(ص  59 - 98)

بسم الله الرحمن الرحيم

          الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله وآله امناء الله على خلقه سيما على الحجة المنتظر الذي لولاه لساخت الارض باهلها عجّل الله فرجه وجعلنا من انصاره.

البحث في صلاة الجمعة

المقصد الثامن: في صلاة الجمعة

 وفيه فصول، الاول: في بيان حكمها في حال الغيبة فنقول:

  الفصل الاول

 [بيان حكم صلاة الجمعة]

          هي فريضة اوجبها الله تعالى على العباد سوى من استثني منهم مثل العبد والمرأة والصغير والمجنون وبعض آخر ممن نطق به الاخبار، ووجوبها كذلك ليس محل ريب وشبهة بل مما دل عليه صريح الكتاب والاخبار المستفيضة بل المتواترة. وليس بين المسلمين خلاف في ذلك بلا اشكال في ان هذا الوجوب التعييني الذي لا يعذر فيه احد الا من استثني في الاخبار هل هو مطلق اي غير معلّق على شيء او  مشروط بشيء؟ والثمرة بينهما وان كانت معلومة لكن نذكرها ايضاحاً، وهي انه: على الاول لو دل دليل على اشتراط صحتها بأمر يجب على المكلف تحصيله كالطهارة التي دل الدليل على كونها شرطاً للصلاة مثلا، وعلى الثاني لا يجب تحصيله كالحضر الذي [هو] شرط في وجوب الصوم اذ لا يجب على المكلف جعل نفسه حاضراً مقدمة للصوم.  اذا عرفت ذلك فاللازم في المقام بيان امور :

          احدها: ان وجوب صلاة الجمعة المتوجه الى المكلفين سوى من استثني هل هو مطلق ام مشروط؟

          وعلى الثاني على تقدير المشروطية لو لم يكن شرطه موجوداً في زمان ويتبعه بذلك تكليف التعييني هل يشرع اقامتها ام لا ؟

          والثالث : على تقدير المشروعية لو اقامها جماعة اختياراً هل يجب على الآخرين المطلعين على ذلك السعي اليها ام لا ؟

[الامر الاول: في وجوب صلاة الجمعة عينا

 هل يكون مشروطاً بالسلطان العادل او نائبه او لا]

 [وجوب صلاة الجمعة مشروطاً لا مطلقاً:] اما الامر الاول فالحق ان وجوب صلاة الجمعة مشروط بشرط ليس ذلك الشرط حاصلا في زماننا بل في غير زمان النبي (ص) وايام خلافة امير المؤمنين (ع). وليس المقصود هنا اثبات هذا المطلب بواسطة الاجماع حتى يرده بعض اصحابنا الاخباريين بعدم صلاحيته لان يكون مدركاً للاحكام الشرعية، بل كلما يعمل به او عليه من حكم فرعي او مدرك اصلي يجب ان يكون متمسكاً فيه بكتاب الله تعالى واخبار العترة. بل نسبوا [الى] فقهائنا المتقدمين والمتأخرين الاجماع على الجهل والقصور والغفلة والغرور وامثال هذه الكلمات المشتملة على سوء الادب عفى الله تعالى عنهم وعنا، وكأنهم لم ينظروا الى كلماتهم في مسئلة الاجماع وان المعتبر عندهم ليس الا قول المعصوم (ع) او تقريره وان اعتبار الاجماع انما هو من جهة انه دليل قطعي على قوله او رأيه (ع). واين هذا الاعراض عن التمسك بقول  العترة الطاهرة، وباي جهة يحب القائل باعتبار هذا العنوان الذي يلازم قول المعصوم قطعاً الى الجهل والقصور والغفلة. نعم تَحْقُقْ هذا المعنى، اعني الاتفاق الكاشف القطعي من قوله (ع)، في غاية الاشكال. ولهذا قد لا يختص ببعض الاتفاقات المتحققة فضلا عن المنقولة. وقد فرغنا عن المقصود وهو بيان كون وجوب صلاة الجمعة مشروطاً لا مطلقاً.

 [شرط الصلاة: الاجتماع]

          (بيان ذلك) انه لا شبهة في ان هذه الفريضة ليست كسائر الفرائض اليومية بحيث يصلح ان يأتي بها المكلف وحده سواء اتى بها الاخرون ام لا بل شرط تحققها الاجتماع والاتيان بها جماعة وهذه المقدمة مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه.

