|
(ص 30 - 58) المصاعب العظيمة في الايام الاخيرة: وهكذا ظلّ كالطود الاشم يدير ذلك الكيان ويدرأ عنه المخاطر ويرد عنه غائلة العدو، رغم الكوارث والهنابث التي كانت تنـزل بالشعب الايراني المسلم على يد حاكمه الجبار يوماً بعد يوم، ولا سيما رجال العلم والصلاح، فكان يرى كبار العلماء من زملائه يعانون آلام النفي والسجن، ويعاملون بمنتهى القسوة، ويُدَسُ لهم السم في المنافي ويموتون خنقاً في السجون، ويرى السفور وقد فُرض على المحجبات وذوات العفّة والنجابة فرضاً، وطلاب الدين يساقون الى الخدمة العسكرية زرافات ووحداناً، والخمور تباع علناً حتى في المدن المقدسة كخراسان وقم وبالقرب من المراقد الطاهرة، وعزاء سيد الشهداء (ع) وزيارة قبور آل محمّد (ع) بالعراق وغيره محظورة يعاقب عليها. وهكذا هُتكت الاعراض وديست الحرمات، واخيراً واقعة خراسان التي قتل فيها الالوف من العلماء والسادة والاشراف والزوار الغرباء في «مسجد كوهرشاد» الملاصق لحرم الرضا عليه السلام حين دعوا للاجتماع خديعة ووجهت المدافع عليهم فدفنتهم تحت الانقاض ظلماً وعدواناً... لقد كان يرى ذلك كله بعينه وقلبه يقطر دماً لانه لايستطيع دفع الضر، وكان الوحيد بين العلماء حيث لم يتعرضوا له شخصياً وكانوا يبدون له الاحترام ظاهراً ويجاملونه، وكان يحافظ على هذه الشكليات ليدفع بها الشر عن الباقين في بعض الحالات، وصار يرغب للعزلة وينـزوي عن الناس لانه يرى ما يحل بهم ولا يقدر على مساعدتهم. وهكذا الى ان مرض وتغلبت عليه العوارض وتوفي في ليلة السبت 17 ذي القعدة سنة 1355 هـ فثلم الاسلام بموته، وخسر المسلمون به زعيماً كبيراً، وركناً ركيناً، وداخل النفوس من الخوف والهلع ما لا مزيد عليه اذ كانوا يعتصمون به ويستظلون بظله. وقد اتهجت نية الحاكمين الى محاربة الهيئة العلمية منذ اللحظات الاولى لموته، فقد جرى له تشييع عظيم عمدوا الى تفرقته بسرعة ومنعوا من اقامة الفواتح علناً. الا انها استمرت في البيوت والزوايا شهوراً. وخلف الحائري على حفظ الحوزة الحجج : السيد محمد الحجة، والسيد صدرالدين الصدر، والسيد محمد تقي الخوانساري، واخوان لهم في الجهاد عشر سنين كاملات حتى هبط قم الزعيم العظيم السيد حسين البروجردي في سنة 1365 هـ وقام بقسطه من الخدمة على النحو الذي مر في ترجمته رحمهم الله جميعاً، وشكر سعيهم، واجزل اجرهم، وخلد ذكرهم في الغابرين". 4 ـ اساتذته وتلاميذه: من اساتذته : 1 ـ السيد يحيى الكبير 2 ـ والشيخ فضل الله النوري 3 ـ والميرزا ابراهيم المحلاتي الشيرواني 4 ـ والسيد المجدد الشيرازي 5 ـ والسيد محمد الفشاركي الاصفهاني 6 ـ والميرزا محمد تقي الشيرازي 7 ـ والشيخ محمد كاظم الخراساني[1] . وذكر السيد محسن الامين انه نزل في دار المترجم له سنة 1353 هـ في قم، وكان في مدرسته في قم نحو 900 طالب يجري على اكثرهم الارزاق[2] . وقد خص الشيخ محمد الرازي كتابه «اثار الحجة يا تاريخ ودائرة معارف حوزة علمية قم طبع سنة 1374 هـ» الجزء الاول بسيرة الشيخ الحائري وزملائه وتلامذته. 5 ـ مؤلفاته: ترك الشيخ الحائري من الاثار: 1 ـ «كتاب الصلوة» في الفقه مطبوع[3] . 2 ـ «التقريرات» في الاصول الفقه من بحث استاذه الفشاركي[4]. وقد استخرج منه كتابه الآخر[5] . 3 ـ «درر الاصول» وهو حاوٍ لمباحث الاصول برمتها ما عدا الاجتهاد والتقليد، ويقال له «درر الفوائد» ايضاً، وقد طبع مجلده الاول سنة 1337 هـ والثاني في سنة 1338 هـ[6] . 4 - رسالة في «المواريث»[7] . 5 - رسالة في «النكاح»[8] . 6 - رسالة في «الرضاع»[9] . 7 - حاشية على العروة الوثقى، فتوائية طبعت بايران في 1347 هـ[10] .
