|
(ص 99 - 135) القسم الثاني من ثمار السلوك الجمعي في فريضة الحج التأثير الاجتماعي في الحج * التفاعل الاجتماعي خلال اداء المناسك: أ- العبادات الاسلامية واثرها في التفاعل الاجتماعي ب ـ الفرد وموقعه الخارجي على المسرح الاجتماعي ج ـ النفس الاجتماعية د ـ معاني الالفاظ والاشارات الجسدية هـ ـ القرب المكاني * الانتماء الاجتماعي في الحج * الفرد ضمن المجموع * الحج في مواجهة اخطار الانعزال الاجتماعي* التغيير الاجتماعي * فلسفة الاقناع * ---------------------------- التأثير الاجتماعي في الحج للتأثير الاجتماعي قوة عظيمة في معالجة وتصحيح السلوك الفردي. فالافراد يبنون نظراتهم الشخصية حول الحقائق الكونية والاجتماعية والعقائدية من خلال الاعتماد على نظرات الآخرين وارآئهم. والفرد بطبيعته يحاول ـ بدافع ذاتي ـ تصحيح الرأي الذي يحمله في ذهنه، عبر ملاحظة سلوك وتوجه وتفكير بقية الافراد في المجتمع. فان كان رأيه مطابقاً لرأي الآخرين شعر غالباً باطمئنان على صحة اعتقاده، اما اذا كان مخالفاً لآرائهم فانه سيقوم بتقييم افكاره وتعديلها الى ان تتناسب مع العرف الفكري او الاجتماعي المتفق عليه بين الافراد. ولاشك ان الحاجة لفهم العرف الاجتماعي، تدعو الفرد بقوة للبحث عن معرفة آراء بقية الافراد حول المواضيع التي تهمّه ضمن اطار النظام الاجتماعي. ان معرفتنا بالحقائق الكونية والاجتماعية التي حولنا تنبع بالاصل من الاجماع الثقافي والفكري والديني المتفق عليه اجتماعياً. فنحن تعلّمنا رؤية وفهم العالم الخارجي من خلال ذلك الاجماع الفكري. فالمجتمع واعرافه الاجتماعية والدينية هي التي تضع لنا مواصفات وحدود العالم الذي نعيش فيه والحقائق التي نؤمن بها. ولكن العرف الاجتماعي لايقدّم لنا دائماً معْلَماً واضحاً لفهم العالم الخارجي والحقائق التي ينبغي ان نؤمن بها. وفي هذه الحالة الغالبة في المجتمعات الانسانية، تأتي رسالة الدين لتقدّم لنا صورة واضحة عن عالمنا الخارجي بقسميه التكويني والاجتماعي، وتصفُ لنا حقائق الوجود، والخلق، والخالق، والحياة التي تنتظرنا بعد الممات. ورسالة الدين على درجة عظيمة من الاهمية على صعيد التأثير الاجتماعي، لان تلك الرسالة تهذّب نظرة الافراد وتوحّدها تجاه الحياة الاجتماعية والخلق والخالق والوجود. فالفرد يقارن رأيه مع فرد آخر يشابهه في الدين والاعتقاد، ولايكترث كثيراً لفرد آخر يبتعد عنه في الدين والمنشأ الاعتقادي والموقع الجغرافي. واذا كان البعد شاسعاً بين آراء ومعتقدات ذلك الفرد وآراء ومعتقدات الآخرين، فان التأثير الاجتماعي سيكون في ادنى المستويات. فالفرد الذي يعتنق ديانة معينة ويعيش في قرية افريقية مثلاً لايمكن ان يكون له تأثير اجتماعي على افراد يعتنقون ديانة اخرى ويعيشون في مدينة آسيوية نائية. وعلى ضوء ذلك، فان التأثير الاجتماعي يحصل غالباً بين الافراد الذين يعتنقون ديناً واحداً ويؤمنون بنظام عقائدي واحد، فيما اذا اجتمعوا في مكان واحد؛ لان اجتماع هؤلاء الافراد في مكان واحد سيولد ضغطاً نحو الانسجام الاجتماعي. وهذا الضغط والتفاعل هو الذي يغير اتجاهات الافراد تجاه بعضهم البعض، ويجعلهم اكثر اقتناعاً بضرورة تقاربهم الفكري والسلوكي. وهذا عين ما يحصل قبل وبعد واثناء مناسك الحج العظيمة. فالمناسك التعبدية الجماعية تولّد احساساً عظيماً بالشعور الموحّد تجاه طبيعة الانسان ووحدة الخالق عز وجل. ولاشك ان التأثير الاجتماعي في الحج ينبع من وعي ابعاد تلك الفريضة من قبل الافراد على الصعيد الاجتماعي، كما جاء في «كتاب أمير المؤمنين علي (ع) الى (قثم بن عباس) عامله على مكة فقال: أقم للناس في الحج واجلس لهم العصرين فأفتِ المستفتي وعلّم الجاهل وذاكر العالم ...»[1]. وهذا العمل ـ لاشك ـ يعتبر من اعظم وسائل التأثير الاجتماعي على الافراد. ومن الطبيعي ان التأثير الاجتماعي على الافراد لابد وان يمرّ بمراحل ثلاث. ولنفترض ان طالباً جامعياً يذهب الى محاضرة ما؛ فذلك الطالب الجامعي يمر بمراحل فكرية ثلاث تشخّص تقبّله للفكرة التي يطرحها المحاضر. فالمرحلة الاولى: انفتاح وتهيؤ ذهنية ذلك الطالب لمفردات التأثير الاجتماعي. بمعنى ان الفرد الذي يبذل جهده للذهاب الى احدى قاعات الجامعة للاستماع الى محاضرة في علم الاجتماع مثلاً، لابد له من تهيئة ذهنه بشكل مسبّق لتقبل او رفض النظريات الاجتماعية التي يقدّمها المحاضر. المرحلة الثانية: تشخيص الفرد المستمع للنقص الفكري الذي يعاني منه، او حاجته لتقبل الافكار والمعتقدات التي يطرحها الطرف المقابل؛ ومصداقها ان المستمع اذا لاحظ ان المحاضر ـ في مثالنا السابق ـ قد قدّم نظرية جديدة مقنعة فاقتنع هذا المستمع بصحتها وانسجام مفرداتـها مع الواقع، عندئذ يمسي هذا الطالب الجامعي اقرب ايماناً بتلك النظرية. المرحلة الثالثة: هضم الفرد للفكر المطروح من أجل التأثير، وتقبّله لذلك التأثير باعتباره فكراً يتناسب مع نظامه الاخلاقي الذي آمن به. وهذه المرحلة تعكس ايمان الفرد ـ في المثال المذكور سابقاً ـ بان تبني تلك النظرية المطروحة من قبل المحاضر سيكون أمراً شخصياً حتمياً. ومن المسلّم به بين اواسط علماء الاجتماع المعاصرين، ان التجانس الاجتماعي يعتبر من اهم عناصر التأثير السياسي والفكري على الافراد. لان التأثير الحقيقي لايعمل عمله الفعّال الا مع افراد متقاربين في الفكر والاعتقاد؛ بمعنى ان التأثير الاجتماعي يتم بين افراد متقاربين فكرياً اكثر مما لو كان بين افراد يختلفون تماماً في الفكر والمعتقد. ولذلك، فان الحج واقعاً هو اعظم ساحة للتأثيرات والتغيرات الاجتماعية التي تهدف الرسالة الاسلامية احداثها على الصعيد العالمي. ولولا طاعة الافراد للرسالة الدينية واحكامها الشرعية لما حصل التأثير الاجتماعي المنشود. فاطاعة الافراد للنظام الاجتماعي او الديني ـ على الاغلب ـ طوعية اختيارية اذا كانت السلطة الاجتماعية او الدينية سلطة شرعية. بمعنى ان الافراد يحاولون ـ بصدق ـ اطاعة النظام الديني او الاجتماعي اذا لم تُسلَّطْ عليهم سلطة لايؤمنون بشرعيتها. واعتقاد الافراد بان الدين سلطة شرعية يسهّل عملية الانقياد له ولاحكامه، بل يسهّل في الواقع عملية تغيير توجهاتهم وبنائهم بالطريقة التي صممتها الشريعة لهم. ولولا طاعة الافراد للنظام الاجتماعي لما استطاع المجتمع وقيادته السياسية من الصمود بوجه الفوضى الناتجة من عصيانهم للقوانين التي تنظّم حياة المجتمع. وبذلك نستنتج ان للطاعة دوراً رئيسياً في اكمال عملية التأثير الاجتماعي على الافراد، خصوصاً فيما يتعلق بالحج. فالحج ينشئ استعداداً عظيماً عند الافراد لاطاعة الاحكام الشرعية دون نقاش او جدال. ولاشك ان اول ثمار التأثير الاجتماعي في الحج هو ان المنحرف سوف يُعزَل تماماً عن عملية الانسجام الاجتماعي الذي تولّده تلك المناسك. وحتى ان الذي ينوي القيام بانحراف معين فانه قد يقوم به بصورة خفية؛ لان