          والتكليف بالصلاة التي شرطها الاجتماع على نحو الاطلاق يتصور على وجهين:

احدهما: ان يكون على نحو يقتضي ايجاب تحصيل الاجتماع على كل احد.

وثانيهما: ان يجب على كل احد نفسه الحضور للعمل دون احضار غيره بان يجتمعوا يشتغلون بالعمل، وان لم يحضر احد يعاقبون جميعاً، وان حضر بعضهم وامتنع آخرون فيعاقب الممتنع لاستناد الترك اليه.

          ولنوضح الامر بالمثال الذي هو عين محل البحث، وهو انه بعد فرض اشتراط العدد اما خمسة احدهم الامام او سبعة، كذلك لو فرضنا كون الشخص في محل لا يكون العدد المخصوص موجوداً او يكون بينه وبين المحل الذي تنعقد الجمعة ازيد من فرسخين، لا تجب الجمعة عليه ولا تصح بمقتضى الاخبار والآثار. واما لو كان محله في ارض يوجد ذلك العدد وما فوقه باطلاق وجوب الجمعة عليه تتصور على نحوين:

          احدهما : ان يكون على نحو يقتضى ايجاب احضار المقدار المذكور للصلاة باي نحو كان ان تمكن، وان عجز سقط عنه التكليف عن المقدور كسقوط الصلاة عن فاقد الطهورين.

          والثاني : ان يكون على نحو يقتضي حضور نفسه فقط ولم يجب عليه احضار الباقين فان حضر ولم يحضروا يعاقب غير الحاضر لكون العدم مستنداً اليه.

 [اخبار وجوب الجمعة:]

          ولنذكر خصوص الاخبار الدالة على وجوب الجمعة، في محل ليس من يقيمها السلطان العادل او نائبه. وهي الاخبار التي بها يتمسك بعض اصحابنا ويدعي صراحتها في ان صلاة الجمعة ليس وجوبها مشروطاً، بان يقيمها السلطان العادل او نائبه. بل يكون وجوبها العيني محققاً في زمن الغيبة، او عدم بسط يده. وانظر فيها بعين الانصاف هل يدل على الوجوب المطلق باحد الوجهين المذكورين ام لا؟

          فنقول من الاخبار الواردة في هذا المقام: «اذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فإن كان لهم من يخطب لهم جمعوا اذا كانوا خمس نفر. وانما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين»[1].

          ومنها صحيحة زرارة قال: «قلت لابي جعفر (ع): على من تجب الجمعة ؟ قال (ع):[تجب] على سبعة نفر من المسلمين، ولا جمعة لاقل من خمسة من المسلمين احدهم الامام، فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم»[2] .

          ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما قال: «سألته عن اُناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال : نعم ويصلون اربعاً اذا لم يكن منهم من يخطب»[3] .

          ومنها عن ابي عبدالله الصادق (ع) قال: «يجتمع[4] القوم يوم الجمعة اذا كانوا خمسة فما زاد، وان كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم. والجمعة واجبة على كل احد لا يعذر الناس فيها الا خمسة المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي»[5] .

          ومنها صحيحة عمر بن يزيد عنه (ع): «اذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة»[6] .

          وهذه الروايات باسرها ظاهرة بل صريحة في عدم اشتراط الصحة بان يقيمها الامام المنصوب من جانب الله تعالى او نائبه. انما الكلام في انه هل تدل على اطلاق الوجوب على كل احد، بحيث يقتضي ايجاب تحصيل مقدمات صحة العمل ـ كايجاب الصلاة متطهراً الذي يقتضي ايجاب تحصيل الماء اذا اقترب مثلا ـ او لا يقتضـي ايجاب عـدم امتناع كل احد للعمل بحيث لا يكون اقرب مستنداً اليه ام لا ؟ بل انما تدل على ان العدد المذكور في الروايات لو اجتمعوا باختيارهم لصلاة الجمعة تصح منهم. وهذا معنى الوجوب التخييري الذي يقول به جمع كثير من علمائنا.

