(ص 115 - 126)

 الفصل الثالث

فيمن تجب عليه الجمعة

          اعلم انه قد استثني في الاخبار جماعة ممن فرض الله عليه الجمعة. ففي الصحيح عن زرارة بن اعين عن ابي جعفر (ع) قال: «انما فرض الله عز وجل على الناس من الجمعة الى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها الله عز وجل في جماعة وهي الجمعة. ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين»[1].  وفي خطبة امير المؤمنين عليه السلام: «والجمعة واجبة على كل مؤمن الا على الصبي والمريض والمجنون والشيخ الكبير والاعمى والمسافر والمرأة والعبد المملوك ومن كان على رأس فرسخين»[2].  وفي صحيحة محمد بن مسلم «[ان الله عز وجل فرض في كل سبعة ايام خمساً وثلاثين صلاة] منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي»[3] . وصحيحة المنصور [عن ابي عبدالله (ع) في حديث قال:] «الجمعة واجبة على كل احد لا يعذر الناس فيها الا خمسة: المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي»[4] .

          وفي النبوي «الجمعة حق واجب على كل مسلم الا اربعة: عبد مملوك او امرأة او صبي او مريض»[5]، الى غير ذلك من الاخبار. وليس في واحد منها ذكر العرج سوى ما عن السيد في مصباحه مرسلا حيث قال على ما حكي عنه، وقد روي ان العرج عذر[6] . فان انجبر ضعفها بالشهرة، والا فعدّه من جملة الاعذار المسقطة للتكليف لا يصح.  نعم لو كان السعي الى الجمعة حرجياً يسقط عنه كما يسقط عن كل من كان كذلك، وان كان من غير من اُستثني في الاخبار. واما من اُستثني في الاخبار فالجمعة ساقطة عنه وان لم يكن السعي اليها حرجياً. نعم يمكن اعتبار المشقة النوعية في مثل الشيخ الكبير والمريض والاعمى بواسطة مناسبة المقام، وان كان في بعض الافراد منها في غاية السهولة كما يقال في العفو عن دم الجروح والقروح والاقل من درهم. وما يظهر من بعض الاعلام من اعتبار المشقة العرفية في المريض والشيخ بحيث يدور الحكم مدارها دون مثل الاعمى فانه لا يعتبر المشقة العرفية في افرادها بل هي حكمة لسقوط التكليف عنه ما لا ارى له وجهاً.

 [الاستثناء وتبدل العناوين:]

          (ثم اعلم) ان مقتضى الاخبار المشتملة على استثناء المذكورين فيها عدم مشروعية الجمعة في حقهم او عدم جواز التمسك بها على المشروعية بعد حضورهم فان قوله (ع) في صحيحة زرارة «منها صلاة واحدة فرضها الله عز وجل في جماعة وهي الجمعة ووضعها عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة» الى اخر المذكورين[7] لا يخلو من انه اما اريد به اصل التشريع من دون اطلاق حالي، واما محمول على الاطلاق. فعلى الاول مقتضى الاستثناء انها غير مشروعة في حق المذكورين. وعلى الثاني لا يمكن استكشاف اصل التشريع في هذه الاخبار.  نعم لو دل دليل على الاقرار بها من هؤلاء بدل الظهر لا تنافيه الاخبار المذكورة على الثاني. وما ترى من ان الخارج على رأس فرسخين لو حضر يجب عليه الجمعة انما هو من جهة تبدل الظهرين كالمسافر الذي يصير حاضراً. واما الاشخاص [الذين] لا يتبدل [عنوانهم] بالحضور كالمرأة والاعمى والعبد وامثالها فلا يصح التمسك بتلك الاخبار على الصحة فضلا عن الوجوب التعييني.