المنحرف يخشى العزلة القسرية التي يفرضها النظام الاجتماعي، اذا افترضنا انه لايخشى عقوبة المولى عز وجل الموعودة في الآخرة. وليست كل الانحرافات المرتكبة في مناسك الحج مجرد انحرافات عن الخط الانساني العام، بل ان بعضها خاص بطبيعة الحج نفسها. بمعنى ان بعض تلك الانحرافات لاتعكس طبيعة السلوك نفسه، بقدر ما توضح ان ذلك السلوك مخالف للحكم الشرعي الذي آمن به المؤمنون باحكام الرسالة السماوية. فقتل الحشرات مثلاً لايعتبر عملاً انحرافياً في الاحوال الاعتيادية، الا ان ارتكابه خلال اداء المناسك يعتبر انحرافاً عن جادة العمل الشرعي. ولاشك ان التوافق الاجتماعي والفهم المشترك في فهم الاحكام الشرعية الخاصة بالحج، يساهم في اشتراك الافراد في اجتناب تلك الالوان غير المعتادة من الانحراف الشرعي. ولكن الاسلام عالج ارتكاب هذه الانحرافات غير المعتادة بعلاج استثنائي ايضاً، كالكفارات التي لها مدلول اجتماعي عظيم وهو اشباع الفقراء. لان مجرد وصم الفرد بتهمة الانحراف دون تقديم عرض يعالج به ذلك الانحراف لها تبعات خطيرة، واقلّها احتمال رفضه للتأثيرات الاجتماعية. وهذه المشكلة الانحرافية الاستثنائية تحتاج الى معالجة فورية، وهي وجوب دفع الكفارة تصحيحاً لهذا اللون من الانحرافات. اما الاحكام الشرعية الاخرى كالقصاص ونحوه فانها تعالج انحرافات خطيرة تعكس طبيعة السلوك المنحرف نفسه. ولذلك كانت معالجة تلك الالوان من الانحرافات اشدّ واعظم، كما لاحظنا ذلك في دراساتنا الاخرى عن طبيعة الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج في الاسلام . ولاشك ان هناك من الافراد من يرفض التأثير الاجتماعي؛ الا ان عظمة الانسجام الاجتماعي العالمي في مناسك الحج، واحساس المسلم المشارك في هذه المناسك بضرورة تقييم وضعه الروحي والنفسي مع خالق الوجود عز وجل عبر النشاطات المختلفة، يسهّل من عملية التأثير الاجتماعي على شخصيته والسلوك المنبثق عنها. ويصطلح علماء النفس على الحالة التي يتمرد فيها الافراد على النظام العقائدي او الاجتماعي ـ بسبب اعتقادهم بان التأثير الذي يمارس عليهم انما هو في الواقع يهدف الى تحجيم حريتهم وتقييدها ـ بـ «المفاعلة النفسية»[2]. فعندما يُجبر الفرد على اداء عمل معين او يُرغم على الاعتقاد بفكرة معينة، فانه وبدافع الاحساس بفقدان حريته سيتمرد على تلك الفكرة او ذاك العمل. وعندما يمنع الفرد من اداء عمل ما او يُحرم من الاعتقاد بفكرة معينة، فانه وبدافع الاحساس بفقدان حريته ايضاً، سيقوم بالتمرد محاولاً ارتكاب العمل المحرّم. الا ان هذه النظريات النفسية لايمكن تطبيقها على احكام الدين عموماً، واحكام الحج التي نحن بصددها بالخصوص؛ لان الالزام الداخلي الذي تولّده رسالة الدين في نفس الفرد، ترفع كل ألوان الاكراه والتمرد والمفاعلة التي يتحدث عنها علماء النفس. والا ـ لو كان تأثير المفاعلة النفسية صحيحاً ـ لما بقيت رسالة الدين حية في ضمير الامة مئات السنين. اضافة الى ذلك، فان الدين يحرر الفرد المؤمن به من قيود العبودية المادية والمعنوية، ولايحاول حرمانه من حرياته المشروعة. ولذلك، فان مناسك الحج لاتخضع للمفاعلة النفسية التي تُكرِه الفرد على عمل معين، خصوصا وان الحجيج يأتون من مناطق مختلفة من العالم بدافع إلزامهم الذاتي نحو تطبيق الاحكام الشرعية التي جاءت بها الرسالة السماوية. ولما كان جميع الافراد المشاركين في مناسك الحج مسلمين، فان مقاومة التأثير العقائدي والسلوكي من جانبهم ستكون بادنى درجاتها. بمعنى ان الحاج لما كان من طبيعته عدم تحدي الافكار الاسلامية الوافدة الى منطقة لها قدسية خاصة كمكة المكرمة اوالمدينة المنورة، فانه سيكون اكثر تقبّلاً للتأثير الاجتماعي الاسلامي من قبل افراد اكثر علماً ووعياً واستيعاباً لمفردات الرسالة الاسلامية منه. وهنا يلعب التبليغ الاسلامي لرسالة الدين الروحية والاجتماعية دوراً عظيماً في تقريب اذهان الحجيج الى مفردات الاحكام الشرعية واهدافها في بناء الدولة الاسلامية العالمية. ولاشك ان للذنب دوراً مهماً في تسهيل عملية التأثير الاجتماعي وقبول ذلك التأثير قبولاً موضوعياً من قبل الفرد. فالفرد الذي يشعر بالذنب امام خالقه عز وجل، لابد وان يكون اكثر عرضة للتأثير الروحي والاجتماعي الاسلامي من غيره. لان الشعور بالذنب مع وجود عوامل خارجية تذكّره بها، يصحح اتجاه الفرد المذنب. والتذكير بالذنب الفردي وبأهمية التوبة والمغفرة الالهية من العوامل الرئيسية في التأثير الاجتماعي على الافراد. وبطبيعة الحال فان الشعور بالذنب يهذّب التركيبة الاخلاقية في نفسية الانسان، فيجعله اكثر استعداداً للتماسك الاجتماعي مع بقية الافراد. ورب سائل يسأل: ما هي المواصفات التي يجب ان يتحلى بها الحاج حتى يستطيع ان يقوم بتأثير اجتماعي فعّال على بقية الافراد من الحجيج؟ ويتلخص الجواب بثلاثة عوامل يجب ان تتوفر في الفرد الذي يحاول ان يؤثر على الافراد على الصعيدين الفردي والجمعي: اولاً: الثقة بالنفس. وهي من اهم عوامل التأثير الاجتماعي. لان الثقة بالنفس تعكس ايمان ذلك الفرد المؤثِر او المبلّغ بالعقيدة التي يحملها ويدعو اليها. واقناع الآخرين بصحة النظرية التي يطرحها الفرد المؤثِر لابد وان يكون مستنداً على ثقته المطلقة بصحة فكرته. لان الشك في اصل الفكرة لايساهم في انجاح عملية التأثير الاجتماعي، بل يساهم في تحطيمها وافشالها. ثانياً: العلم والمعرفة. وهي حالة الفهم التي يختبرها الفرد من خلال الدراسة والخبرة والاكتشاف. فالفرد العالِم هو الذي يستلم مباشرة عن طريق حواس الدماغ، المعلومات التي يستطيع ادراكها بوضوح، فيحللها ويبني عليها فهماً جديداً على درجة عالية من اليقين دون ادنى شك. ثالثاً: ان من وسائل التأثير الاجتماعي المهمّة هو مقابلة المؤثِر او المبلّغ للافراد الذين يريد تغييرهم، وجهاً لوجه. بمعنى ان اقناع جماهير الحجيج بضرورة تطبيق احكام الاسلام ورسالة الدين مثلاً، يكون اكثر فاعلية اذا تم الاتصال بين المبلّغ وبقية الافراد اتصالاً شفهياً مباشراً. ان التأثير الاجتماعي في الحج ينبع من تطابق آراء ونظرات الحجيج تجاه الخالق والكون والحياة. والحقائق الكونية والاجتماعية المرسومة في ذهنية هؤلاء الحجيج ما هي الا نتاج المعالم الاخلاقية للرسالة الاسلامية. ولما كان التجانس الاجتماعي من اهم وسائل التأثير، اصبح واضحاً ان من أهمّ أهداف الحج الاسلامي وأخطرها هو تغيير المجتمعات الاسلامية المتباينة في العادات والتقاليد والثقافات ورفعها الى مستوى شرعي مقبول، بحيث تكون مهيّأة فكرياً ونفسياً لاقامة الدولة الاسلامية العالمية الموحّدة. التفاعل الاجتماعي خلال اداء المناسك ونستطيع ان نصنّف الافعال التي يقوم بها الفرد عموماً الى صنفين؛ الاول: وهي الاعمال والافعال الشخصية المحضة التي تخص الفرد نفسه كالقراءة الفردية، والمشي في مكان منعزل، والاكل منفرداً