6 ـ موضوع البحث: لم يتطرق الشيخ الحائري الى اقوال علماء الامامية حول حكم صلاة الجمعة بتفصيل، الا ان فقهاء مذهب اهل البيت (ع) الذين ناقشوا صلاة الجمعة في عصر الغيبة في حدود «مائتي مصنف» فصلّوا في حكمها، وشروطها، وفيمن تجب عليه الجمعة. ولاشك ان الموسوعة الفقهية الجليلة «جواهر الكلام» هي اوسع المصادر الفقهية التي يمكن الاعتماد عليها في شرح حكم صلاة الجمعة عند الشيعة الامامية، ومعرفة الدليل العام في اثباتها او نفي وجوبها، زمن الغيبة. ولذلك فان ما ستقرأه هو زبدة موضوع الجواهر وخلاصة الفكرة عند الشيعة الامامية. الامر الاول: كيفية صلاة الجمعة: صلاة الجمعة ركعتان كالصبح فيما عدا القنوت ونحوه، تسقط معهما صلاة الظهر بلا خلاف فيه بين علماء الاسلام. ووقتها زوال الشمس، وقد اختلف اهل العلم في وقتها هل هو مضيّق ام لا ؟ فيرى صاحب الجواهر ان حمل المضيقات لا يعدو الا التأكيد في المبادرة ولكن مراعاة التضييق احوط واولى. وصلاة الجمعة تفوت بفوات الوقت ثم لا تقضى جمعة بل تصلى اربعاً. والجمعة لاتصلى الا جماعة، ولابد ان يتسع الوقت لامام الجماعة لكل ما يجب في الجمعة من الخطبة والركعتين في وجوبها، ولايكفي للامام الذي ادرك ركعة واحدة من الوقت من الاجتزاء بها كما هو الحال في الصلاة اليومية. اما المأموم فتصح صلاة جمعة بادراك الركعة الاولى. الامر الثاني: شروط صلاة الجمعة: وصلاة الجمعة مشروطة بعدة شروط: الشرط الاول: السلطان العادل او من نصبه بالخصوص لها خاصة او مع غيره من مناصبه، فبدونهما تسقط عيناً او مشروعيةً. عيناً : بلا خلاف بين علماء المسلمين عدا الشافعي فلم يعتبرهما، بل هو من ضروريات فقه الامامية ان لم يكن مذهبهم ولا يخفى صراحة بعض الروايات في نفي الوجوب العيني عقداً وظهورها في نفيه اجتماعاً بانتفاء شرط الضرر، وان جوازها في زمن الغيبة رخصة لا عزيمة لا في العقد ولا في الاجتماع بعد العقد. معنى الوجوب العيني: فإنّ وجوبها عيناً بالشرط المذكور له معنيان : الاول: وجوب الحضور على كل مكلف اذا عقدها احدهما «الامام العادل او نائبه» او علم انه اجتمعت الشرائط عنده وانه يعقدها كما دلّ عليه الكتاب والسنّة والاجماع الا على من سقطت عنه بالنص والاجماع. الثاني: وجوب عقدها عليهما عيناً اذا اجتمعت سائر الشرائط. وقال ابو حنيفة : يشترط وجود امام وان كان جائراً، وقال الشافعي: لا يشترط. وردّه: بان معتمدنا فعل النبي (ص)، فانه كان يعيّن لامامة الجمعة وكذا الخلفاء بعده كما يعيّن للقضاء. وكما لا يصح للانسان ان ينصب نفسه قاضياً من دون اذن الامام كذلك امامة الجمعة، وليس هذا قياساً بل هو استدلال بالعمل المستمر في الاعصار فمخالفته خرق للاجماع. نفي العينية عن الامام (ع) وعمن لا تجب عليه: وان الاجماع متواتر على نفي العينية، ويمكن تحصيله بملاحظة عدة امور. منها: السيرة التي اشار