|
(ص 135 -152) الفصل الخامس في بعض مسائله [المسألة] الاولى: في حكم ادراك الامام في الركعة الثانية من الجمعة لو صلى الامام في الوقت الذي يسع الخطبتين والصلاة، ولكن لم يحضر المأموم الخطبة واول الصلاة. ولكنه ادرك مع الامام ركعة، صلى جمعة، كما ادعي عليه الاجماع. وتدل عليه جملة من الاخبار: منها صحيحة الفضل بن عبد الملك عن ابي عبدالله (ع) قال: «اذا ادرك الرجل ركعة، فقد ادرك الجمعة. وان فاتته فليصلّ اربعاً »[1] . ومنها صحيحة عبدالرحمن عن ابي عبدالله (ع) قال: «اذا ادركتَ الامام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة، فاضف اليها ركعة اخرى واجهر فيها. وان ادركته وهو يتشهد، فصلّ اربعاً » [2]. ومنها خبر الحلبي عن ابي عبدالله (ع) انه سأله عمن يدرك الخطبة يوم الجمعة قال: «يصلي ركعتين، فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ اربعاً. وقال: اذا ادركت الامام قبل ان يركع الركعة الاخيرة فقد ادركت الصلاة وان انت ادركته بعدما ركع فهي الظهر اربع»[3] . ولا يعارضها صحيحة ابن سنان عن ابي عبدالله (ع) قال: «لا تكون الجمعة الا لمن ادرك الخطبتين»[4] لصراحة تلك الاخبار الصحيحة بخلافها. وامكان حمل هذه الصحيحة على نفي الكمال، وتحقق ادراك الركعة بادراك الامام قبل تكبيرة الركوع بلا اشكال. وهل يتحقق لو ادرك الامام راكعاً في الثانية كما نسب الى المشهور ام لا؟ بل يعتبر ادراك تكبير الركوع في ادراك الركعة، كما حكي عن المفيد والشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» و«النهاية». ويدلّ على الاول الاخبار المستفيضة الدالة على ادراك الجماعة بادراك الامام راكعاً قبل ان يرفع رأسه. حجة القول الثاني صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: «إن لم تدرك القوم قبل ان يكبّر الامام للركعة فلا تدخلن معهم في تلك الركعة»[5] . وصحيحته الاخرى ايضا عن ابي جعفر (ع) قال: «لا تعتدّ بالركعة التي لم تشهد تكبيرتها مع الامام»[6] . وصحيحته الثالثة ايضا عن ابي جعفر (ع) قال: «اذا ادركت التكبيرة قبل ان يركع الامام فقد ادركت الصلاة»[7] . وروايته الاخرى عن ابي عبدالله (ع) قال: «اذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل معهم في تلك الركعة»[8]. ولا يخفى عدم معارضة ما ذكر للنصوص المستفيضة الدالة بالصراحة على صحة الاقتداء بادراك الامام راكعاً، لإمكان حمل ما يدل على عدم الاختلاف بالركعة التي لم يدرك تكبيرها مع الامام على عدم الاعتداد من جهة الفضل لا الإجزاء. بمعنى انه لا ينبغي تأخير الاقتداء الى ان يركع الامام اختياراً او غير ذلك من المحامل. نعم يمكن القول باختصاص الجمعة بهذا الحكم لرواية الحلبي المتقدمة: «اذا ادركت الامام قبل ان يركع الركعة الاخيرة فقد ادركت الصلاة. فان انت ادركته بعدما ركع فهي الظهر اربع»[9] بناءً على ظهور قوله (ع) قبل ان يركع في ادراك الامام قبل تحقق اصل الركوع منه لا في اتمامه. كما ان قوله (ع): «وان ادركته بعدما ركع» ايضاً ظاهر في ادراك الامام بعد تحقق اصل الركوع لا الفراغ منه. فادراك الامام في حال الركوع داخل في ادراكه بعد تحقق الركوع. لكن الانصاف انه لا يمكن تخصيص المطلقات الواردة في باب الجماعة النّاصّة في كفاية إدراك الامام راكعاً في صحة الجماعة. ويدلّ على ذلك ايضاً صحيحة عبدالرحمن المتقدمة: «وان ادركته وهو يتشهد فصّل اربعاً»[10]. اذ الظاهر ان قوله (ع) وهو يتشهد كناية عن الفراغ عن الركوع في الركعة الثانية، كما لا يخفى. [المسألة] الثانية: الجهر