ونحوها. وهذه النسبة من الاعمال قليلة غالباً في حياة الانسان. والثاني: وهي الاعمال والافعال التي تتطلب علاقات اجتماعية، وتضمّ في اصلها افراداً من مختلف الالوان والشرائح والطبقات. وهذا النوع من الافعال يضمّ اغلب افعال الانسان في حياته الانسانية. والتفاعل الاجتماعي ما هو الا عملية تفاعل واستجابة الافراد تجاه بعضهم البعض. فالسفر مجتمعاً مع بقية الافراد، واداء المناسك بشكل يقرّب المسافة المكانية بينهم، والاحاديث التي تدور في مجالسهم، كلها مصاديق لذلك التفاعل الاجتماعي. ولاشك ان التفاعل الاجتماعي الانساني يختلف عن التفاعل الحيواني مثلاً، لاننا نعيش في عالم له تصميم محكم نستطيع ان نفهم الكثير من معانيه ونفسر الكثير من اسراره. ومن الطبيعي ان هذا التفاعل الاجتماعي الانساني يختلف عن حركة الذرات والجمادات حتى وان كان لهذه الجمادات فيما بينها تفاعل من نوع ما. فالتفاعلات التي تختبرها المواد الصّماء تعكس عجزها عن فهم معاني الكون المحيط بها. ولكننا ننظر الى مواد الطبيعة نظرة مختلفة ونتفاعل معها تفاعلاً مختلفاً يتناسب مع عقائدنا الفكرية والروحية. فالاحجار والاخشاب بالنسبة لنا ليست مجرد اجزاء صّماء من الطبيعة، بل ان لها قابلية لكي تتحول الى اشكال نافعة في حياتنا اليومية كالاثاث والبيوت ونحوها، وربما لبعضها أشكال رمزية ذات محتوى معنوي وفكري عظيم، كالحجر الاسود والتراب الطاهر لمرقد الامام الحسين (ع) والصحف التي يطبع عليها القرآن الكريم. ونحن ـ كافراد ـ نتوجه الى هذه الاشكال، اعتماداً على المعنى الاجتماعي او الديني الموضوع لها. وتعاملنا كافراد لايتوقف عند حدود الاشكال الطبيعية المتمثلة بالاحجار والاخشاب، بل يتعدى الى تفسير سلوك الافراد وعقيدتهم تجاه هذه المواد الطبيعية حتى نستطيع التعامل معهم. فالفرد الذي يدور حول جدار بيت قديم في مدينة نائية سبع مرات باليوم لانفهم له معنىً، ما لم يكن لذلك العمل قيمة دينية او اجتماعية نفهمها. ولذلك، فنحن اسرى فهمنا الاجتماعي للظواهر التي تحصل امامنا. ولاشك ان رسالة الدين في حياة الفرد مهمة الى درجة انها هي التي تحدد معنى التفاعل الاجتماعي، وتفسر الظواهر الكونية والتكوينية، وتصنع اشكالاً من السلوك الجماعي والفردي ما كان ليحصل لولا وجود تلك الرسالة. والرسالة الدينية تساهم ايضاً في تهذيب السلوك الفردي والجماعي، وتطمئن توقعاتنا نحو المستقبل. بمعنى ان الدين يساهم في تهذيب شخصية الفرد الى درجة تجعلنا مطمئنين بان اليد الممتدة من فرد آخر هي ممتدة واقعاً لمصافحتنا لا لضربنا وانزال الاذى بنا. ولاشك ان المجتمعات وثقافاتها ليس لها وجود مستقل منعزل عن بقية التأثيرات الاخرى؛ بل ان وجودها مرهون بالافراد الذين يسكنون فيها ويتفاعلون فيما بينهم. ولولا التفاعل الاجتماعي بين الافراد وامضاء الشريعة له، لما تطور الفرد في حياته الانسانية، ولما تطورت المجتمعات البشرية الى المستوى الذي وصلت اليه اليوم. ومن البيّن، ان للرسالة الدينية اكبر الاثر في تطوير المجتمعات الانسانية وتطوير فهم الانسان لمحيطه الواسع الذي يعيش فيه. ولما كان ذلك التطوير هو احد نتائج التأثيرات الاجتماعية. فاننا سوف نناقش فيما يلي بعض المفردات المؤثرة على التفاعل الاجتماعي، وهي: أ ـ العبادات الاسلامية وأثرها في التفاعل الاجتماعي: وتتميز رسالة الدين بانها لاتتعامل مع جميع الاشياء والظواهر تعاملاً فيزيائياً مباشراً. بل انها تتعامل تعاملاً رمزياً مع الكثير من تلك الظواهر. فالشيطان مثلاً لا يسكن مواضع جمرة العقبة الكبرى او الوسطى او الصغرى، ولايتواجد تواجداً واقعياً في تلك الامكنة. ورمي الجمرات ما هو الا رمز يعكس تصميم الانسان على رجم الشيطان رجماً يخرجه من حياته الشخصية. فالرمز هو شيء يستطيع ان يمثّل معنى شيء آخر. وقطعة ملونة من قماش التي تمثل علم الدولة، تعتبر رمزاً لكرامتها واستقلالها؛ وسكوت المُرسِل على شيء عرفي، يمثل رمزاً لامضائه لذلك العرف؛ واغتباط فرد، يمثل رمزاً لرضاه واطمئنانه. مع ان قطعة القماش، والسكوت، والاغتباط ليست هي نفسها المعاني المرادة، وانما المراد هو ما تمثله هذه الاشياء. والرمز مهم في الرسالة السماوية، لان الرسالة السماوية ـ ولكي تقرّب المعنى المراد الى ذهن الفرد ـ لابد لها من استخدام شفرات اخلاقية وتعبيرية مفهومة. بمعنى آخر ان الخالق عز وجل، يستطيع بقدرته الجبارة الخارقة ان يجعل الشيطان يقف واقعاً امام الجمرات حتى يتهيأ الناس لرميه بالاحجار. ولكن الاسلام لايتعامل مع المعجزات والخوارق في كل الحالات وفي جميع الاوقات. بل فسح مجالاً للسنن التكوينية بممارسة دورها الطبيعي ضمن التصميم الالهي للكون. ولاشك ان اللغة وما تحويه من كلمات متفق عليها تعكس صورة واضحة عن دور الرمز في فهم المعاني التي يريدها المتكلم. فعن طريق الكلمات والرموز الاخرى يحاول الافراد تعريف وتفسير العالم الخارجي من حولهم. وعن طريق اللغة تنتظم الحياة الانسانية، لان الافراد سيتفاعلون فيما بينهم عن طريق رمز مشترك يضفي على حياتهم معان جديدة. فالتفاعل الاجتماعي ـ اذن ـ هو التفاعل الذي يحصل بين الافراد من خلال الرموز المتفق عليها كالاشارات والتعابير والكلمات. والاستجابات الانسانية لبقية الافراد في النظام الاجتماعي ما هي الا استجابات للمعاني التي يحملها سلوكهم. فنحن لانتفاعل مع الافراد مباشرة، بقدر ما نتفاعل مع المعاني التي نفسرها في سلوكهم. فابتسامة فرد ما لنا قد نتصرف تجاهها بطريقين؛ فاما ان تكون ابتسامة رضا وامتنان، واما ان تكون ابتسامة سخرية واستهزاء. وعن طريق المعنى الذي نفهمه من تلك الابتسامة نحدد استجابتنا لذلك الفرد ونحدد تفاعلنا معه. والرموز التي نفهم من خلالها النظام الاجتماعي وافراده ونتفاعل معهم، هي الرموز ذاتها التي نتفاعل بها مع الدين ورسالته الروحية والاجتماعية العظيمة. فالكلمات والتعابير والاشارات الدينية هي نظام متكامل وجسر يوصلنا الى التقرب من خالقنا العظيم، وبناء نظامنا الاجتماعي العادل. ولاشك ان مناسك الحج غنية بهذه الرموز. فالنية الداخلية بالاحرام والطواف والصلاة والسعي والوقوف والرمي والنحر والمبيت، والكلمات الشرعية كالتلبية (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك)، والدعاء عند التوجه الى عرفات مثلاً (اللهم اليك صمدت، واياك اعتمدت، ووجهك اردت، اسألك ان تبارك لي في رحلتي وان تقضي لي حاجتي)، والتعابير الانسانية كالبكاء والشعور بالذنب والتوبة الخالصة لله سبحانه، والاشارات المنظّمة كانتظام الطواف وافعال الصلاة ورمي الجمرات وتقليد الهدي ونحوها، كلها تمثل رموزاً نتفاعل بها مع ديننا الحنيف وخالقنا العظيم. الا ان هذه الرموز الموحّدة لاتساعدنا على التفاعل الروحي مع خالق الوجود فحسب، بل تساعدنا على التفاعل الاجتماعي مع بعضنا البعض ايضاً. لاننا نشعر ـ عن طريق ممارسة هذه المناسك والاعمال