(ص 1 - 29) 

 صلاة الجمعة والعيدين

 

تأليف: الشيخ عبد الكريم الحائري

(1272 ـ 1355 هـ)

 تحقيق: السيد زهير الاعرجي

 الطبعة الاولى: 1411هـ - 1991م

 -------------------

 مقدمة حول صلاة الجمعة

          لقد خص القرآن الكريم صلاة الجمعة بشرائط واحكام ليست في سائر الصلوات من السعي عند النداء وترك البيع والعدد والخطبة، لذلك اتفقت المذاهب الاسلامية على أصل وجوب صلاة الجمعة في كل عصر ومصر بلا خلاف وان اختلفت في تحديد تلك الشروط واليك لمحة عنها:

 الجمعة لغة:

          الجمعة كانت تسمى في الجاهلية بـ «العروبة» والجمعة لغة على ما ذكره الزبيدي المتوفى 816 هـ : «بالضم لغة بني عقيل، وبضمتين وهي الفصحى، والجمعة كهمزة لغة بني تميم وهي قراءة ابن الزبير والاعمش وسعيد بن جبير... سمي لانها تجمع الناس ثم أضيف اليها اليوم كدار الآخرة...»[1] .

          واختلفت المصادر في اول من سماها الجمعة هل هو كعب بن لؤي حيث كانت قريش تجتمع اليه، او قصي وكانت قريش تجتمع اليه في دار الندوة، او الانصار في الاسلام لاجتماعهم في المسجد. والحق: ان التطور اللغوي يصحح الاقوال المذكورة كلها حيث ان الكلمة استعملت في الجاهلية وصفاً ثم اصبحت بالوضع التعيني علماً في الاسلام. وطبيعي ان يكون ذلك في المدينة المنورة حيث تكرر اجتماع المسلمين. كما اصبحت مصطلحاً في الفقه للصلاة الخاصة في هذا اليوم.

اول جمعة:

          يحدث الطبري (ت 310 هـ ) في حوادث السنة الاولى للهجرة : «في ذلك تجميعه باصحابه الجمعة في اليوم الذي ارتحل فيه من قباء وذلك ان ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامداً المدينة فادركته الصلاة وصلاة الجمعة في بني سالم بن عوف ـ الى ان قال ـ وكانت هذه الجمعة اول جمعة جمعها رسول الله (ص) في الاسلام فخطب في هذه الجمعة وهي اول خطبة خطبها بالمدينة» ثم اورد الخطبة بطولها[2].

          ولم يحدد الطبري عدد المسلمين في صلاة الجمعة هذه ولكن المقريزي (ت 845 هـ ) عدّدهم قائلاً : «فلما اتى (ص) مسجد بني سالم جمع بمن كان معه من المسلمين وهم اذ ذاك مائة وقيل كانوا اربعين وخطبهم وهي اول جمعة اقامها (ص) في الاسلام»[3] ثم اورد له (ص) خطبة مختصرة جداً.

          اما المحدّث المجلسي (ت 1111 هـ ) تبعا للطبرسي (القرن السادس) قال : «فادركته (ص) صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذوا اليوم في ذلك الموضع مسجداً. وكانت هذه الجمعة اول جمعة جمعها رسول الله (ص) في الاسلام فخطب في هذه الجمعة [ثم اورد الخطبة التي رواها الطبري وقال] فلهذا صارت الخطبة شرطاً في انعقاد الجمعة»[4] .

          وروى الصالحي (ت 942 هـ ) انه (ص) خطب خطبتين، فاورد الخطبة القصيرة اولاً كما نقلها المقريزي وقال : ثم خطب مرة اخرى واورد خطبة تختلف عن روايتي الطبري والمجلسي اولها : (ان الحمد لله، احمده واستعينه، نعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا...الخ). ثم شرح الخطبة برواية الطبري فقرة فقرة[5] . ورواية الصالحي هذه ان صحت تبين السبب في تعدد الخطبة في الجمعة وان ذلك مستند الى سيرة النبي (ص) بالاضافة الى الروايات القولية.

 شروط الجمعة:

          اختلفت المذاهب الاسلامية في تحديد شرائط وجوب الجمعة. واهم الشرائط التي وقع الخلاف فيه هو «اذن السلطان»، فذهبت الحنفية على اشتراط «اذن السلطان او نائبه الذي ولاه امارة»[6] . وغير الحنفية لم يشترطوا ذلك.