اليها اساطين المذهب ووافقتها فتاواهم واجماعاتهم. ومنها: ما دل على ان الجمعة من مناصب الامامة كالقضاء والحدود. ومنها: موثق سماعة: «سألت ابا عبدالله (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: اما مع الامام فركعتان، واما من يصلي وحده فهي اربع ركعات وان صلوا جماعة»[11] . والحديث صريح في مغايرة امام الجمعة لامام الجماعة. ومنها النصوص المستفيضة الدالة على سقوط الجمعة على من بَعُدَ عنها بفرسخين او من صلى الغداة عند اهله لم يدركها، ضرورة ظهورها في ان للجمعة محلاً مخصوصاً معيناً يجب السعي اليه على من كان دون هذه المسافة، ويسقط عمن لم يكن كذلك، كالسقوط عن الاعمى والمرأة ونحوهم سواء تمكنوا من عقد جمعة لهم ام لا، فاطلاق السقوط المزبور منافٍ للعينية. ولعل قول امير المؤمنين (ع): (لا جمعة الا في مصر تقام فيه الحدود)[12] مشعر ايضاً باشتراط الجمعة بظهور السلطنة المقتضي لاقامة الحدود، وان المراد منه الكناية بذلك عن ذلك، وتخصيص المصر لان الغالب تنصيب الامام فيه. وقد ورد اجماع العلماء على نفي الوجوب العيني لصلاة الجمعة. ولم يتوقف صاحب الجواهر في ايراد اجماع العلماء على نفي الوجوب العيني لصلاة الجمعة. بل زاد في هذا المقام قائلاً: «ومن مضحكات المقام دعوى بعض المحدثين تواتر النصوص بالوجوب العيني وانها تبلغ مائتي رواية... لكن العمدة من نصوص ما اشرنا اليها، وكثير منها لا دلالة فيها على ذلك بوجه من الوجوه. نعم قد اشتملت على لفظ الجمعة وعلى بيان كيفيتها كما لا يخفى على من لاحظها»[13]. فساد الاستدلال بالاستصحاب: والاستدلال بالاستصحاب: اي ان وجوب الجمعة حال حضور الامام او نائبه ثابت باجماع المسلمين فيستصحب الى زمن الغيبة وان فقد الشرط المدعى الى ان يحصل الدليل الناقل عن ذلك الحكم، استدلال فاسد لان الاجماع على اشتراط الوجوب به حال الحضور. ويتوضح ذلك عبر أمرين: الاول: ان الاستصحاب وقاعدة المشاركة تقتضي السقوط حينئذ لانتفاء الشرط. الثاني: ان الحكم قد تعلق بالحاضرين الواجدين للشرط، فاستصحابه بحيث يثبت الحكم على غيرهم غير معقول. وكذلك الاستدلال باصالة الجواز، وهو استصحاب جواز فعلها الى ان يظهر المانع، فانه استدلال فاسد ايضاً. الترديد بين الجواز والحرمة: وذلك لان ظاهر الاصحاب الاجماع على ان حكم الجمعة في الغيبة مردد بين الجواز والحرمة، وكل أمر تردد بينهما وجب الاجتناب عنه حتى يعلم الجواز، وهو ضروري عقلا وديناً. وغاية الامر ان يتردد فعلها بين الوجوب عيناً والحرمة. والاربع ركعات ايضاً مترددة بين الوجوب والحرمة ان قلنا بتعين الجمعة ركعتين لا التخيير بينهما. ولكننا مضطرون الى فعل احدهما متحيّرون اذن في الترجيح، فاما ان يتأمل حتى نرجّح احداهما او نأتي بهما جميعاً. واذا تأملنا وجدنا الاربع ارجح، اذ ليس فيهما غصب لمنصب الامام ولا اقتداء بغاصبه، وفيها تأسي بالائمة (ع) فإنهم منذ قبضت ايديهم لم يكونوا يصلون ولا اصحابهم الا الاربع. اليقين بين الركعتين والاربع: ولو كانت الاربع ركعات في الذمة بيقين، لقلنا لمن قال صلاة ركعتين تجزي عن الاربع انك محتاجٌ الى دليل، فلا يرجع عن المعلوم بالمظنون واخبار الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً. والاتفاق