اهم خطوات عملية الاقناع هو ان يشعر الافراد جميعاً بالمساواة الحقوقية والاجتماعية فيما بينهم. فاذا تفاوتت درجات الافراد ضمن الطبقات الاجتماعية في المجتمع، انعدمت ـ عندئذ ـ وسائل الاقناع الذاتية الحقيقية، لان الاقناع الجديد المفروض من قبل طبقة اقوى سيكون مجرد اكراه يرضخ لشروطه الافراد. وهذه المسألة مهمة في الحج ايضاً، فشعور الحجيج بالمساواة التامة يفتح ابواباً عديدةً للاقناع الشرعي بضرورة التغيير الاجتماعي.

         نقطة أخرى مهمة، وهي ان ايجابية طرح الافكار المقنعة يؤدي الى ايجابية القبول والاقتناع من قبل الافراد. ومثال ذلك، لو ان فرداً حاول اقناع الآخرين بتطبيق الاحكام الشرعية عن طريق عرض العقوبات الاسلامية والجزاء الرادع مجرداً من اي اشارة الى الرحمة الالهية والمغفرة والثواب الأخروي، فان ذلك التبليغ سوف لايشجع الافراد على الاقتناع بتلك الافكار ما لم يلازمها طرح مواز للعفو والغفران الالهي.

         نقطة ثالثة، وهي ان السلوك الانساني لايتبدل الا بتبدل الاتجاه الداخلي للفرد. فالفرد لايسلك سلوكاً مختلفاً ما لم تؤثر عليه قوة فكرية عظيمة تستطيع ان تصل الى قرارة نفسه واعماق وجدانه، فتغير اتجاهه الذاتي نحو العقائد والافكار، وعندها فقط يتبدل سلوكه الشخصي او الاجتماعي. ومن المهم ان نعلم ان الرسالة الدينية كانت ولا تزال تهدف بالاصل وبشكل واضح الى تغيير اتجاه الافراد اولاً عن طريق تغيير توجه القلوب كما اشارت الى ذلك الآية القرآنية الكريمة بصدق: (ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم)[2].واذا ما تم تغيير اتجاهات القلوب، فان تبديل السلوك سيكون امراً ممكناً، ان لم يكن طبيعياً.

      ولكن اذا قاوم الفرد وسائل الاقناع لاعتبارات ذاتية محضة، فماذا يحصل ؟ لاشك ان الفرد لايستطيع ان يعيش في تنافر ذاتي بين قوتين تجذبه كل منهما نحو الاخرى. فلنفترض ان فرداً ما كان يرتكب عملاً مخالفاً للشريعة ـ شرب الخمر مثلاً ـ ثم التقاه عالم من علماء الدين وعرض عليه فكرة العقوبة الأخروية اذا لم يتوقف عن ارتكاب ذلك العمل، ملّمحاً الى ابواب التوبة التي فتحها الدين امام المذنبين. فلكي يزول هذا التنافر بين الطبيعة الفطرية التي يمثلها الدين وبين المخالفة الشرعية التي ترفضها الفطرة الانسانية، يقف ذلك الفرد امام نظرية الاقناع عبر الخطوات التالية:

          أ ـ يغيّر اعتقاده بان المخالفة عمل طبيعي مستساغ.

          ب ـ يغير سلوكه السابق، وذلك بالتوقف عن ارتكاب تلك المخالفة الشرعية.

          ج ـ يعيد تقييم سلوكه بالتوبة والاستغفار.

          د ـ يضيف بعداً جديداً الى تفكيره الجديد حول الالتزام بتطبيق الاحكام الشرعية.

       ان الانسان ـ مهما كان اعتقاده ـ ملزمٌ ذاتياً بتقليل التنافر الفكري الداخلي الى ادنى حد ممكن؛ لان التنافر بين ما يعتقده الفرد وبين ما يعمله يؤدي الى تمزيقه نفسياً وعقلياً. ولذلك كانت الرسالة الدينية ـ ورسالة الحج بالخصوص ـ منسجمة تماماً مع الفطرة الانسانية، كما اشار القرآن المجيد الى ذلك: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لايعلمون)[3].

 ملحق (1) : الآيات القرآنية الواردة في فريضة الحج

 ** وجوب الحج عند الاستطاعة:

(ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا)[4].

 

** فقد أمر الله تعالى جميع المكلفين باداء تلك الفريضة:

(وأذّن في الناس بالحج)[5].

(وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر)[6].

 

** وجعل وقتها اشهراً معلومات وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة:

(الحج اشهر معلومات)[7].

(يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج)[8].

 

** فلا يجوز تبديل او تغيير اشهر الحج:

(انما النسيء زيادة في الكفر)[9].

والنسيء هو التأخير. و«كانت العرب في الجاهلية اذا صدرت عن منى يقوم رجل من كنانة فيقول: انا الذي لايرد لي قضاء. فيقولون: انسئنا شهراً اي أخّر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، لانهم كانوا يكرهون ان تتوالى عليهم ثلاثة اشهر لايغيرون فيها»[10].

 

** واوجب البدأ بالعمرة والتثنية بالحج للنائي عن مكة:

(وأتموا الحج والعمرة لله)[11].

 

** فمن خرج عن مكة ولم يكن من الحاضرين فلا يجوز له ـ مع الامكان ـ غير التمتع:

(فاذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة الى الحج)[12].

 

** ويستطيع الحاج ان يتمتع بلبس الثياب ان شاء وعمل كل ما يعمله من الحلال من الطيب والنساء وغيرهما ما عدا الصيد، وذلك من انتهاء حج التمتع وحتى بداية حج الاسلام:

(فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدي)[13].

 

** لقد عظّم الله تعالى حرم مكة وجعله حرماً آمناً:

(ومن دخله كان آمناً)[14].

(واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً)[15].

 

** وجعل الطواف بالبيت فريضة:

(وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ان طهرا بيتي للطائفين)[16].

(وليطوفوا بالبيت العتيق)[17].

(ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)[18].

(ارنا مناسكنا)[19].

 

 ** واوجب صلاة الطواف:

(واتخذوا من مقام ابراهيم مصلّى)[20].

 

** واوجب ستر الجسد وحرمة التعري في الطواف:

(قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ...)[21].

(يابني آدم قد انزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم)[22].

 

 ** وجعل السعي بين الصفا والمروة فريضة:

(ان الصفا والمروة من شعائر الله)[23].

 

** واوجب التقصير بعد الفراغ من العمرة (حج التمتع). اما في حج الاسلام، فان الصرورة يلزمه الحلق وغير الصرورة يجزيه التقصير:

(محلقين رؤوسكم ومقصّرين)[24].

(ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله)[25].

 

** واذا كان المكلّف مريضاً فعليه الصيام، او الصدقة، او النسك:

(فمن كان منكم مريضاً او به اذى من رأسه ففدية من صيام او صدقة او نسك)[26].

 

** ثم جعل التوجه الى عرفات، والوقوف فيه من بعد الظهر وحتى غروب &#