بالقراءة لا اشكال في رجحان الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، وتدل عليه الاخبار المستفيضة. منها صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: «انما فرض الله عز وجل على الناس من الجمعة الى الجمعة خمس وثلاثين صلاة». الى ان قال: «والقراءة فيها بالجهر»[11]. ومنها صحيحة عبدالرحمن عن ابي عبدالله (ع) قال: «اذا ادركت الامام يوم الجمعة وقد سبقك بركعة، فاضف اليها ركعة اخرى واجهر فيها. فان ادركته وهو يتشهد فصّل اربعاً »[12] . ومنها صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبدالله (ع) قال: «وليقعد قعدة بين الخطبتين ويجهر بالقراءة»[13] . ومنها صحيحة جميل قال: «سألت ابا عبدالله (ع) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر فقال: «تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر. ولا يجهر الامام فيها بالقراءة، انما يجهر اذا كانت خطبة»[14]. ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال سألته عن صلاة الجمعة في السفر فقال: «تصنعون كما تصنعون في الظهر ولا يجهر الامام فيها ما يقرأه وانما يجهر اذا كانت خطبة»[15] . وليس في قبال هذه الاخبار ما يصرح بترخيص الاخفات فيها، لكن نقل الاجماع على الاستحباب كما قيل. فالمتواتر والمحكي في «المدارك» انه قد قطع الاصحاب بعدم وحوب الجهر في هذه الصلاة[16] . وانت خبير بانه مضافاً الى ظهور الاخبار المستفيضة في لزوم الجهر، تأبى بعض الاخبار ارادة الاستحباب. كصحيحة جميل بن دراج وكذا صحيحة محمد بن مسلم حيث نهى عن الجهر في السفر لعدم الجمعة عليه، وقال (ع): «تصنعون كما تصنعون في الظهر وانما الجهر اذا كانت خطبته». فان قوله (ع): «لا يجهر الامام فيها» اي في صلاة الظهر، لا يجوز حمله على المنع لما ثبت في جملة الاخبار الصحيحة من استحباب الجهر في صلاة الظهر يوم الجمعة. فلابد من حمل قوله (ع): «ولا يجهر الامام فيها» على عدم وجوب الجهر. فيكون معنى قوله (ع): «وانما الجهر اذا كانت خطبته» ان وجوب الجهر منحصر فيما كانت خطبته. فليس للقول بالاستحباب مدرك سوى الاجماعات المنقولة المستفيضة بل قيل انها متواترة. نعم استدل في المحكي عن «المدارك» بصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي في الفرائض الجهرية في القراءة هل عليه ان لا يجهر ؟ قال (ع): «ان شاء جهر وان شاء لم يجهر»[17] . لكن الاستدلال بها مبني على القول بنفي وجوب الجهر في ساير الصلوات الجهرية. واما على المشهور من لزوم الجهر في سائر الصلوات الجهرية فلا يصح الاستشهاد بها، اذ لا يصح صرف السؤال والجواب الى خصوص صلاة الجمعة كما لا يخفى. وكيف كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالاتيان جهراً. [المسألة] الثالثة: في بطلان الظهر ممن وظيفته الجمعة عيناً المستفاد من الاخبار ان صلاة الجمعة هي الظهر بعينها في يوم الجمعة، كما يفصح عن ذلك صحيحة الفضل بن عبدالملك : قال سمعت ابا عبدالله (ع) يقول: «اذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا اذا كانوا خمسة نفر»[18]. وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما قال سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة ؟ قال: «نعم ويصلّون اربعاً اذا لم يكن من يخطب»[19] . وغير ذلك من الروايات. ومن ذلك يظهر انه لو وجبت عليه الجمعة عيناً فصلى الظهر اربع ركعات، كانت صلاته باطلة؛ ووجب السعي الى الجمعة فان ادركها والا اعاد الظهر اربع ركعات، ولم يجهر بالاول. والحاصل ان مقتضى الادلة ان صلاة الظهر على من تحقق له شرائط الوجوب العيني ركعتان بالكيفية الخاصة، وعلى غيره اربع ركعات. قيل ان صلاة الظهر على الحاضر اربع ركعات والمسافر ركعتان، فلا يتوهم ان سقوط الظهر عمن وجبت عليه الجمعة من جهة المزاحمة فيترتب عليه انه لو ترك الجمعة واتى بالظهر تقع صحيحة، وان عصى ترك الجمعة، ولا فرق في ذلك بين العمد والنسيان. ولو شك في انه متمكنٌ من اداء الجمعة ام لا لم يكن له ان يأتي بالظهر ولا ان يجتزىء بها لو صلى الظهر والحال هذه. نعم لو ظهر في الاثناء او بعد الفراغ كون ما صدر منه موافقاً لتكليفه الواقعي وانه في حال التلبس ما كان متمكناً من اداء الجمعة، يمكن القول بصحة صلاته ان تأتي منه قصد القربة. ويمكن ان يقال لو شك في التمكن من اداء الجمعة، فشكه مسبب عن وجود شرائطها. والمفروض انه مع عدم وجود الشرائط يجب عليه الظهر. ومقتضى الاصل عدم وجودها فيترتب عليه وجوب الظهر شرعا من دون واسطة. نعم لو ظهر بعد ذلك وجود شرائط الجمعة وان الظهر لم يكن وظيفته في الواقع لم يجتزىء بها، بل اعادها ظهراً إن لم يدرك الجمعة. وهل يجب على الثاني الفحص ام لا ؟ بل يجوز التلبس بالظهر وان تمكن من الفحص من دون مشقة في كون الشبهة موضوعية يصح الاخذ باطلاق دليل الاصل. ومن امكان المنع من شمول الاطلاق المتوفر لحكم الشك، للشك الابتدائي الذي يمكن زواله بالفحص بالمتعارف. وعلى هذا المبنى قلنا بلزوم التروي في الشك في ركعات الصلاة واجراء حكمه بعد استقراره. نعم لا يلزم الفحص في الشبهات التحريمية بالاجماع. [المسألة] الرابعة: في واجبات الخطبة الواجبات المتعلقة بالخطبة امور: احدها: ان تكون مقدمة على الصلاة كما هو المعروف من مذهب الاصحاب، وتدل عليه النصوص المشتملة على بيان الكيفية والروايات الحاكية لفعل النبي (ص). وقد تقدم تفصيل القول فيه فيما تقدم فراجع. وفي خبر الفضل بن شاذان المروي عن «العلل» و«العيون» عن الرضا (عليه السلام): «انما جُعلت الخطبة يوم الجمعة في اول الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة، لان الجمعة امرٌ دائم الحدث»[20]. خلافا لما حكي عن ظاهر الصدوق من القول بوجوب تأخرها عن صلاة يوم الجمعة لكونهما بدل الركعتين، ولما رواه مرسلاً عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «اول من قدم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان»[21] . ولكن هذه الرواية مع ارسالها، معارِضة بالنصوص المستفيضة المعتضدة بالسيرة القطعية. مع انه من المحتمل، كما قيل، وقع في هذه الرواية يوم الجمعة سهواً بدل العيد. فانه روي في صلاة العيد انه لما رأى نفاد الناس بعد الصلاة وعدم صبرهم على استماع الخطبة، قدمّها على الصلاة. وكيف كان فلا ريب في عدم لزوم التأخير. بل الظاهر من خبر الفضل المتقدم، عدم مشروعية التأخير. فلو بدأ بالصلاة واخّر الخطبتين لم تصح. نعم، لو ترك نسياناً واتى بالصلاة يمكن القول بصحتها وان لم يأت بالخطبة اصلاً او اتى بها بعد الصلاة، لقوله (ع): «لا [تعاد الصلاة] الا من خمسة»[22] ولا يخلو من تأمل. ولكن لو اتى بالصلاة عقيب الخطبتين المتأخرتين يمكن القول بالاجتزاء بها لوقوع تلك الصلاة على الوجه المطلوب متقرباً بها اليه عز وجل. ثانيها: كون الخطيب قائماً حين الخطبة. والاخبار الواردة في كيفية الخطبتين كثيرة، ولكن سوق الخطبة والقيام فيها في عداد المستحبات يمنع من التمسك بها للوجوب. نعم في صحيحة معاوية بن وهب قال: قال ابو عبدالله (ع): «ان اول من خطب وهو جالس معاوية واستأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه. وكان يخطب خطبة وهو جالس، وخطبة وهو قائم يجلس بينهما. ثم قال (ع): الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين»[23] . ودلالة هذه الصحيحة على شرطية القيام في الخطبتين واضحة، فان الظاهر منها ان جلوس الخطيب في حال الخطبة من الامور المنكرة في الشرع. هذا كله مع القدرة، واما مع العجز فالمنسوب الى المشهور سقوط اعتباره. وليس في الاخبار ما يدل على حكم العاجز، ولعل مستند المشهور قاعدة الميسور او دعوى انصراف ما دل على القيام الى صورة القدرة. فيبقى اطلاق ما دل على وجوب الخطبة سليماً غير مقيد، وفي كل منهما نظر. اما الاول: فلأن التمسك بقاعدة الميسور في المركبات التي يعجز المكلف عن اتيان بعض اجزائها او قيودها، انما يحسن فيما اذا دار الامر بين سقوط اصل التكليف او الاتيان بالميسور. فمقتضى القاعدة الاتيان بالميسور، وليس المقام كذلك. لانه بعد فرض عدم التمسك من الشرائط الواقعية للجمعة، يتعين عليه الظهر لا اتيان الجمعة الناقصة. وهل هذا الا نظراً للعجز عن اصل الخطبة ! وهل يمكن ان يقال لو عجز عن الخطبة سقطت عنه ويأتي بالصلاة ركعتين في الخطبة من دون خطبة ؟ والفرق بين العجز عن القيام في الخطبة والعجز عن اصل الخطبة لا ارى له وجهاً. والحق ان يقال تارةً نفرض زمان بسط يد الامام (عليه السلام)، واخرى نفرض امثال زماننا. اما زمان بسط يده الشريفة فما علينا ان نتكلم في تكليفه. واما في زماننا فتارة نتكلم على القول بالتخيير بين الظهر والجمعة كما هو المختار، واخرى على القول بالتعيين. اما على الاول فليس للتمسك بقاعدة الميسور مجال، فان الامر دائر بين تعين الظهر عليه فيما لم يقدر الامام الذي يخطب بهم على القيام. اما التخيير بينها وبين الجمعة مع ذلك الامام العاجز عن القيام، ومقتضى القاعدة : الظهر. واما على القول الثاني وهو تعين الجمعة كما ذهب اليه بعض اصحابنا القدماء، لا لدليل على اشتراط القيام في الخطبة على الاطلاق لا يقدر على الجمعة. والعاجز عن الجمعة يتعين عليه الظهر لا الميسور من الجمعة. ثم لو اغمضنا عن ذلك فيدور الامر بين المعنيين فيجب الجمع بينهما لا الاكتفاء بالجمعة الناقصة. هذا كله على تقدير العجز عن القيام للخطبة. واما في صورة التمكن لو شك في وجوبه لو قلنا به بمقتضى الادلة التي ذكرناها فهو. والا ليمكن القول بالبرائة لكونه من جزئيات دوران الامر بين الاقل والاكثر الذي قد ينافيه البرائة. ومن هنا يظهر حال باقي الامور المذكورة في الباب كالفصل بين الخطبتين بجلسة ورفع الصوت في الخطبة حيث يسمع العدد المعتبر فصاعدا. فالحاصل ان الاصل في القيود المشكوك اعتبارها لم يكن دليل على اعتباره البرائة على ما قويناه في الاصول. (نهاية ص 152)
[1] الوسائل ج 5 ص 41. [2] الوسائل ج 5 ص 41. [3] الوسائل ج 5 ص 41. [4] الوسائل ج 5 ص 42 ونص الحديث: (الجمعة لا تكون الا لمن ادرك الخطبتين). [5] الوسائل ج 5 ص 40. [6] الوسائل ج 5 ص 41. [7] الوسائل ج 5 ص 40 [8] الوسائل ج 5 ص 41. [9] الوسائل ج 5 ص 41. [10] الوسائل ج 5 ص 41. [11] الوسائل ج 5 ص 2. [12] الوسائل ج 5 ص 41. [13] الوسائل ج 5 ص 32، وجملة (ويجهر بالقراءة) زيادة على متن الحديث. [14] الوسائل ج 4 ص 82. [15] الوسائل ج 4 ص 82. [16] مدارك الاحكام للسيد محمد العاملي. [17] الوسائل ج 4 ص 765. [18] الوسائل ج5 ص 8. [19] الوسائل ج 5 ص 10. [20] الوسائل ج 5 ص 31. [21] الوسائل ج 5 ص 31. [22] الوسائل ج 3 ص 227. [23] الوسائل ج 5 ص 32.
|