 [حكم اهل القرى:]

          فنقول: صدر رواية ابن عبد الملك[7] يدل على ان القوم الساكنين في قرية من القرى يجب عليهم في يوم الجمعة صلاة الظهر اربع ركعات. ووجه التقييد بكونهم في قرية مع ان الاحكام الشرعية لا تختص باهل الامصار. بل هل الواجب مطلقاً ام مشروطاً يعمّ اهل الامصار والبوادي ؟ هو ان [اهل] القرى ليس فيهم السلطان او نائبه بحيث يسوقهم الى الاجتماع بالجمعة. فحاصل مضمون الرواية ان الجماعة الساكنين في محل ليس فيهم السلطان او نائبه يجب عليهم صلاة الظهر اربع ركعات سواء كانوا في القرى  ام في الامصار. وحال الشيعة حتى في زمان صدور امثال هذه الروايات حال اهل القرى يجب عليهم صلاة الظهر اربع ركعات فإن من كان الامر بيده الغاصبة لم يكن اهلا للامامة. فصلاة الجمعة معه باطلة قطعاً، ولو حضر معه تقية يعيدها ظهراً. ولكن اقامة الجمعة باختيارهم مع امام منهم يؤمّهم كانت راجحة كما تدل عليه بعض الاخبار التي نشير اليها بعد ذلك ان شاء الله.

          والحاصل ان مضمون الرواية، والله اعلم، ان الساكنين في محل لا يسوقهم الامام العادل  او نائبه الى الاجتماع لصلاة الجمعة لوجب عليهم ابتداء من دون الاشتراط بشيء صلاة الظهر اربع ركعات. ولا شكّ في ان اطلاق هذه العبارة يقتضي وجوب صلاة الظهر عليهم وان كان العدد المعتبر به في صحة الجمعة بل ازيد منه بمراتب موجوداً كما هو الغالب في القرى المسكون فيها.  وبعد القول بان التكليف المتوجه الى قرية سكن فيها جمع كثير وفيهم من يصلح للامامة والخطبة صلاة الظهر اربع ركعات فاللازم حمل الفقرة الاخيرة المشتملة على ايجاب الخمسة اذا كانوا خمسة نفر وفيهم من يخطب على الوجوب المشروط بحضور العدد المخصوص، والواجب المشروط بشيء يكون شرطاً للوجوب، ولا يقتضي وجوب ايجاد شرطه وهو من البديهيات في المخاطبات. وليس المخترع له علم الاصول وليس القائل به ممن ترك احاديث العترة الطاهرة بل مقتضى الرواية الصادرة عنهم سلام الله عليهم ذلك.

 [وجود العدد المعتبر:]

          فان قلت الامر بصلاة الظهر اربع ركعات في يوم الجمعة مما توجه الى من سكن في محل يكون العدد الموجود فيه اقل من خمسة وفيهم من يخطب بقرينة قوله (ع) بعد ذلك «فان كان فيهم من يخطب جمعوا اذا كانوا خمسة نفر» . وحاصل مضمون الرواية على هذا تقسيم اهل القرى على قسمين احدهما عدم وجود العدد المعتبر في صحة الجمعة، والثاني وجود العدد المذكور وفيهم من يخطب.  والقسم الاول يتعين عليه الظهر اربع ركعات والقسم الثاني يتعين عليه الجمعة. واما قولك بان عدم وجود خمسة وفيهم من يصلح للامامة والخطبة ولو على نحو الايجاز والاختصار نادر، بل الغالب وجود ذلك المقدار بل اضعافاً منه. فحمل الاطلاق على ذلك حمل على الفرد النادر. ففيه انه بناء على ما قلنا ليس للكلام اطلاق حتى يحمل على الفرد النادر فالكلام في اول الامر متعرض النادر فلا اشكال من هذه الجهة.

          قلت ليس في القضية الاولى الحاكمة لوجوب صلاة الظهر اربع ركعات اشتراط كون العدد اقل من خمسة بل تدل على وجوب صلاة الظهر اربع ركعات لاهل القرى الذين عددهم في الغالب اكثر من خمسة وتقييد القضية الاولى بالقضية الثانية المستقلة المفصلة خلاف رسم التكلم والمحاورات العرفية. مثال ذلك انه لو فرض ان الآمر يريد بعث المأمور بأكل الرمان الحلو الموجود في البستان وصرفه عن الرمان الحامض الموجود فيه، وكان اغلب افراد ما في البستان حامضاً. والرمان الحلو قليل في النهاية، بالعبارة المطابقة لهذا الغرض والمقصد بان يقول : كُل الرمان الحلو في هذا البستان ولا تأكل الحامض. وكون الحلو قليلا لا يضر لكونه متعرضاً للفرد النادر ابتداء. اما لو قال هذا الشخص المعروف في مقام اداء الغرض الذي قلنا: كُل ما في هذا البستان من دون قيد ولا تأكل الرمان الحامض، فليعد من المستهجن. وبشاعة هذا الكلام كبشاعة العام المستثنى منه اغلب افراده ولم يبق تحته الا القليل.