التعبدية ـ ان للآخرين انفساً تشابه انفسنا في الدعاء والابتهال والتذلل لخالقنا العظيم. فنحن في واقع الامر، نطوّر انفسنا الداخلية ـ عن طريق تمرين ذواتنا انفسها ـ على الاهتداء بذوات الآخرين الطاهرة. فعندما نرى مؤمناً طاهراً يمارس سلوكاً ايمانياً واجتماعياً، فان جوهرنا الداخلي سوف يتأثر بتلك الشخصية الايمانية المهذّبة، فنحاول في تصوراتنا ـ عندئذ ـ ان نرى الحياة من خلال تلك الشخصية او الذات الطاهرة كي نفهم كيف ينمو ويتطور الايمان في شخصية الانسان. وعندما نتصرف تصرفاً جماعياً موحّداً من خلال فهم الرموز المشتركة فان استعدادنا وقابليتنا على تفسير سلوك الآخرين سيجعلنا نتفاعل تفاعلاً اجتماعياً له معان مشتركة عظيمة على صعيد الانسان والحياة البشرية والنظام الاجتماعي. فالعبادات الاسلامية ـ اذن ـ وخصوصاً مناسك الحج، لها أثر واضح في التفاعل الاجتماعي بين الافراد. وهذه العبادات باشكالها الرمزية المفهومة لدى المكلفين تجعلنا اكثر استعداداً للتماسك والتفاهم الاجتماعي، وتجعل قدراتنا الاجتماعية على التأثير والتغيير اكثر فاعلية واشدّ وقعاً على بقية الحجيج القادمين من شتى ارجاء العالم. ب ـ الفرد وموقعه الخارجي على المسرح الاجتماعي : ولاشك ان تصرف الفرد على المسرح الاجتماعي مع الآخرين يختلف تماماً عن تصرفه منفرداً مع نفسه، كما ناقشنا ذلك سابقاً. فالفرد يتعلم منذ الطفولة بان سلوكه الاجتماعي مع الآخرين في المجتمع الكبير يجب ان يتناسب مع الاعراف الاجتماعية المتفق عليها بين الافراد؛ على عكس السلوك الفردي الذي يتم على الصعيد العائلي مثلاً. الا ان اختلاف صدق الافراد في اظهار حقيقة نياتهم امام الآخرين يساهم في اضطراب عملية التفاعل الاجتماعي. ولذلك، فان كل نسك او عمل عبادي من اعمال الحج، او الاعمال التعبدية الاخرى في الاسلام يتطلب نية صادقة او مسبقة بان العمل الذي سوف ينجز انما ينجز ابتغاء وجه الله تعالى وحده. فلا عجب اذن، ان يكون السلوك الجمعي الاسلامي في الحج والتفاعل الاجتماعي الناتج عنه من اكمل اشكال التفاعلات الاجتماعية، لان صدق الفرد في اظهار حقيقة نواياه في العبادة الجماعية، يساهم ايضاً في تطابق تلك النية الصافية مع حقيقة النفس الخارجية. وهذا ـ لاشك ـ يزيد من نشاط الافراد في التفاعل الاجتماعي فيما بينهم. ولولا وجوب النية في قبول الاعمال التعبدية، لأصبحت تلك الاعمال مجرد روتيناً وتكراراً يملّ منه الانسان. ولكن النية الصادقة تجدد روح الدافع الانساني نحو اكمال العمل المطلوب على افضل وجه. و«الدليل على وجوب النية قوله تعالى: ( وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين )[3]، فهذه الآية تدلّ على ان النية للحج ولجميع العبادات واجبة، لان الاخلاص بالديانة هو القربى الى الله تعالى بعملها مع ارتفاع الشوائب. والتقرب اليه تعالى لايصح الا بالعقد عليه والنية له ببرهان. والنية ارادة مخصوصة محلها القلب، وقد بيّن (ص) ذلك بقوله: ( انما الاعمال بالنيات )[4] »[5] . ولما كانت نية الفرد في اداء العمل العبادي الشخصي والجماعي عملاً داخلياً، اصبحت عملية انشاء (الانطباع الاجتماعي) من قبل الفرد عملية ثانوية وليست اساسية. بمعنى ان الفرد المؤمن المنشغل باعمال الحج لايبذل جزءًا ثميناً من وقته لتحسين مظهره الخارجي، الى درجة ان همه الاساس يصبح مجرد ترك انطباع خارجي من نوع ما على الافراد. فالاسلام ـ مع انه يشجع على النظافة الخارجية والتطيّب ـ الا انه لايعير اهتماماً كبيراً للمظاهر الخارجية، بل ينصّبُ همه الرئيسي على التأثير الداخلي على الافراد. وهذه الفكرة تعكس اختلافاً جوهرياً بين النظريتين الاسلامية والغربية النصرانية. فالنظرية الغربية المتمثلة بافكار العالم الاجتماعي الامريكي (ارفينك كوفمان) تؤكد على ان الفرد الغربي يملك في شخصيته زاوية نفسية اطلق عليها بـ (ادارة الانطباع الاجتماعي)[6]. فالفرد الغربي يحاول جاهداً عرض شخصيته على المسرح الاجتماعي بمظهر يثير اعجاب الآخرين. فمن ارتداء الملابس الانيقة، الى حمل الحقيبة الدبلوماسية، الى استخدام مواد التجميل؛ كل هذه الاعمال تدور حول تحسين مظهر الفرد الى درجة الاعجاب وتساهم في ترك آثار الانطباع الخارجي على بقية الافراد. ولكن نظرية (الانطباع الاجتماعي) فيها مخاطر اجتماعية عديدة. فالفرد الذي يعجز عن اظهار جماله على المسرح الاجتماعي بسبب القبح الخارجي التكويني، ينعزل تماماً عن النشاطات الاجتماعية؛ وهذا يفسر لنا الى حد ما حالات الانتحار والكآبة والاضطراب العقلي والامراض النفسية المتعلقة بها، في المجتمعات الغربية المعاصرة التي آمنت بقوة بنظرية (الانطباع الاجتماعي). وكذلك تظهر للعيان معاناة الفقراء الذين لايجدون مصدراً مالياً يمولون به شروط الانطباع الاجتماعي. وأمر ثالث هو ان تأثير هذا الانطباع الاجتماعي من قبل الفرد الذي يملك شروطه الواقعية يزول بزوال تلك الشروط. بمعنى ان تقدم الفرد في السن، او عجز السوق التجاري عن تقديم مواد تجميل لسبب من الاسباب، او تعرض الفرد لحادثة طارئة تسبب اعاقته، كل هذه الشروط تظهر الفرد على حقيقته دون مؤثرات خارجية؛ وعندها يكون الانطباع الاجتماعي امراً سلبياً. اما النظرية الاسلامية، فانها تعاملت مع ذاتية الفرد بهدف تطهيرها وتنقيتها، في محاولة منها بان تكون تلك الذاتية هي الاصل في ترك الانطباع الاجتماعي. وهذا التعامل مع ذاتية الفرد، اكثر ثباتاً واعظم ارتكازاً ـ بالتأكيد ـ من التعامل مع المظاهر الخارجية التي تزول بزوال الشروط الموضوعية. بمعنى ان نوايا المرَء الظاهرية في الاسلام تبقى طاهرة ونقية الى نهاية مطاف الحياة الدنيوية. ولاشك ان من اهم مصاديق التعامل الاسلامي مع الذات الانسانية هو وجوب استمرار النية الصادقة في الاعمال والمناسك التعبدية حتى الانتهاء من ادائها. بل ان ملابس الاحرام المبسطة خلال الطواف والسعي والتقصير تؤيد هذه النظرة التي تعتبر المظهر الخارجي مجرد وسيلة لستر مساوئ الانسان، وليست وسيلة لاثارة الانطباع الاجتماعي وما ينتج عنه من حسد وانحراف وانعدام عدالة وانحلال اخلاقي. ان الافراد يشكلون ويصممون تعريفاتهم للحقائق الحياتية عن طريق التفاعل الاجتماعي الذي يحصل في كل يوم. فافراد المجتمع الواحد يشاركون بعضهم البعض في فهم الحقائق والاعراف الاجتماعية. والتحية بين الافراد مثلاً تعتبر مصداقاً لهذا الفهم الاجتماعي. فمصافحة اليد تعبر عن لون من الوان التحية في مجتمع ما، بينما تعبّر الابتسامة فقط عن نفس اللون من التحية في مجتمع آخر؛ وفي مجتمع ثالث تستخدم الكلمات كرمز للتعبير عن التحية. واختلاف هذا الفهم للحقائق العرفية والاجتماعية يعكس اختلافاً للفهم الديني والثقافي والاجتماعي عند الافراد. ولاشك ان تصرفنا الاجتماعي ينبع من وحي ادراكنا لدورنا كافراد في النظام الاجتماعي. ومع ان هذه الاعراف الاجتماعية لا نعرف مصادرها