حاصل على الاربع ما لم يحصل الاذن في الاقتصار على الركعتين. ويحصل اليقين بالبراءة بالركعتين اذا حصل اليقين بالتخيير. واما على ما يحتمل من الوجوب عيناً، فمن المعلوم اشتراط صحة الركعتين وحصول البراءة بهما بامام مأذون امامته بخلاف الاربع فلا شرط لها. فما دام الشك في وجود امام، كذلك يحصل اليقين بالبراءة بالاربع دون الركعتين. ويؤكد الأمرين استمرار الائمة (ع) واصحابهم على الاربع من زمن الامام زين العابدين (ع)، والاكتفاء في البراءة بالظن الشرعي والا «لزِمَ التكليف بما لا يطاق» متجه اذا انتفى الطريق الى العلم. واذا كان الامر مرددٌ بين تعيّن الاربع وتعيّن الركعتين، وتأملنا فلم نر دليلا على الثاني الا ما يتوهم من ظاهر الاخبار، وهي لا تدل على الاذن فضلا عن التعيين، واذا لم تدل على الاذن تعينت الاربع ضرورة ولو احتياطاً. ويمكن الاستناد الى الاطلاقات في قطع قاعدة توقف العبادة على اذن الشارع، وقاعدة التصرف في حق الغير بغير اذنه بعد تسليم عدم اندراج امامة خصوص الجمعة في باقي الصلوات التي رخصوا في الامامة بها، وتسليم ان مطلق امامة الجمعة من مناصبه لا ان منصبه وجوب عقد الجمعة والاجتماع اليها من رأس فرسخين من كل ناحية كما عساه يظهر من النصوص، بخلاف جمعة الغيبة فانه يخيّر في عقدها والسعي اليها. الاحتياط يقتضي التخيير: وكيف كان فلا ريب في صلاحية النصوص المزبورة للخروج بها عن القاعدتين وللفرق بين زماني الحضور والغيبة. والقضاء وغيره من مناصبهم (ع) اعظم من امامة الجمعة قطعاً، وقد ثبت مشروعيته لغيرهم باقل من هذه النصوص عدداً بمراتب واضعف سنداً، فهي اولى بذلك. ودعوى ان مثل الظن لا يجوز العمل به في مثل ذلك من غرائب الكلام، اذ هو اما من الاحكام الشرعية المعلوم ثبوتها بنحو ذلك، او كالاحكام، وان كانت الامامة من مناصبهم (ع) الا ان الاذن فيها منهم من قبل الله تعالى قطعاً، فيكون حكما شرعياً يصلح الدليل الشرعي لإثباته قطعاً وعدم الضرورة في المقام الى الدليل الظني لا ترفع جواز العمل به، والا لوجب الاحتياط في سائر الاحكام الشرعية. ودعوى القطع بالبراءة بفعل الظهر مع التحير والتردد لتصادم الادلة وتعارضها حتى على القول بوجوب الجمعة عيناً في غاية الغرابة، ضرورة انه ليس في الادلة ما يقضي بوجوب الظهر على سائر المكلفين حتى يعلموا الاذن في الجمعة، وكون الواجب سابقاً الظهر ثم بعد مدة وجبت الجمعة لا يقضي بذلك قطعاً. فلا طريق في الفرض المزبور الا فعلهما معاً احتياطاً لترتفع من جهته الحرمة الشرعية كما في غيره. اذ لا حرمة ذاتية في المقام قطعاً كي يحتاج الى الترجيح بينهما بما ذكره المستدل مما يمكن معارضته بورود الحث الشديد والتوعد على ترك الجمعة، وانها مشتملة على الدعاء لآل محمد (ص) والوعظ والزجر، وبان فيها تأسياً بفعلهم (ع) لها زمن الظهور، وحفظ آثار سلطنتهم (ع) والتفأل بها وغير ذلك من المصالح، وفعلها لاحتمال الوجوب لا غصب فيه قطعاً. ودعوى ان بعض اخبار الوجوب العيني قد صدرت زمن الظهور يردّها ان اكثر اخبار الاذن بل جميعها زمن قصور اليد، وهو زمن الغيبة. اذ المراد بزمن الظهور ظهور السلطنة كما هو واضح. العمدة في اثبات التخيير: والعمدة في اثبات التخيير في زمن الغيبة النصوص المستفيضة او المتواترة على اختلاف كيفية دلالتها، وكذلك الاجماع على نفي الوجوب العيني، والى انه مقتضى الجمع بين ما دل على الاربع مع عدم المنصوب وبين ما دل على مشروعية فعلها بدونه، والشاهد منها ومن غيرها قائم. ودعوى تقدم النصب وانه كان ثابتاً زمن النبي (ص) في حيز المنع، بل ظاهر قوله (ع) : «فأني قد جعلته...»