          وفقهاء مذهب اهل البيت (ع) اختلفوا كذلك وكل أستند الى ما ساقه الدليل سواءً في ذلك فقهاء المدرسة الاصولية او الاخبارية. فتضاربت الفتاوى بين القول بالوجوب والاستحباب والتخيير وحتى الحرمة. ومرجع هذا الاضطراب الى اشتراط اذن السلطان اي الحاكم الاسلامي العادل والذي يستوجب اقامة الحكومة الاسلامية. وطبيعي ان ذلك يتوقف على الظروف السائدة في كل عصر ومصر فمن لم يرَ السلطان واجداً لمؤهلات القيادة الاسلامية يقاطع الجمعة لاعتبار العدالة في السلطة والامام فتكون الجمعة وسيلة لتمثيل المعارضة للحكم القائم على اساس انه فاقد للشرعية وهذه المعارضة ظاهرة في كثير من المواقف لائمة اهل البيت (ع).

          اما في زمن الغيبة فجمهور المتقدمين على الوجوب كما هي مدونة في كتبهم، اما المتأخرين فقد ذهب الى الوجوب جمهرة منهم المحقق الكركي نور الدين علي بن عبد العال العاملي (ت 940 هـ ).

          وذهب الى الحرمة في زمن الغيبة الشيخ ابراهيم القطيفي معاصر الكركي المذكور راداً عليه، وهو رأي شاذ.

          وذهب الى الاستحباب الوحيد البهبهاني محمد باقر بن محمد (ت 1205 هـ ) في ثلاث رسائل.

          وذهب الى التخيير بين الظهرين السيد ابو القاسم الموسوي في رسالة كتبها عام  1233 هـ .

          وقد استوعب اصحاب الموسوعات الفقهية الادلة بالنقد والتحليل منهم: المحدّث البحراني (ت 1186 هـ ) في الحدائق[7] وصاحب الجواهر (ت 1266 هـ)[8] .

          وكانت سيرة الفقهاء سرد الفروع الفقهية لصلاة الجمعة في رسائلهم العملية ولعل اول من اهملها السيد اليزدي (ت 1337 هـ) في العروة وتبعه السيد الحكيم (ت 1390 هـ) في المستمسك. اما سيدنا الاستاذ الخوئي فبحثها في درس الخارج واهمل فروعها في الرسائل العملية وكذلك اغلب مراجع العصر وذلك لفقدان الشرط الاساس اي السلطان العادل.

          ولما انتصر السيد الخميني (ت 1410 هـ ) في اقامة الحكومة الاسلامية عام 1399 هـ احيى اقامة الجمعة على مذهب اهل البيت (ع) فانه وان لم يعهد منه (ره) اقامتها بنفسه فقد نصب ائمة الجمعة في كل منطقة نفذت كلمته. وكان اولهم امام الجمعة في طهران السيد محمود الطالقاني (ت 1400 هـ). وتعرض (ره) الى فروعها الفقهية بتفصيل في «تحرير الوسيلة»[9] الذي كتبه في الاصل تعليقاً وتحريراً لكتاب وسيلة النجاة للسيد ابي الحسن الاصفهاني (ت 1365 هـ) مع ان الوسيلة فاقدة للفروع بالمرة.

          والمكتبة الفقهية لمذهب اهل البيت (ع) تشهد بانه لم يحصل الخلاف في مسألة فقهية كما حصلت في صلاة الجمعة في عصر الغيبة. ومن هنا قال شيخنا العلامة (ت 1389 هـ ): «صنف فيه ما يقرب من مائتي كتاب»[10] . وقد اورد (ره) مائة وخمسة رسائل فيها.

          ومما يستدرك عليه (ره) ما يأتي:

1 ـ رسالة في صلاة الجمعة بخط ابي القاسم بن ابي طالب الحسيني النجفي بخط المؤلف ظاهراً في دار الكتب القطرية رقم 32 ـ 80.

2 ـ الجمعة للشيخ محمد بن مهدي الخالصي (ت 1383 هـ) ط بغداد 1369 هـ .

 3 ـ رد الجمعة  الى اهلها للسيد مير محمد القزويني ط 1370 هـ .