     اذا حفظت ذلك، فنقول: ان الرواية بمقتضى اولى القضيتين تحكم بوجوب صلاة الظهر على اهل القرى اربع ركعات من دون تقييد. ثم بمقتضى القضية الثانية تدل على انهم اذا كانوا خمسة وفيهم من يخطب يصلون. ولا تصح ان تحمل القضية الثانية دليلا وقرينة على التقييد المتصل في القضية الاولى كما ذكرنا في المثال. بل يحمل قوله (ع) في القضية الثانية «اذا كانوا خمسة»، على ان الخمسة كانوا حاضرين لانعقاد الجمعة وفيهم من يتصدى للخطبة يصلون ركعتين جماعة. فأهل القرى من الذين ليس فيهم سلطان عادل يسوقهم ويحملهم، يجب عليهم صلاة الظهر اربع ركعات مطلقاً سواء كانوا كثيرين ام قليلين. فاذا حضر خمسة نفر لاقامة الجمعة وفيهم من يخطب باختياره يصح منهم الجمعة. وفي هذا الحال لا يتعين عليهم الجمعة لاطلاق وجوب الظهر، وهذا مطابق مع الوجوب التخييري في زمن عدم بسط اليد من الامام العادل الذي يقول به جمٌّ غفيرٌ من اصحابنا الامامية رضوان الله عليهم. وعلى هذا المنوال باقي الاخبار الواردة في هذا الباب كصحيحة زرارة المتقدمة «اذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم»[8] فان الظاهر من قوله (ع): «اذا اجتمع سبعة» اجتماعهم لاقامة الجمعة فالاجتماع المذكور شرط لوجوب الجمعة وليس الوجوب مطلقاً حتى يجب على [كل] احد تحصيل هذا الاجتماع او حضوره بنفسه حتى لا يكون الترك مستنداً اليه.

 [عدم التخصيص الا فيمن اُستثني:]

          فان قلت صحيحة منصور بن حازم[9] تدل على ان العدد شرط للصحة والوجوب مطلق على كل احد يقتضي ذلك لزوم تحصيل الاجتماع المذكور على كل احد. فان الصحيحة هكذا عن الصادق (ع): «يجمع القوم الجمعة اذا كانوا خمسة فما زادوا، وان كانوا اقل من خمسة فلا جمعة لهم. والجمعة واجبة على كل احد لا يعذر الناس فيها الا خمسة المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي»[10] . فان ذيل الرواية يدل على عدم معذورية احد الا المذكورين في المستثنى. فالخمسة في محله [ظ] مع كونهم غير داخلين في المعذورين يجب عليهم اقامة الجمعة مطلقاً، فيجب على كل واحد الحضور بلا احضار الباقين حتى يتم العدد.

          قلت: قوله (ع): «يجمع القوم اذا كانوا خمسة»، لا يخلو من احد احتمالين: الاول: ان يكون المقصود نفس وجودهم في محل واحد وان كانوا غير حاضرين لصلاة الجمعة.

الثاني: ان يكون المقصود كونهم حاضرين لصلاة الجمعة.

        وعلى اي حال لا يصح الاخذ بعموم القضية الواردة، وذيل الرواية وهي واجبة على كل احد لا يقدر فيها الا خمسة المرأة والمملوك...الخ. فانه على الاول يكون العدد الذي يكون اقل من خمسة من المذكورين ايضاً قطعاً. وعلى الثاني من كان ساكناً في محل يكون بينه وبين محل انعقاد الجمعة ابعد من فرسخين معذوراً ايضاً.

          وان كان اريد من العدد المعتبر بمراتب بمقتضى الروايات الدالة على ذلك فاللازم حمل القضية على كونها في مقام الاحتمال من حيث شرائط الوجوب العيني وبيان انه متى تجب شرعاً لا تخرج الا من هو المستثنى في الرواية. ولعل الوجه في ذكر هذه الكلية مع ان المورد ليس من موارد لزوم السعي  الى الجمعة مطلقاً لعدم بسط يد المعصوم، بيان ان العدد الذي بهم تقام الجمعة لا بد وان يكون من غير صنف من اُستثني. بمعنى ان الخمسة [الذين] تقام [بهم] الجمعة يلزم ان تكون من غير المرأة والعبد والمسافر والمريض والصبي فان هؤلاء ليست الجمعة مشرعة في حقهم. وبعبارة اخرى اوضح ان المُستثنى في هذه الرواية لم يشرع في حقه صلاة الجمعة، وغيره مشروع في حقه مطلقاً كائنا من كان. وان كان غير واجب عليهم تعييناً، ان  كان في فرض عدم بسط يد المعصوم ويجوز له اقامتها، فانه مع حضور العدد المعتبر، وان كان غير ملزم عيناً. ومن كان ابعد من محل اقامة الجمعة بفرسخين تجوز له الاقامة : اما بعقده جماعة في محلهم يؤمهم واحد منهم، واما بالمجيء الى بلد تقام فيه الجمعة. وكذا من كان في محل يكون فيه الموجودون اقل من خمسة مشروع في حقه الجمعة الذهاب الى محل تقام فيه الجمعة، ويجمع العدد في محله من الخارج. فالمقام المذكور في القضية ليس فيه تخصيص الا من ذكر في المستثنى.