التاريخية، الا اننا نعلم بان الشريعة الاسلامية أمضت بعضها، ونهت عن اخرى، وأنشأتْ اعرافاً جديدةً كالاعراف المتصلة بالعبادات مثلاً. وهذه الاعراف الجديدة للشريعة تعاملت تعاملاً ملحوظاً مع ذات الفرد، واعطت الانسان موقعاً جديداً على المسرح الاجتماعي. وتداخلت الاحكام الشرعية مع الاعراف الاجتماعية تداخلاً عظيماً بشكل جعلت الالزام الديني للفرد هو المعيار في نشاطاته الاجتماعيـة. ومناسك الحج ـ كما لاحظنا ـ من اهم مصاديق هذا الالزام الديني الجديد. وعليه، فان تطابق نية الفرد مع سلوكه الاجتماعي خلال اداء المناسك، يضع الفرد في موقع اجتماعي متميز، ويجعل قضية (الانطباع) ونحوها قضية طبيعية غير مصطنعة قد تعمل عملها الاساس في التأثير الداخلي على الافراد. وما سلوك المكلّف المؤمن في الحج الا مصداقٌ من مصاديق دوره الشرعي المتميز على المسرح الاجتماعي الانساني. ج ـ النفس الاجتماعية: ويتفق علماء الاجتماع على ان الشخصية والسلوك الفردي يتأثران ـ الى حد بعيد ـ بالسلوك الاجتماعي لبقية الافراد. ولاريب ان هذا التأثر يعكس معنى الحياة الاجتماعية التي يعيشها هؤلاء الافراد. فعن طريق النفس الاجتماعية يتم احد شيئين ذي اهمية خاصة وهما؛ اما: مساعدة الآخرين. واما: انزال الاذى بهم. فعلى صعيد مساعدة الآخرين، فقد فشلت النظريات الاخلاقية الغربية في انشاء دافع ذاتي لدى الانسان كي يساعد اخاه الانسان الآخر في الحالات الاستثنائية الطارئة. وتسمى هذه الحالة بـ (التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة)[7] وهي عدم استعداد الافراد لانقاذ ضحية خلال جريمة تقع على مرأى منهم. ولعل انصع مثال غربي على ذلك هو حادث الاعتداء على امرأة اسمها (كيتي جنوفيس) في مدينة نيويورك سنة 1964م[8]. فهذه المرأة تعرضت الى حادث اعتداء على مقربة من بيتها. وحاول الجاني ضربها حتى الموت لمدة نصف ساعة، بينما كان اكثر من ثمان وثلاثين جاراً ينظرون اليها ويتفرجون على عملية قتلها من نوافذ شققهم القريبة من مكان وقوع الجريمة. ولم يبادر اي فرد من هؤلاء لمساعدتها او حتى اخبار جهاز الشرطة بذلك. واعزى علماء الاجتماع الامريكان سبب عدم اكثراث الجيران بمنع حادث القتل على الاقل، الى ان الافراد في حالات طارئة كهذه لايعرفون الاسباب والدوافع وراء عملية القتل. ولذلك فانهم لايستطيعون تفسير عملية الضرب التي ادت الى قتل تلك المرأة. ولما كان الافراد بحاجة الى تفسير دوافع هذه الحالات الطارئة، فانهم ينتظرون من يتحرك قبلهم لانقاذ الضحية كي يقوموا بدورهم المطلوب. فالتحرك الجمعي لايتم حتى يتحمل احد الافراد المسؤولية الاخلاقية ويبادر الى مسرح الجريمة لانقاذ تلك الضحية، وعندها يبادر الآخرون. هنا تأتي النظرية الدينية الاسلامية لتصحح هذا الاعوجاج في السلوك الاجتماعي. فالدين لايحثّ فقط على مساعدة الآخرين وقت الكوارث والحالات الطارئة، بل يربط تلك المساعدة الاجتماعية بالجزاء الاخروي كما جاء في المشهور من حديث رسول الله (ص) عندما دخل المسجد فقير يسأل الناس، فقال (ص): (من سنّ في الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجرمن عمل بها بعده من غير ان ينقص من اجورهم شيء، ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير ان ينقص من اوزارهم شيء)[9]، وهو نص مطلق غير مقيد بالانفاق. بمعنى ان تحمل المسؤولية الاخلاقية في المساعدة الاجتماعية من قبل احد الافراد سوف يحرك بقية الافراد نحو تحمّل مسؤولياتهم الاجتماعية ايضا في مساعدة الآخرين ومنع الانحراف الاجتماعي. وهذا اللون من الحث الديني تظهر مصاديقه الناصعة في مناسك الحج عندما يتجمع مئات الالوف من الافراد في مكان واحد، وما ان يحصل امر طارئ لفرد حتى يتجمع بقية الافراد لمساعدته تطبيقاً للسنة الشريفة. والشيء الثاني الذي يرتكب عن طريق النفس الاجتماعية، هو انزال الاذى بالافراد. فاذا قام جندي في مؤسسة عسكرية مثلاً بقتل افراد ابرياء، قام الآخرون في نفس المجموعة بالمشاركة في القتل دون ان يكون هناك دافع واضح نحو الاقدام على ذلك العمل الجنائي. وهذا عين ما حصل خلال حرب فيتنام سنة 1968م. فقد قامت حضيرة من الجنود الامريكان باقتحام قرية فيتنامية اسمها (مي لاي) وقتلت المئات من الاطفال والنساء والشيوخ دون مبرر او ذنب اقترفه هؤلاء الابرياء. وعند التحقيق في اسباب الجريمة تبين ان اغلب الجنود الذين شاركوا في ذلك العمل قالوا بانهم انما قتلوا الابرياء لانهم رأوا جنوداً آخرين من حولهم كانوا يقومون بعمليات القتل[10]. فكان قيام فرد واحد بالقتل قد شجع الآخرين على القيام بنفس العمل، لان المسؤولية الاخلاقية الفردية ذابت في العمل الجماعي. وممارسات النفس الاجتماعية هذه تفسر الكثير من الجرائم التي ترتكب بحق الانسانية، خصوصاً تلك التي تشرف عليها الحكومات الظالمة. الا ان الدين ورسالته الاجتماعية العادلة هذّبت النفس الاجتماعية. فالامان الذي ينعم به الافراد وقت المناسك وما بعدها ما هو الا نتيجة طبيعية للالزام الذي أنشأه الدين عند الافراد. وهذا الالزام الاخلاقي الذاتي كان له اعظم الاثر في منع العمل الاجرامي الجماعي او الفردي. فقد حَكَمَ المولى عز وجل بحرمة البيت الحرام، وأكد على ان من عاذ به والتجأ اليه لايخاف على نفسه ما دام فيه. ولعظم حرمته «أن من جنى جنايةً فالتجأ اليه لايقام عليه الحد فيه، لكن يضيّق عليه في المطعم والمشرب حتى يخرج فيحدّ. فان أحدث فيه ما يوجب الحد أقيم فيه الحد، لانه هتكَ حرمة الحرم»[11]. ولاشك ان الآيات القرآنية الكريمة تؤكد على اطار الامان الجماعي وعلى منع الانحراف الاجتماعي في الحرم الآمن، كما في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمناً)[12]، (واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً)[13]. قال ابن عباس كان المسجد الحرام أمناً قبل دعوة ابراهيم (ع)، لقول النبي (ص) حين فتح مكة: (هذه حرم حرّمه الله يوم خلق السماوات والارض)[14]. وهذا التأكيد الاسلامي على امان الحرم وسلامة الافراد الناشطين في اداء المناسك التعبدية فيه لايفسح مجالاً للنظريات الغربية ـ التي تتناول النفس الاجتماعية من منظاري (التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة) و(انزال الاذى الجماعي بالافراد) ـ بتطبيق ارائها على المجتمع الاسلامي. والخلاصة ان النفس الاجتماعية التي هذبها الاسلام، هي النفس المطمئنة الثابتة التي تتعامل مع الآخرين من منظار التعاون والتآخي والمشاركة في الآلام والافراح الانسانية. ولاشك ان مناسك الحج تعتبر من افضل المصاديق لهذه النظرية الالهية العظيمة. د - معاني الالفاظ والاشارات الجسدية: وبالرغم من ان اللغة تعتبر وسيلة مهمة من وسائل التفاعل الاجتماعي، الا ان الاتصال غير الشفهي ـ وهو تبادل المعلومات او التعبير عن عمل ما بواسطة رموز غير لغوية كالاشارات والتعابير الجسدية ـ يعتبر مهماً