          فان قلتَ: من كان على رأس فرسخين او ازيد لا تجب عليه الجمعة تعيينا قطعاً، فان من كان على رأس فرسخين او ازيد مع كونه كذلك لو كان قبل الزوال، فلا تجب عليه وعلى غيره الجمعة لعدم دخول الوقت. وان كان بعد الزوال لا يمكن في حقه الجمعة فانه لو مشي اليها لا يدخل محل انعقاد الجمعة الا بعد الفراغ منها. فلا بد ان يحمل عدم الوجوب في تلك الفترة على عدم وجوب المشي والسير. وبعد حمل تلك الفترة على ذلك يجب حمل باقي العناوين على ذلك ايضاً، لان كلها مورد لحكم واحد. وحينئذ يقال: لا منافاة بين القول لعدم وجوب السير والحضور على هؤلاء بمقتضى الاخبار المذكورة وصحة الجمعة في حقهم، بل وجوبها على تقدير السير بمعنى الاخبار الواردة في مقام غير المشتملة على الاستثناء.

          قلتُ: لا اشكال في ان مفاد الاخبار وجوب الجمعة على كل احد الا المذكورين لا نفس السعي اليها. واما قولك بانه من كان على رأس ازيد من فرسخين لا تجب عليه الجمعة قطعاً الى اخر ما ذكرت، فممنوع لإمكان ان تجب الجمعة عليه قبل الزوال فيلزم السعي اليها من باب المقدمة. كما انه يجب قبل الزوال الوقوف في عرفات في اول الزوال فيجب السعي اليها قبل الزوال مقدمة. وقد حققنا في الاصول : ان الواجب المشروط اذا علم بتحقق شرطه يجب عليه مقدمته التي لو لم يأت بها يفوت الواجب.

          فالحاصل في الروايات ان الجمعة واجبة عيناً على كل احد عند شرائطها المعتبرة في تحققها كالعدد وحضور من له الامر وقدرته. ولو لم يستثنِ هؤلاء المذكورين، لكان الواجب على كل واحد منهم السعي اليها اذا علموا تحقق الشرائط المعتبرة، حتى من كان على رأس ازيد من فرسخين. اذ لولا الاستثناء لكان الواجب عليه السعي من الصبح مثلا حتى يدرك الجمعة. فالاستثناء صار موجباً لعدم لزوم السعي لانه ليس مقدمة للواجب عليه. نعم لو سعى ووصل الى محل اقامة الجمعة وجبت عليه، لتبدل العنوان كما لو صار المسافر حاضراً. واما العناوين الاخر التي لا يتبدل عنوانها بالحضور كالمرأة والعبد وامثالهما فلا وجه للاستدلال بهذه الاخبار لصحة صلاتهم بعد الحضور فضلا عن تعيينها عليهم.

 [مقتضى الاحتياط عند حضور المُستثنى:]

          نعم هنا بعض اخبار اخر تدل على وجوب الجمعة على المذكورين اذا حضروا. مثل خبر حفص بن غياث قال : سمعت بعض مواليهم سأل ابن ابي ليلى عن الجمعة هل تجب على العبد والمرأة والمسافر؟ قال ابن ابي ليلى: «لا تجب الجمعة على احد منهم ولا الخائف»[8] فقال: ما تقول ان حضر واحد منهم الجمعة مع الامام فصلاها هل تجزيه تلك الصلاة عن ظهر يومه؟ فقال: نعم. قال: وكيف يجزي ما لم يفرضه الله عليه عما فرضه الله عليه، وقد قلت ان الجمعة لاتجب عليه، ومن تجب عليه الجمعة فالفرض عليه ان يصلي اربعاً. ويلزمك فيه معنى ان الله فرض عليه اربعاً، فكيف اجزء عنه ركعتان مع ما يلزمك ان من دخل فيما لم يفرضه الله عليه لم يجزِ عنه عما فرضه الله عليه. فما كان عند ابن ابي ليلى فيها جواب. وطلب اليه ان يفسرها له فابى. ثم سألته انا ففسرها لي: فقال: الجواب عن ذلك ان الله عز وجل فرض على جميع المؤمنين والمؤمنات ورخص للمرأة والعبد والمسافر ان لا يأتوها، فلما حضروا سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الاول. فمن اجل ذلك اجزأ عنهم. فقلت: عمن هذا ؟ قال: عن مولانا ابي عبدالله (ع)[9] .