[14] كون النصب منه (ع). نعم، الظاهر ارادته عموم النصب في سائر ازمنة قصور اليد، فلا يحتاج الى نصب آخر ممن تأخر عنه. على ان النصب من امام الزمان متحقق، كما رواه اسحاق بن يعقوب عنه (ع) في جواب كتاب له سأله فيه عن اشياء اشكلت عليه، فقال له: «واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا، فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليكم»[15]، والاجماع قولا وفعلا على مضمونه. الشرط الثاني: العدد ولا يعتبر فيه ازيد من سبعة احدهم الامام، ولا يكفي فيه الاقل من خمسة اجماعاً. وجميع النصوص المزبورة في هذا الخصوص صادرة منهم (ع) زمن قصور اليد حيث كون التحقيق فيه التخيير حتى مع السبعة فما زاد. فحينئذ لا يتجه الجمع بينهما الا اذا لم يكن المراد مما فيها طلب الوقوع، بل هو اشبه شيء بالحكم الوضعي او الإخبار : اي الحكم كذا حال وجود الامام (ع) او المنصوب. الا انه لا يبعد حملها جميعاً على ارادة التخيير مع اختلاف افراده في الفضل، وحينئذ يكون حكم العدد حال ظهور السلطنة متروكاً او مستفاداً من ذلك بتجشم. الشرط الثالث: الخطبتان وهي عوض الركعتين اجماعاً بقسميه المنقول والمحصّل، ونصوصاً قولا وفعلا. والظاهر عدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها وان كان الاقوى انها في اللغة ولو على جهة النقل فيها اسم لكلام مخصوص. واعتبار النية فيها اعمّ من ثبوت الحقيقة الشرعية فيها، لإبتنائه على اصالتها في كل مأمور به من غير مدخلية لها. وانما جعلت خطبتين لان الاولى للثناء على الله والتمجيد والتقديس لله عز وجل، والاخرى للحوائج والاعذار والانذار والدعاء ولما يريد. وذهبت الامامية الى وجوب اربعة اشياء في الخطبة : حمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على النبي وآله (عليهم السلام)، والوعظ، وقراءة شيء من القرآن. ولا يصح ايقاع الخطبتين الا بعد زوال الشمس، وهو الذي تقتضيه اصول المذهب، ويعضده الاعتبار والعمل في جميع الاعصار. ويجب الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة على المشهور بين الاصحاب نقلاً وتحصيلاً. الشرط الرابع: الجماعة فلا تصح ابتداءً فرادى، اجماعاً بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين. ولا ريب في توقفها من المأمومين على نية الاقتداء. ونية الامامة واجب شرطي، فيكفي فيه حصوله وان لم ينوه، كما ان وجوبه من باب المقدمة لا يقتضي ازيد من ذلك. الشرط الخامس: ان لا يكون هناك جمعة اخرى وبينهما دون ثلاثة اميال اجماعاً محصلا ومنقولا مستفيضاً او متواتراً ونصوصاً. فإنّ اقترنت الجمعتان بطلتا قطعاً، بلا خلاف معتد. لامتناع الحكم بصحتهما معاً لما هو معلوم في الشرع من اشتراط الوحدة نصاً واجماعاً، ولا اولوية لاحداهما. فلم يبق الا الحكم ببطلانهما معاً من غير فرق بين علم كل فريق بالآخر وعدمه. ويستفاد