ايضا في وسائل الاتصال الاجتماعي والديني. فيستطيع الجسم الانساني عموماً ـ والوجه البشري بالخصوص ـ القيام بحركات متنوعة تصل ـ حسبما قدّره علماء النفس المعاصرون[15] ـ الى اكثر من ربع مليون حركة وتعبير مختلف، كالغضب والحزن والفرح والتعجب والخوف والقلق ونحوها. ولاريب ان حركات الجسم الانساني تبعث بشكل مباشر او غير مباشر برسائل ورموز مفهومة على الصعيدين الاجتماعي والديني. وحتى ان جهاز اكتشاف الكذب المسمى بالـ (بولي گراف) والذي اخترع بالاصل لمعرفة مدى صدق الشاهد على المسرح القضائي يستند على فكرة ان تعمد الكذب تسبب قلقاً للكاذب لايستطيع السيطرة عليه، فتزداد دقات القلب، ويرتفع ضغط الدم، ويشتد التنفس، وهي امور يمكن قياسها بواسطة جهاز حساس مصمم في الـ (بولي گراف). ومع ان هذا الاختراع لايمكن الاعتماد عليه في المحاكم والمحافل القانونية، الا ان فكرته تفسر جانباً من تعابير الانسان. وهو جانب القلق الناجم عن الادلاء بمعلومات كاذبة. ومن الواضح ان الاشارات والتعابير الجسدية تختلف من مجتمع الى آخر حسب التركيبة الثقافية والدينية التي يعيشها الافراد في ذلك المجتمع. ومن امثلتها ان وضع اليد على الانف مثلا لاتعني شيئا في المجتمعات الشرقية، الا انها تعني الرفض عند بعض القبائل الافريقية التي تعيش في المحيط الهادي، وعند الاسكيمو تعني التحية والترحيب[16]. ولاشك ان هذه الاشارات تستطيع ان تبعث برسائل اجتماعية فعالة بين الافراد. ولكن الاشارات والتعابير الجسدية غير محدودة بحدود الاشارات الاجتماعية، بل ان لها معان دينية ايضاً. فالدين، وفهماً منه لطبيعة الانسان في التعبير استخدم الاشارات والتعابير الجسدية في العبادات كالصلاة والحج. فالصلاة بشكلها الخارجي، كاستحباب رفع اليدين الى الاذنين او حيال الوجه في تكبيرة الاحرام، والوقوف في القراءة، والانحناء في الركوع والسجود، والجلوس في التسليم، ورفع اليدين عند الدعاء ما هي الا تعابير جسدية للاتصال بالخالق عز وجل عبر اللغة والتعبير الجسدي الشرعي الذي وضعه الشارع عز وجل للمكلف. والطواف، والسعي، والوقوف في عرفات والمشعر الحرام، والرمي، والمبيت في منى هي ايضا تعابير جسدية لطبيعة هذه العبادة الواجبة على المكلفين. والذي يهمّنا على هذا الصعيد هو ان التعابير الجسدية في الحج هي وسيلة من وسائل التفاعل الاجتماعي، لان الجدية في اداء المناسك والتي تعكسها تلك التعابير الجسدية من الخوف من الخالق عز وجل، والبكاء خشية منه، والتضرع والدعاء، وانتظام الجسم في الطواف، والاسراع في بعض مراحل السعي، كلها تساهم في عملية التماسك الديني بين الافراد؛ خصوصاً عندما يشعر الافراد انهم يؤدون هذه المناسك مجتمعين، فتكون التعابير الجسدية وسيلة من وسائل انتظام الافراد وانضباطهم كأمة لها كيانها الروحي والفكري والعبادي المتميز. ولاشك ان هذه التعابير الجسدية الجماعية في ممارسة الفريضة تساهم في انشاء تفاعل اجتماعي داخلي بين الافراد له ابعاده الاجتماعية العظيمة. هـ ـ القرب المكاني: ومن طرق الاتصال والتأثير الاجتماعي بين الافراد هو تقدير المسافة المكانية التي تفصلهم عن بعضهم البعض. فللافراد حساسية قوية تجاه المساحة المكانية التي تحيط بهم. وفيما اذا انتُهكت هذه المساحة شعروا بان حقاً طبيعياً من حقوقهم الانسانية قد انتهك. فالافراد الذين يعيشون وينتقلون من منطقة الى اخرى في المدن الخارقة كنيويورك ولندن ومكسيكو سيتي مثلاً يشعرون بجهد نفسي بسبب الازدحام وانتهاك المساحة المكانية المقررة اجتماعياً للفرد. وهذا الجهد النفسي يكون في اغلب الاحيان منشأً لاعمال العنف والجريمة التي تحصل في تلك المدن؛ لان الفرد بطبيعته الانسانية لايشعر بارتياح تجاه الغرباء في المدينة التي يعيش فيها، ولذلك فان اي انتهاك للمساحة المكانية من قبل غريب لانعرفه هو انتهاك لحقوقنا الشخصية. ولكن المساحة المكانية حول الفرد، والتي يحددها ذلك الفرد لنفسه، تختلف باختلاف العلاقة العائلية والشخصية والسياسية والدينية. وعلى ضوء ذلك فقد قسّم علماء الاجتماع[17] تلك المساحة الى اربعة اقسام: 1 ـ المساحة الزوجية: وهي المساحة المكانية التي يمنحها الفرد لزوجه، فالقرب المكاني بين الزوجين يعتبر من اكثر الاماكن خصوصية على الصعيد الشخصي. 2 ـ المساحة المكانية الخاصة بالاصدقاء وذوي القربى، وهي مساحة دائرية يقف ضمنها الاصدقاء بقرب ملحوظ. 3 ـ المساحة الاجتماعية: وهي المساحة التي لايتقارب فيها الافراد بسبب بعدهم الاجتماعي او الطبقي. ومثالها المسافة التي يضعها التلميذ مع استاذه او العامل مع مدير شركته. 4 ـ المساحة الخطابية او القيادية: وهي المساحة المكانية التي يصممها الخطيب بينه وبين مستمعيه، او المساحة الموضوعة بين القائد واتباعه، لان الخطيب او القائد لابد وان يتميز عن الجمهور. ولاريب ان للافراد في مناسك الحج مساحتهم المكانية، وهي المساحة المكانية الخاصة بذوي القربى والاصدقاء. لان المساحة الزوجية تنتفي بحرمتها وقت الاحرام واداء المناسك، والمساحة الاجتماعية تنتفي ايضاً لزوال الجانب الطبقي تماماً في اداء المناسك. وليس للمساحة الخطابية او القيادية دور في المناسك نفسها، لان المناسك تؤدى دون وجود قائد ميداني. فتبقى المساحة المكانية الخاصة بذوي القربى والاصدقاء هي المساحة الاساسية في اداء المناسك. ولاشك ان هذه المساحة لها بعدها الاجتماعي ايضا في التقارب بين الافراد من مجتمعات متباعدة في الثقافة والتركيبة التاريخية والحضارية. الانتماء الاجتماعي في الحج ولاشك ان الفرد لايستطيع ان يعيش منفرداً دون مشاركة الآخرين ومرافقتهم في اغلب النشاطات الحياتية اليومية في العمل والتعليم والعبادة. فنحن خلقنا كي نعيش في مجاميع صغيرة او كبيرة؛ وهذا يفسّر لنا الى حد بعيد سبب حثّ الدين الحنيف على ضرورة التزاوج، والتزاور، والعمل المشترك، والمشاركة في الاعمال التعبدية بصورة جماعية. فحاجتنا الانسانية نحو الاتصال بالآخرين والاجتماع بهم ليست مطلباً عملياً يسهّل علينا الحياة الاجتماعية فحسب، بل انها حاجة نفسية غريزية. ولذلك فان الانعزال عن الاخرين يسبب امراضاً عقلية للفرد المنعزل. وأهم ثمار الاجتماع الانساني هو اشباع حاجة نفسية اساسية للفرد وهي الشعور بـ (الانتماء الاجتماعي). فالانتماء يميز الفرد ويشعره بهويته الاجتماعية التي تميزه عن الغرباء. والشعور بالانتماء الاجتماعي نحو فكرة او عقيدة معينة يساهم بشكل فعال في التفاعل والتأثير بين الافراد. فالافراد الذين يتجمعون في حافلة كبيرة للنقل العام في احدى المدن الكبيرة لايحصل بينهم التفاعل والتأثير الاجتماعي المطلوب، لانهم لايشعرون بالانتماء الى نفس الفكرة او العقيدة التي تجمع الحجيج مثلاً. الا ان مناسك الحج تلهب شعور الفرد المسلم بالانتماء الاجتماعي لمجتمع التوحيد العالمي. فطبيعة التفاعل والتغير المستمر الذي يختبره الفرد في حياته الاجتماعية تجعل مسألة الانتماء مهمة للغاية. ولايشبع هذا الشعور الانساني بالانتماء شيء غير الدين ورسالته العظيمة التي توحّد توجهات الافراد نحو هدف واحد. ومن الطبيعي ان اهداف الانتماء الاجتماعي لن تتكامل ما لم يشعر الفرد بالامان. ولاشك ان الحج يعطي الفرد شعوراً بالامان لوقوعه في الاشهر الحرم التي يحرم فيها القتال اولاً، ولان المناسك يجب ان تؤدى في وضع شرعي أمني خاص. والانسان بطبيعته يحتاج الى حماية الجماعة ومساندتها. ومن اجل ذلك، فقد اورد الاسلام ترتيبات أمنية على درجة عظيمة من الدقة والإحكام، منها: 1 ـ تقرير الامن في البيت الحرام، بعد ان اوجب اليه الحج ـ بشروطه الشرعية ـ على المكلفين، كما ورد في النص المجيد: (ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين. فيه آيات بينات مقامُ ابراهيم ومن دخله كان آمناً...)