 [توهم اطلاق الوجوب:]

          وما يتوهم من انها تنافي الحمل المذكور في القضية على ما ذكرنا امران احدهما: خلاف الظاهر في الوجوب المذكور في القضية فان الظاهر من قوله (ع): «الجمعة واجبة على كل احد» كونها واجباً فعلياً مطلقاً. وحمله على صرف التشريع غير المنافي كون فعليته مشروعة بشيء خلاف الظاهر.  والثاني: ان العموم المذكور لا يقتضي على المورد، فان متحصلة المورد : فما بعث على الجمعة فعلا مع عدم الشرط، وهو وجود المعصوم المبسوط اليد.

          فالجواب: اما عن الاول: فان اطلاق الوجوب على الواجب باصل الشرع مع اهمال شرائطه غير عزيز، كما يقال الصلاة واجبة في الشرع وكذا الزكاة والحج مع ان وجوبها مثلا مشروط بشرائطهما. وعن الثاني فبأن المناسبة لذكر العموم المذكور في المقام لعلها من جهة النسبة على ان العدد المعتبر في صحة الجمعة لا بد وان يكون من غير المذكورين في الاستثناء. فتبين مما ذكرنا، بان القول : تعين الجمعة في زمان عدم بسط يد المعصوم فما لا وجه له. هذا تمام الكلام في الامر الاول من الامور الثلاثة المتقدمة وهو بيان ان وجوب الجمعة عيناً هل يكون مشروطاً بالسلطان العادل او نائبه او لا؟

 [الامر الثاني: في عدم المشروعية]

          واما الامر الثاني وهو انه على تقدير الاشتراط هل يشرع اقامتها في زمن انتفاء الشرط وسقوط الوجوب العيني او لا ؟ فقد عرفت ان مقتضى الاخبار المتقدمة انه لو اجتمع العدد المعتبر في انعقاد الجمعة تصح وتجزي عن الظهر. بل يكون افضل ويدل على الافضلية صحيحة زرارة قال : حثّنا ابو عبدالله (ع) على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد ان نأتيه، فقلت : نغدو عليك؟ فقال: «لا، انما عنيت عندكم»[11].

 [اخبار عدم المشروعية:]