          وهذه الرواية تدل على وجوب الجمعة على المرأة والعبد والمسافر عيناً اذا حضروا. وان الاجتزاء عن الظهر كان من الامور المسلمة. واشكال بعض الموالي على ابن ابي ليلى الذي عجز عن جوابه اشكال علمي. ولكن يشكل الاعتماد على هذا الخبر الذي ارسله عن بعض غير معروف، وان قيل بان الطائفة عملت بما رواه حفص عن ائمتنا وان له كتاباً معتمداً. ومع فرض اعتبار السند معارض في المرأة بخبر ابي همام عن ابي الحسن عليه السلام قال: (اذا صلت المرأة في المسجد مع الامام يوم الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها. وان صلت في المسجد اربعاً نقصت صلاتها ، لتصلّ في بيتها اربعاً افضل)[10]

  لصراحة هذا الخبر بان صلاة المرأة في المسجد مع الامام يوم الجمعة ركعتين ناقصة، ورجوعها الى بيتها افضل. مع ان خبر حفص صريح في عكسه.

          نعم يدل على صحة صلاتها واجزائها عن الظهر لو صلت مع الامام ركعتين صلاة الجمعة بناءً على ان كلمة «افضل» في قوله (ع) في بيتها، لربما افضل لو لوحظ فيه كلتا الفقرتين السابقتين. واما لو كان المراد افضلية صلاتها في البيت في صلاتها كذلك في المسجد فلا يدل على إجزاء الجمعة لو صلت مع الامام عن الظهر. لإمكان كون كلتا الصلاتين ناقصتين، وكان النقص في الاولى بواسطة البطلان، وفي الثانية بواسطة كونها مرجوحة بالاضافة الى صلاتها في البيت اربع ركعات.

          ومما يدل على وجوب الجمعة على النساء خبر علي بن جعفر (ع) المروي عن «قرب الاسناد» انه «سأل اخاه عن النساء هل عليهن في صلاة العيدين والجمعة ما على الرجال ؟ قال: نعم»[11] . لكنه معارض بالاخبار المعتبرة المستفيضة الدالة على انه ليس على النساء جمعة. وهل تلك الاخبار على عدم لزوم السعي والحضور، وهذا الخبر على الوجوب على تقدير الحضور؟ ليس له شاهد. وليس هذا الجمع بجمع عرفي ؟ مضافاً الى صراحة خبر ابي همام السابق فان المرأة الحاضرة في المسجد لو صلت مع الامام الجمعة ركعتين فصلاتها ناقصة.

          فمحصل ما ذكرنا الاشكال في صحة صلاة المعدودين في الاخبار استثناءً عمن وجب عليه الجمعة اذ تكفلوا لحضور الامر كان على رأس ازيد من فرسخين، فانه يتبدل العذر بالحضور. لكن هذا الذي ذكرنا خلاف المشهور بين الاصحاب. بل قيل ان كل هؤلاء لو تكفلوا الحضور للجمعة المنعقدة بغيرهم صحت منهم واجزأتهم عن الظهر بلا خلاف فيه على الظاهر. بل المحكي عن «المدارك» انه مقطوع به بين الاصحاب ومقتضى الاحتياط لو حضر احد هؤلاء الجمعة مع اجتماع باقي شرائط الوجوب التعييني : الجمع بين الجمعة والظهر، واما في مثل زماننا فيأتي بالظهر اربع ركعات فانه المتيقن.

 (تليها صفحات 127 -134)

    اللاحق                صفحة التحميل               الصفحة الرئيسية

 


[1] الوسائل ج 5 ص 2. والكافي ج 3 ص 419.

[2] الوسائل ج 5 ص 3.

[3] الكافي ج 3 ص 418.

[4] الوسائل ج 5 ص 5. والاستبصار ج 1 ص 419.

[5] الوسائل ج 5 ص 6، وقد روى الحديث الشهيد الثاني في (رسالة الجمعة).

[6] مستدرك الوسائل روى عن العروس: (باسناده عن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال فرض الله على الناس من الجمعة الى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها في جماعة وهي الجمعة ووضعها عن التسعة عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمريض والمرأة والاعمى ومن كان على رأس فرسخين وروي مكان المجنون الاعمى) مستدرك الوسائل ج 3 ص 407 والعروس ص 56.

[7] راجع الوسائل ج 5 ص 2.

[8] هذه زيادة لمتن الحديث.

[9] الوسائل ج 5 ص 34.

[10] الوسائل ج 5 ص 37. والغنية ج 1 ص 497.

[11] الوسائل ج 5 ص 35.