[18]، و(لقد صدق اللهُ رسوله الرؤيا بالحق لتدخُلُنّ المسجد الحرام ان شاء اللهُ آمنين محلقين رؤوسكم ومقصّرين لاتخافون...)[19]. وكون الحرم آمناً يأمن من دخله، يعكس أهمية الامان في استقرار التأثير الاجتماعي على الافراد. 2 ـ حرمة الاعتداء على الآخرين، او حرمة القتال في الاشهر الحرم ـ وهي شهر رجب الفرد وذو القعدة وذو الحجة ومحرم الحرام ـ ووجوب حفظ حرمة الشعائر وحرمة القاصدين لزيارة البيت الحرام، كما ورد في النص المجيد: (ياايها الذين آمنوا لاتحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهديَ ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً واذا حللتم فاصطادوا ولايجرمنكم شنآنُ قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم والعدوان)[20]. 3 ـ حرمة مكة المشرفة وضرورة تعظيمها. فهي البلدة التي شرفّها الله سبحانه من وجهين؛ الاول: الحرمة باعتبار مناسك الحج. والثاني: نسبة تلك البلدة اليه، كما قال عز من قائل: (انما أمرت ان اعبد رب هذه البلدةِ الذي حرمّها ولهُ كلُ شيء وأمرتُ ان اكون من المسلمين)[21]. 4 ـ منع كل اساليب الالتواء وتعكير صفو الامن خلال اداء المناسك، كالكذب والجدال، كما جاء في النص المجيد: (الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)[22]. واللافت للنظر ان مناسك الحج ـ بكثرة عدد المشاركين فيها واتساع الرقعة الجغرافية التي تمارس فيه ـ تتم دون وجود قائد ميداني يقود جماهير الحجيج نحو هدف ما مثلاً. بل ان كل فرد مسؤول مسؤولية تامة عما يعمله ويقوم به من مناسك في الطواف والصلاة والسعي والوقوف والرمي والنحر والمبيت. وهذا النظام الدقيق الذي ينفّذ على مساحة جغرافية واسعة دون وجود قائد ميداني يقود الافراد يعتبر من معجزات هذا السلوك الجمعي. ومناسك الحج هذه تتميز عن اعمال الحركات الاجتماعية التي لاتتحرك دون وجود قائد منظور ونظام بيروقراطي هرمي يسيطر على الحركة. ولكن تميز اعمال ومناسك الحج عن نشاط الحركات الاجتماعية يعكس تميز الخالق عز وجل الذي شرّع تلك المناسك عن المخلوقات التي انشأت الحركات الاجتماعية. ولعل احد أشكال الاعجاز الاجتماعي في الحج، هو ان هذه المناسك يقوم بها ملايين الحجيج من شتى المجتمعات والحضارات والتركيبات الثقافية، وبهذه الدقة، دون وجود تركيب اداري لادارة هذه الاعمال الجماعية كما يحصل في المؤسسات التعليمية والتجارية والصناعية الكبيرة، ودون سلسلة قيادة لادارة هذا الجمع العظيم من الافراد. ان الشعور بالامان الجماعي خلال اداء المناسك يرسخ فكرة (الانتماء الاجتماعي) التي تعكس حاجة الانسان لتشخيص هويته الدينية والاجتماعية التي تميزه عن الغرباء. الفرد ضمن المجموع وتتميز النفس الانسانية بتخصصها وانفرادها وانفصالها عن بقية الافراد والاشياء. فالنفس الانسانية كيان مستقل له القدرة على الاحساس والشعور والمحاسبة. فنحن نختلف عن بقية الكائنات الحية بادراك حواسنا، ولدينا القدرة على التفكير حول انفسنا بالذات. فنفتخر بانفسنا عندما نعمل عملاً رائعاً، ونلومها عندما نرتكب مخالفة ما، ونحبها عندما تتوطن ثقتنا بها، ونغيّرها عندما نحس بالحاجة الى التغيير، وبالاجمال فنحن نتحدث الى انفسنا في كل لحظة ومتى نشاء. ولاشك اننا عندما ننظر الى انفسنا، فاننا ننظر اليها اما من خلال وظيفتنا الاجتماعية، ونوع جنسنا وديانتنا، فنحن طلبة ذكور مسلمون مثلاً؛ او ننظر اليها من خلال خصائصنا المعنوية كالكرم والشرف والجدية، فنحن مجموعة من الافراد كرماء وشرفاء وجديون. وبالاجمال، فاننا عندما ننظر الى انفسنا ونتحدث اليها، نحاول الاجابة على سؤال مهم وهو: من نحن؟ وماذا نمثّل في حياتنا الاجتماعية؟ ان الاجابة على هذا السؤال ليست ميسورة بالمقدار الذي نفهمه من النظريات الاجتماعية الحديثة، ما لم ندخل النظرية الدينية في الحساب. فالدين تعامل مع النفس الانسانية تعاملاً مباشراً عبر مخاطبتها بالخطاب الشرعي والعقلي. ولكن حديثنا هنا لاينصبّ على معرفة النفس على الصعيد التكويني، بل انه ينصبّ حول معرفة النفس من خلال التفاعل الاجتماعي بين الافراد. فخلال مراحل الطفولة وعدم التكليف لايشعر الانسان باحساس معين تجاه النفس، الا عندما تبدأ غريزة حب التملك عنده بالنمو، وعندها تبدأ صفات النفس المتميزة بالتطور عبر مفهوم (انا) و(هم). ولعل أهم النظريات التي تفسر بروز النفس الانسانية من خلال التفاعل الاجتماعي نظريتان؛ هما: النظرية المرآتية، والنظرية التقمصية. فالنظرية المرآتية ترى ان فكرة النفس انما تنعكس عن المرآة الاجتماعية التي نراقب من خلالها نظرة الافراد الينا وتعاملهم معنا. فنحن ننظر الى انفسنا من خلال تلك المرآة الاجتماعية، فنتعلم من خلال استجابات الآخرين حجم قدراتنا الفكرية والخطابية، ومن خلال نظراتهم نتعلم بان مظهرنا الخارجي مقبول اجتماعياً او مرفوض، ومن خلال تعاملهم معنا نعلم اننا محترمون او غير محترمين. وقد فصّل (جارلس كولي) عالم الاقتصاد والاجتماع الامريكي القول في هذه النظرية[23] مفترضاً بان عملية تطور النفس تتضمن خطوات ثلاث؛ الاولى: اننا نتصور في البداية مظهرنا الخارجي وسلوكنا الذي نحاول عرضه على الآخرين. فنحن نتصور انفسنا اذكياء عندما نقابل معلمينا في صفوف المدارس، ورحماء وعطوفين عندما نقابل آباءنا وامهاتنا، وابطالاً عندما نقابل مجاهدين في معركة ما. والثانية: نحاول في هذه المرحلة ان نفسر تفاعل الآخرين معنا. فنحن نتصور كيف حكم الآخرون على مظهرنا الذي عرضناه عليهم. هل ان الآخرين حقاً رأونا مثلما رأينا انفسنا نحن، ام انهم اخذوا انطباعاً اخر يختلف عن توقعاتنا؟ والثالثة: نستخدم في هذه المرحلة الاخيرة تفسيرنا حول حكم الآخرين على سلوكنا، ومن خلاله نطور مشاعرنا حول انفسنا. فاذا رأينا ان المرآة الاجتماعية تتقبلنا وتحترمنا في المجتمع، كررنا سلوكنا الذي سلكناه في بداية الامر. واذا رأينا ان المرآة الاجتماعية لم تتقبل ذلك السلوك الذي سلكناه، فان نظرتنا حول انفسنا سوف تتبدل، ولابد لنا من تغيير سلوكنا لاحقاً. ولاشك ان النظرية المرآتية كانت قد طورتها النظرية الدينية قبل ان يولد (جارلس كولي) بمئات السنين. فالنفس الانسانية لا يمكن ان تتطور دون وجود عاملين: المجتمع الانساني، والكمال الالهي. فعن طريق التأكيد على دور النفس في النية والعمل والجهد والجزاء، لم يجعل الاسلام المجتمع وحده مرآةً للنفس بل جعل الكمال الالهي مرآة عليا ينظر الانسان من خلالها الى ذاته. فالفرد المؤمن الطموح يجهد نفسه في سبيل ممارسة سلوك طاهر نظيف، لان النفس الانسانية المؤمنة تنظر الى المرآة الالهية قبل ان تنظر للمرآة الاجتماعية. فاذا كان السلوكان الداخلي والخارجي مطابقين للخطاب الشرعي، كانت تلك النفس اكثر كمالاً؛ وعندها تكرر نفس السلوك ـ الذي سلكته في مناسك الحج مثلاً ـ لاحقاً في حياتها الاجتماعية. الا ان المرآة الاجتماعية على درجة كبيرة من الاهمية بالنسبة للافراد الاقل تديناً وعلماً. ومناسك الحج تعتبر ميداناً لصدق النظرية المرآتية الاسلامية بقسميها الالهي والاجتماعي. فالاحرام والطواف والسعي والوقوف والرمي وبقية المناسك ترفع المكلّف المجتهد في اعماله الى عرض سلوكه على المرآة الالهية طامحاً الرضا الالهي والقبول الابدي. الا ان ذلك لن يمنع الحاج من النظر الى المرآة الاجتماعية باعتبارها اداةً للتعلم واكتساب المعارف الدينية والاخلاقية. وبذلك يكون الحج ميداناً عملياً لتمرين النفس الانسانية على التفاعل الروحي مع خالق الوجود، وعلى التفاعل الاجتماعي مع بقية الافراد. والنظرية الثانية هي النظرية التقمصية. وهي النظرية التي تؤمن بان الافراد ـ ومن اجل ان يكون سلوكهم مقبولاً اجتماعياً ـ فلابد لهم من تقمص شخصيات الآخرين او التظاهر بمحاولة تطبيق ادوارهم الاجتماعية[24]. ولذلك فان الفرد المتقمِص ينظر الى العالم والمحيط الخارجي من خلال وجهات نظر الآخرين. الا ان النظرية الاسلامية ترفض التقمص باعتباره ظاهرة من ظواهر التقليد الاعمى، لكنها تشجع الافراد على الاقتداء بغيرهم الاكثر كمالاً. لان النفس الانسانية مستقلة تماماً عن انفس الآخرين ولاتتطور هذه النفس الا بالاقتداء بهؤلاء الذين يتلالأون في سماء الكمال والمجد والعصمة. بمعنى ان للنفس الانسانية صلاحية تطوير ذاتها بما يتناسب مع مفردات الشريعة والاقتداء بشخصيات مسددة من قبل الذات الالهية كرسول الله (ص)، كما جاء في النص المجيد: (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)[25]، ولكنها لاتستطيع ان تتقمص شخصية فرد آخر وتتظاهر بذلك؛ لان التقمص يتناقض مع حسن نية الفرد في بناء النفس بناءً روحياً واجتماعياً سليماً. ولما كانت النفوس البشرية تختلف تماماً عن بعضها البعض وتحتاج في نفسها الى تطوير ذاتي، اصبحت عملية الاقتداء بالاكمل - وليس التقمص - الاصل في تطوير تلك النفوس. ولاشك ان المسؤولية الفردية التي وضعها الاسلام على كاهل الفرد، تشجعه على ممارسة اسلوب الاقتداء والاسوة ورفض التقمص. ولاريب ان مناسك الحج، والاوقات التي يقضيها الحجيج خارج وقت المناسك تلعب دوراً مهماً في عملية الاقتداء والتأسي بين الافراد من مختلف الثقافات الاجتماعية. ولكن العالم الاجتماعي الغربي (جورج ميد) اشار في تبنّيه للنظرية التقمصية الى ان الفرد تتصارع في شخصيته نوعان من (الانا). الاولى: الانا الذاتية غير الاجتماعية وهي التي تبحث دائماً عن شهوتها، والثاني: الانا الاجتماعية التي تخضع صاغرة للقيم والتوقعات الاجتماعية. والانا الاجتماعية هي التي تتقمص شخصيات الآخرين. ولكن (جورج ميد) لم يميز بين الانا الذاتية غير الاجتماعية التي تبحث عن الشهوة وبين الانا الذاتية غير الاجتماعية التي تبحث عن الخير. ولاشك ان كلتيهما موجودتان عند الانسان. ورسالة الدين انما جاءت لتهذّب الانا الذاتية غير الاجتماعية عبر الاتصال الروحي بالله سبحانه وتعالى، وهو الذي قال فيها عز جلاله: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)[26]، ثم قال: (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها)[27]. فالنفس الانسانية كيان ملهم يميز بين الفجور والتقوى؛ وما على الفرد الا انماء تلك النفس الخيرة وتزويدها بما يمدّها باسباب النقاء. وهذه النظرة القرآنية اشمل بكثير من فرضية (جورج ميد). أضف الى ذلك ان (جورج ميد) لم يميّز بين الانا الاجتماعية المطيعة وبين الانا الاجتماعية المتمردة. وليس كل الذوات الاجتماعية صاغرة للقيم والتوقعات الاجتماعية. والا، فلو كان افتراضه صحيحاً لعجزنا عن تفسير الثورة والتمرد والعصيان الذي يقوم به الافراد ضد النظام الاجتماعي. والنتيجة، هي ان النفس الانسانية بما فيها من حب للشهوات ونزوع للخير وحب للاجتماع تحتاج الى نظام ملزِم في التهذيب والتنظيم، ولاتجد النفس الانسانية ذلك النظام الا في رسالة الدين السماوية. (نهاية ص 135)
[1] فقه القرآن للراوندي ص 327. [2] ارفينك كوفمان. التفاعل الاستراتيجي. فيلادلفيا: مطبعة جامعة بنسلفانيا، 1969م. [3] سورة البينة: الآية 5. [4] وسائل الشيعة ج 1 ص 34. [5] فقه القرآن للراوندي ص 269. [6] ارفينك كوفمان. التفاعل التقليدي: بحوث حول السلوك وجهاً لوجه. نيويورك: دبل دي، 1967. [7] بب لاتان وجون دارلي. التفرج على الجريمة مع شعور اللامبالاة. مقالة علمية في مجلة (العالِم الامريكي)، عدد 57، 1969م. ص 244-268. [8] بب لاتان وجين رودين. امرآة في مأزق: التأثيرات المثبطة للاصدقاء والغرباء على تدخل المتفرجين على الجريمة. مقالة علمية في مجلة (علم النفس الاجتماعي التجريبي). عدد 5، 1969م. ص 189-202. [9] مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري - حديث 533. [10] ستانلي ميلكرام. اطاعة السلطة: نظرة تجريبية. نيويورك: هاربر ورو، 1973م. وايضاَ: ترافيس هيرشي. اسباب الجنوح. بيركلي، كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1969م. [11] فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 289، والكافي ج 4 ص 226. [12] سورة آل عمران: الآية 97. [13] سورة البقرة: الآية 126. [14] الكافي ج 4 ص 226. [15] بول ايكمان وآخرون. العاطفة في الوجه الانساني. نيويورك: مطبعة بيركامون، 1985م. [16] ديزموند موريس وآخرون. التعابير. نيويورك: ستاين ودي، 1979م. [17] ادوارد هول. البعد المخفي. نيويورك: دبل دي، 1966م. [18] سورة آل عمران: الآية 96-97. [19] سورة الفتح: الآية 27. [20] سورة المائدة: الآية 2. [21] سورة النمل: الآية 91. [22] سورة البقرة: الآية 197. [23] جارلس كولي. الطبيعة الانسانية والنظام الاجتماعي. نيويورك: سكرايبنر، 1902م. [24] جورج ميد. العقل، النفس، والمجتمع: من وجهة نظر عالم اجتماعي سلوكي. تحرير: جارلس موريس. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1934م. [25] سورة : الآية . [26] سورة الشمس: الآية 7-8. [27] سورة الشمس: الآية 9-10. |