          هذا ولكن هنا اخبار أخر تدل على ان صلاة الجمعة واقامتها من مختصات الامام (ع) ولا تصح الا به او من يكون نائباً عنه بالخصوص. ومن جهتها ذهب بعض العلماء الى عدم مشروعيته في زمن الغيبة. فنحن نذكر الاخبار المذكورة ثم نشير الى الجمع بينهما وبين الاخبار المصرحة بصحة اقامتها من غير الامام (ع) او نائبه. فنقول: منها الخبر المروي عن دعائم الاسلام عن علي (عليه السلام) انه قال: «ولا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا للامام او من يقيمه الامام»[12]. والمروي في كتاب الاشعثيات مرسلا «ان الجمعة والحكومة لامام المسلمين»[13]، وعن رسالة الفاضل بن عصفور مرسلا عنهم: «ان الجمعة لنا والجماعة لشعيتنا»[14]، وكذا روي عنهم (ع): «لنا الخمس والانفال ولنا الجمعة ولنا صفو المال»[15]، والنبوي: «اربع الى الولاة: الفيء والحدود والجمعة والصدقات»[16]، ونبوي اخر: «ان الجمعة والحكومة لامام المسلمين»[17]، وفي الصحيفة السجادية في دعاء الجمعة وثاني العيدين: «اللهم ان هذا المقام لخلفائك واصفيائك ومواضع امنائك في الدرجة الرفيعة التي اخصصتهم بها [قد ابتزوها] وانت المقّدر لذلك...الى ان قال (ع): حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يروون حكمك مبدلاً...الى ان قال (ع): اللهم العن اعدائهم من الاولين والاخرين ومن رضي بفعالهم واشياعهم واتباعهم»[18]، وعن الجعفريات باسناده الى علي بن  الحسين عن ابيه ان علياً عليه السلام قال: «لا يصح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا بامام»[19]، وبهذا الاسناد ان علياً (عليه السلام) سئل عن الامام يهرب ولا يخلف احداً يصلي بالناس كيف يصلون الجمعة ؟ قال (ع): «يصلون لصلوتهم اربع ركعات»[20]، وعن دعائم الاسلام عن جعفر بن  محمد انه قال: «لا جمعة الا بامام عدل تقي»[21] وعن علي (ع) انه قال: «لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا بامام عدل»[22] . والجمع بين الاخبار بحيث لا يخفى على منصف ان صلاة الجمعة على حسب الجعل الاولي مشروط بان يقيمها النبي (ص) والخلفاء من بعده. فاذا دعوا اليها يجب السعي اليها، الا من استثني في الاخبار. وفي زمن عدم حضورهم او كونهم غير مبسوطي اليد يجب على الناس في يوم الجمعة صلاة اربع ركعات، وفي تلك الحالة اذا اجتمعوا لجمعة بالعدد المعتبر تصح منهم الجمعة مع بقاء مشروعية صلاة الظهر، باطلاق المادة ونتيجته التخيير بين الظهر والجمعة.

 [الامر الثالث: في الوجوب التخييري]

          ففي الكلام في الامر الثالث من الامور المتقدمة، وهو انه بعد مشروعية الجمعة علّق حضورهم بالاختيار. بل تجب حينئذ عيناً، وان كان لا يجب الحضور. او انها تبقى على التخيير كما قبل الحضور ؟

 [اصالة التخيير هنا في الكتاب والسنّة:]

          فنقول الحق هو الثاني. والوجه فيه اطلاق دليل الظهر اربع ركعات لاهل القرى، وبيان ذلك: انه لو ورد تكليف بعمل مخصوص على وجه الاطلاق، ثم ورد تكليف آخر مشروطاً بشيء على خلاف الاول. فتارة لا يمكن الجمع بينهما الا بتقييد الاول ايضاً مادة، واخرى يمكن الجمع بالتصرف في الهيئة وابقاء المادة على اطلاقها، مثلما أمر الشارع بالصلاة مع الطهارة المائية من دون قيد ثم أمر بأن فاقد الماء يصلي مع التيمم. فالجمع بينهما يمكن بوجهين احدهما: ان يقيد دليل الاول بحسب المادة ايضاً، بان يقال الصلاة مع الطهارة المائية واجبة على من وجد الماء. والثاني: ان يقال ان دليل التيمم موجب للتصرف في الهيئة لا المادة. بمعنى ان فاقد الماء لم يجب عليه الصلاة مع الطهارة المائية، ولكن صحة تلك الصلاة غير مشروطة بشيء. وعلى هذا المعنى نقول بعدم جواز تفويت الماء في الوقت لان يكون مصداقاً للفاقد. ومقتضى القاعدة: الثاني، حفظاً لاصالة الاطلاق في المادة.

          وفيما نحن فيه نقول بان التكليف ورد اولاً على اهل القرى بصلاة الظهر اربع ركعات من دون تقييد بشرائط. ثم على تقدير الاجتماع والحضور للجمعة بعدد مخصوص لصلاة الجمعة ركعتين يقتضي خلاف اطلاق المادة في القضية الاولى، التصرف في الهيئة بحمل الوجوب المستفاد منها على التخييري. هذا مضافاً الى انه لا معنى للمكلفين المشروطين بالشرط الاختياري للمكلف الا التخيير كأمر الشارع بالصلاة التامة على تقدير كونه في الحضر، وبالقصر على تقدير كونه مسافراً. والمفروض كونه مختاراً في وجوبه في اي من العنوانين. وهل هذا الا التخيير دائماً بين ان يكون حاضراً فيصلي تماماً وان يكون مسافراً فيصلي قصراً؟ هذا الا، ولا يكاد ينقضي عجبي من بعض اصحابنا حيث [انه] ما امعن النظر في مجموع اخبار الباب. واعجب من ذلك، نسبة الجهل او التجاهل والغفل او التغافل الى اعلام الدين. بل نسبة ترك العمل بالثقلين اليهم، مع ان الاخبار الصادرة من العترة الطاهرة قد عرفت حالها. واما الكتاب فالآية المتضمنة لحكم صلاة الجمعة هي قوله تعالى في سورة الجمعة: (يايها الذين آمنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع)[23] . وتقريب الاستدلال بها على ما صرح به في «الحدائق» اتفاق المفسرين على ان المراد من الذكر في الآية الشريفة صلاة الجمعة او خطبتها او هما معاً. نقله ذلك غير واحد من العلماء والامر للوجوب، الى ان قال: «وسياق الآية ظاهر في ارادة الصلاة او ما يشمل الخطبة وكأنه قال: اذا نودي للصلاة فاسعوا الى ذكر الله»[24] انتهى موضع الحاجة من النسخة الموجودة عندي.