من الاخبار الدالة على وجوب وحدة الجمعة، انه متى تحقق اقامة جمعتين يجب ان تكون بينهما المسافة المذكورة. فالتكليف بوجوب اعتبار المسافة بين الجمعتين او اعتبار السبق انما يتحقق اذا حصل العلم بوجود جمعة اخرى كما هو شأن الامر المعلق بالشرط. فالمأمور به صلاة جمعة يراعى فيها هذه الشرطية. وعلى هذا لا يلزم في امتثال التكليف العلم او الظن بانتفاء جمعة اخرى سابقة او مقارنة. نعم يعتبر العلم او الظن بعدم السبق او المقارنة، او حصول المسافة عند العلم بحصول جمعة اخرى لا مطلقاً. وبالجملة لا يتضح دلالة الاخبار على اكثر من ذلك. الامر الثالث : فيمن تجب عليه الجمعة بحيث يجب عليه السعي اليها ويراعى فيه سبعة شروط : التكليف، والذكورية، والحرية، والحضر، والسلامة من العمى، والمرض، والعرج. ولنعرض باختصار ملخصاً لكل شرط: 1 ـ التكليف : والاجماع على اشتراط البلوغ. بل لعله من ضروريات المذهب او الدين كالعقل، فلا تجب على غير البالغ والمجنون المستمر جنونه الى فواتها. نعم تصح من المميز بناء على الصحيح من شرعية عباداته. 2 ـ الذكورة : والاجماع على اشتراطها ايضاً. فلا تجب على المرأة، ولكن تجب على الخنثى المشكل سواء قلنا بالواسطة في الواقع او لا، للعموم الذي يدخل فيه المشتبه صدق الخاص عليه، بناءاً على عدم كونه مقسماً للعام، وانه لم يؤخذ في مفهومه عدم الخاص كي يكون مجملا بالنسبة الى الفرض، فيتمسك فيه باصالة البراءة. 3 ـ الحرية : والاجماع على اشتراطها. ولعل المراد انها لا تجب على العبد، ولعل غيرهم كذلك. فلا تسقط عن المبعض، لعدم صدق العبد عليه، فيبقى مندرجاً تحت الادلة المطلقة الواردة في المقام. 4 ـ الحضر : وعليه الاجماع، لان الاقامة شرط في الجمعة، فلا تجب على المسافر عند عامة العلماء. وينساق الى الذهن من كلمة «المسافر» في النصوص الشرعية، السفر الشرعي. وان لم يقال بثبوت الحقيقة الشرعية له، ولا يتوقف صدقه على وجوب التقصير عليه قطعاً، فتسقط عنه في مواضع التخيير وان تعين عليه التمام فيها بنذر ونحوه. 5 ـ السلامة من العمى : ففي «التذكرة» وعن «المنتهى» نسبتها الى علمائنا، و«المعتبر» و«الذكرى» الى الاصحاب، وعن «مصابيح الظلام» الاجماع عليه، ولا يقدح فيه عدم ذكره في «المراسم»، كما انه لا فرق في اطلاق النص والفتوى بين ما يشق معه الحضور وعدمه كما صرح به بعضهم. 6 ـ السلامة من المرض : وهو المرض المانع من الحركة، او المرض الذي يتعذر معه الحضور، او المشقة التي لا يتحمل مثلها عادة او خوف زيادة مرض أو بطء برء. والجميع تقييد للنص وغيره بلا دليل. 7 ـ السلامة من العرج : فعن «المنتهى» وظاهر «الغُنية» الاجماع عليه، لكن في «التذكرة» تقييد معقد الاجماع بما اذا بلغ حد الاقعاد. وخلاصة الكلام فيما لا اطلاق نص فيه انه ان حصل ما يصلح لسقوط التكليف من ضرر او مشقة لا تحتمل ونحوها مما يندرج به تحت العسر والحرج او اهمية واجب آخر مع التعارض ونحوها توجه السقوط، والا فلا. وتجب الجمعة على اهل السواد اي القرى كما تجب على اهل المدن مع استكمال الشرائط، دون خلاف بين الفقهاء، بل الاجماع بقسميه عليه. وكذلك تجب على ساكني الخيم كأهل البادية اذا كانوا قاطنين مستكملين الشرائط للعموم المعتضد بظاهر الفتاوى التي يمكن تحصيل الاجماع منها ما عداً المبسوط. ويحرم البيع يوم الجمعة بعد الاذان، بلا خلاف. واليه يرجع ما عبر به جماعة من الحرمة وقت النداء. فإنّ باع أثم وكان البيع صحيحاً على الاظهر الاشهر. 