           اقول: اما اولاً، فمن لا يتمسك بالكتاب الا مع انضمام تفسير العترة الطاهرة عليه ان يبين منها من خبره على انه كل من نادى يوم الجمعة للصلاة يجب على كل احد السعي اليها سواء كان المنادي من جانب الرسول (ص) او احد خلفائه ام لا ؟ او اذا زالت الشمس يوم الجمعة يجب على كل احد السعي الى صلاتها بتحصيل مقدماتها التي منها العدد المعتبر ومنها كل من يصلح للامامة والخطبة. والاخبار التي قدمناها بينما تدل على ان الجمعة لا تصلح او لا تصح الا بواسطة رسول الله (صلى الله عليه وآله) او خلفائه، وبين ما يدل على انه مع عدم حضورهم او بسط يدهم يصلون الظهر اربع ركعات. وان شاؤوا ان يجتمعوا للجمعة فالعدد المعتبر، وان لم يصلوا الجمعة.

وثانياً : وجوب السعي الى صلاة الجمعة انما على تحقق النداء. ومن الواضح ان الوجوب المشروط بشيء لا يكون فعلياً الا بعد تحقق شرطه، فيقال : هل النداء عبارة عن مجرد الاذان وقت الزوال يوم الجمعة، حتى يكون حال صلاة الجمعة حال صلاة الظهر في غيرها في عدم توقفها الا على زوال الشمس او عبارة عن النداء الجالب للناس الى خصوص الجمعة؟ لا اشكال في كون الاول خلاف الظاهر فان استعمال كلمة «من» الظرفية خلاف المتعارف.

          لا يقال اذّن المؤذن من يوم الجمعة فيتعين الثاني، ويكون قوله تعالى: (...من يوم الجمعة)، متعلقاً بالصلاة لا بالنداء. فيصير المعنى والله العالم: اذا نودي للصلاة التي هي في يوم الجمعة. ولا  شبهة في عدم وجوب النص الى الجمعة عند نداء كل احد، وان لم يكن الموجودين في محل اقل من خمسة او لم يكن بينهم من يصلح للامامة والخطبة فاللازم حمل هذا النداء على النداء الذي يحصل من منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما روي انه (صلى الله عليه وآله) اذا جلس على المنبر اذّن بلال على باب المسجد واذا نزل اقام الصلاة[25] . ومعلوم ان جلوسه على المنبر للخطبة يوم الجمعة، واذان مؤذنه دعوة الناس الى صلاة الجمعة. وليس لاحد عذر الا المعذورين الذين ذُكِروا في الاخبار.

          والحاصل: ان مقتضى الآية الشريفة انه عند دعوة النبي (ص) لا يعذر احد في ترك السعي الى الجمعة الا من علم معذوريتهم، وكذلك خلفاؤه الراشدون كما نصت على ذلك الاخبار. وعند قصور يدهم اذنوا عقد الجمعة اذا كان عدد الحاضرين فيها خمسة او سبعة كما مر ذكر تلك الاخبار. ومما ذكرنا ظهر لك ان الوجوب التعييني لصلاة الجمعة بحيث لا يجوز تركها ولا تجزي عنها صلاة الظهر اربع ركعات مشروط بدعوة النبي (ص) او احد من خلفائه الطاهرين. وعدم دعوتهم قد يكون لقصور يدهم كزماننا هذا، وازمنة سلاطين الجور، وقد يكون لبعض مصالح اخر. وتدل على ذلك بعض الاخبار الدالة على ترخيص امير المؤمنين (عليه السلام) ترك الجماعة في بعض الاوقات، كخبر اسحاق بن عمار عن جعفر (ع) عن ابيه ان علي بن ابي طالب كان يقول: «اذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فانه ينبغي للامام ان يقول للناس في الخطبة الاولى: انه قد اجتمع لكم عيدان فانا اصليهما جميعاً. فمن كان مكانه قاصياً فأحبّ ان ينصرف عن الآخر فقد اذنتُ له»[26] .  وخبر سلمة عن ابي عبدالله (ع) قال: «اجتمع عيدان على عهد امير المؤمنين عليه السلام فخطب الناس فقال: هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحبّ ان يجمع معنا فليفعل. ومن لم يفعل فان له رخصة»، يعني من كان متنحياً[27] .  وخبر الحلبي انه سأل ابا عبدالله (ع) عن الظهر والاضحى اذا اجتمعا في يوم الجمعة فقال (ع): «اجتمعا في زمان علي (ع) فقال: من شاء ان يأتي الى الجمعة فليأتِ. ومن قعد، فلا يضره. وليصلّ الظهر. وخطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد وخطبة الجمعة»[28].