7 ـ هذه الرسالة: اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسخة مصورة استعرتها من سماحة السيد محمد حسين الجلالي كان قد استنسخها من الشيخ مرتضى الحائري (ت 1406 هـ ) ابن المؤلف (رض). والرسالة تحتوي على 22 صفحة، عدد الاسطر 23 سطر في كل صفحة ما عدا الصفحة الاخيرة حيث تحتوي على 14 سطر كتبت تحتها تعليقة بخط الشيخ مرتضى الحائري نصها : «بسمه تعالى وله الحمد والشكر تلك الصفحات كلها صورة خط الوالد الاستاذ تغمده الله برحمته وغفرانه واعلى مقامه ولقد كتبها قدس الله سره في قم فصارت ملحقاً بما كتبه في كربلاء المشرفة وانا الراجي رحمة ربه المنان مرتضى بن عبد الكريم بن محمد جعفر غفر الله لهم في يوم العشرين من رمضان المبارك سنة 1397 القمرية» . وفي اول النسخة تعليقة تقول : «صلاة الجمعة هذا فصل من كتاب الصلاة للشيخ الحائري (ره) المعروف بمؤسس الحوزة العلمية في قم وهو بخط المؤلف (ره) كما افاد نجعله العلم دام ظله، وافاد دام ظله ان المؤلف (ره) ألف الكتاب في كربلاء ثم جدد النظر فيه حين تدريس الصلاة في قم. وهذا البحث هو آخر ابحاث النسخة التي اغلبها بخط المؤلف ويلحق بالنسخة «رسالة في الخلل» للسيد المحقق الفشاركي كما نص على ذلك الشيخ الحائري (ره) في هامش الرسالة» . وقياس الكتاب : 12× 5/8، واصل الكتاب 5/5× 8 ورقم الكتاب 1355. ولم يؤرخ المؤلف كتابة الرسالة. وبما ان النسخة تعتبر المسودة الاصليّة بخط المؤلف من كتابه في الصلاة فأنّ هناك كلمات يستحيل قرائتها وقد اشرت الى ذلك في الهامش وقد راجعت تصحيح الروايات في مصادرها الاوّلية كالكتب الاربعة ودعائم الاسلام او المصادر الثانوية كالوسائل والبحار. واجريت بعض التعديلات في الكلمات التي يصعب قرائتها بين المعقوفتين مع بذل الجهد في المحافظة على سلامة نص المؤلف. وفي الختام لابدّ لي ان اشكر حجة الاسلام المحقق السيد محمد حسين الجلالي من علماء الشيعة الاماجد على جهوده في تهيئة الرسالة المخطوطة وتوفير وسائل البحث لهذا التحقيق. خصوصاً واننا معاً نكافح في بلاد الغربة والجدب الروحي والفكري. وأسأل الباري عز وجل ان يأخذ بيده في احياء تراث اهل البيت الطيبين الطاهرين. زهير الاعرجي 15 رمضان المبارك 1410هـ
(نهاية ص 58)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] طبقات اعلام الشيعة ج 1 ص 1158. [2] اعيان الشيعة ج 8 ص 42. [3] الذريعة ج 15 ص 57، اعيان الشيعة ح 8 ص 42، معجم المؤلفين ج 5 ص 320. [4] الذريعة ج 4 ص 378. [5] اعيان الشيعة ج 8 ص 42. [6] طبقات اعلام الشيعة ج 1 ص 1166، الذريعة ج 8 ص 118، اعيان الشيعة ج 8 ص 42، معجم رجال الفكر والادب في النجف ص 475، معجم المؤلفين ج 5 ص 320. [7] معجم رجال الفكر والادب في النجف ص 475. [8] المصدر السابق ص 475. [9] المصدر السابق ص 475. [10] الذريعة ج 6 ص 149. [11] الوسائل ج 5 ص 16. [12] الوسائل ج 5 ص 10. [13] جواهر الكلام – صلاة الجمعة ج 11 ص 174. [14] الوسائل ج 5 ص 10. [15] الوسائل ج 18 ص 101.
|