 (نهاية ص 98)

صفحة التحميل                         الصفحة الرئيسية

 


[1] الوسائل ج 5 ص 10، والاستبصار ج 1 ص 420.

[2] الوسائل ج 5 ص 8.

[3] الوسائل ج 5 ص 10، والاستبصار ج 1 ص 419 باختلاف يسير : (...اذا لم يكن من يخطب).

[4] في نص الحديث وردت كلمة (يجمع) وليس (يجتمع). الاستبصار ج 1 ص 419. وقد ذكر المصنف هذا الحديث كما ورد في الاستبصار في موضع آخر من هذا الكتاب.

[5] الاستبصار ج 1 ص 419. وقد قدم المصنف كلمة (المريض) على كلمة (الصبي) ونص الحديث مرتب ترتيباً عكسياً.

[6] الوسائل ج 5 ص 9، الاستبصار ج 1 ص 418.

[7] الاستبصار ج 1 ص 420. ونص الحديث: (سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول اذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة اربع ركعات فاذا كان لهم من يخطب لهم جمعوا اذا كانوا خمسة نفر. وانما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين).

[8] الوسائل ج 5 ص 8.

[9] الوسائل ج 3 ص 5، ص 8. والاستبصار ج 1 ص 419.

[10] الاستبصار ج 1 ص 419.

[11] الوسائل ج 3 ص 12. والتهذيب ج 3 ص 239.

[12] دعائم الاسلام ج 1 ص 184. ونص الحديث عن الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) انه قال: (لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا بامام).

[13] ويرد على قول المصنف بان هذا الحديث مرسل . بينما الاحاديث المروية في الاشعثيات كلها مسندة موثقة. وقد ذكر العلامة الشيخ اغا بزرك في الذريعة وصفاً لكتاب الاشعثيات تجده في ملحقات التحقيق.

[14] جواهر الكلام ج 11 ص 158.

[15] المصدر السابق.

[16] المصدر السابق.

[17] الجعفريات (الاشعثيات) ص 43.

[18] الصحيفة السجادية – دعاء يوم الاضحى ويوم الجمعة ص 110 -111 مخطوطة مصورة عن جامعة طهران منقولة من خط علي بن احمد السديد سنة 772 هـ وعليها بلاغات بخط محمد بن ادريس سنة 654 هـ وقراءة عماد الاسلام ابو جعفر القاسم بن الحسن بن محمد الحسن بن معية يرويها له عن السيد بهاء الشرف ابي الحسن محمد بن الحسن بن احمد كتابة هبة الله بن حامد بن احمد بن ايوب سنة 603 هـ وقد كتبها علي بن محمد غلام الشهير بمحمد امين سنة 1079هـ.

[19] الجعفريات (الاشعثيات) ص 43.

[20] المستدرك ج 1 ص 408. والاشعثيات ص 43.

[21] دعائم الاسلام ج 1 ص 184.

[22] دعائم الاسلام ج 1 ص 184. ونص الحديث: (لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة الا بامام).

[23] سورة الجمعة: الآية 9.

[24] نص كلام صاحب الحدائق هو: (... او ما يشمل الخطبة فكأنه قال: (اذا نودي للصلاة فاسعوا اليها) وسماها ذكراً تنويهاً بشأنها) ج 9 ص 398.

[25] راجع الوسائل ج 5 ص 43.

[26] الوسائل ج 5 ص 116.

[27] الوسائل ج 5 ص 116. والكافي ج 3 ص 461.

[28] الوسائل ج 5 ص 115. والجواهر ج 11 ص 396.