4 ـ ازالة الريبة في صلاة الجمعة في زمن الغيبة للشيخ محمد رضا الاصفهاني ط 1372 هـ .

5 ـ رسالة صلاة الجمعة للسيد محمد رضا الكلبايكاني دام ظله اقحمت بين تعليقاته على العروة الوثقى ص 118 ط قم 1390 هـ .

 هذه الرسالة:

          وهذه الرسالة بحث مستل من كتاب الفقه تأليف الشيخ عبد الكريم محمد جعفر الحائري (ت 1355 هـ ) مؤسس الحوزة العلمية بقم. فقد سهر على العلم واهله بصبر وجلد منقطع النظير في عصر سادت الحرب النفسية ضد العلم والدين. وجدتُ الكتاب بخطه الشريف في حوزة نجله الشيخ مرتضى الحائري (ت 1406 هـ) فاستأذنته بتصويرها وكتب (ره) على المصورة فائدة مضمونها ان والده (ره) شرح فيه تأليف الكتاب في كربلاء المشرفة في العراق، وانه جدد النظر فيه حين التدريس في قم. وقد انعم الله تعالى على العلامة السيد زهير الاعرجي ان يضيف هذه الرسالة الى جهوده المشكورة في خدمة العلم والدين.

 

محمد حسين الحسيني الجلالي

رمضان المبارك 1410 هـ .

 ------------------

 ترجمة المؤلف

1 ـ اصله ونسبه:

          هو الشيخ عبد الكريم بن محمد جعفر المهرجردي اليزدي الحائري. وصفه الشيخ اغا بزرك الطهراني في «طبقات اعلام الشيعة» بقوله: «الشيخ عبد الكريم بن المولى محمد بن جعفر المهرجردي اليزدي الحائري القمي فقيه جليل وعالم كبير وزعيم ديني شريف»[11] .

          وقد ترجمه كل من السيد محسن الامين في «اعيان الشيعة»[12]، وعمر رضا كحالة في «معجم المؤلفين»[13] ، ومحمد هادي الاميني في «رجال الفكر والادب في النجف»[14] .

 2 ـ مولده ووفاته:

          ولد في مهرجرد من قرى يزد في سنة 1276 هـ الموافق 1856 م[15] . وتوفي في ليلة السبت 17 ذي القعدة سنة 1355 هـ الموافق سنة 1936م. وقد جرى له تشييع كبير ودفن في رواق حرم فاطمة (عليها السلام) في مدينة قم المشرفة. حيث مقبرته المعروفة اليوم، وقد رثاه الشعراء وابّنه العلماء، وذكر الشيخ اقا بزرك في «طبقات اعلام الشيعة»[16] شعراً للسيد صدر الدين الصدر يؤرخ وفاته بقوله :

عبد الكريم آية الله قضى *** وانحل من سلك العلوم عقده

اجدب ريع العلم بعد خصبه *** وهدّ اركان المعالي فقده

كان لاهل العلم خير والد *** وبعده امست يتامى ولده

كوكبُ سعدٍ سَعِدَ العلمُ به *** دهراً وغاب اليوم عند سعده

في شهر ذي القعدة غاله الردى *** بسهمه ياليت شلت يده

في حرم الائمة الاطهار في *** شهر الحرام كيف حل صيده

دعاه مولاه فقل مؤرخا *** (لدى الكريم حلّ ضيفاً عبده)

1355 هـ .

3 ـ حياته الاجتماعية والسياسية:

          لقد استوفى الشيخ اقا بزرك الطهراني ترجمة مفصلة للمصنّف في «طبقات اعلام الشيعة»[17] ، وحيث ان هذه الترجمة استوفت النقاط البارزة في حياة المؤلف الاجتماعية والسياسية ودوره البنّاء في تأسيس الحوزة العلمية في قم المشرفة نكتفي بايرادها مع بعض الاضافات دون الرد والمناقشة. فقال (ره):

 الولادة الطيبة والتحصيل العلمي:

          «ولد في مهرجرد من قرى يزد في سنة 1276 هـ . وكان ابوه من الصلحاء ورجال القرية المعروفين فوجّه ولده الى التعليم. وما ان تعلّم القراءة والكتابة واتقن مبادئ العلوم حتى بعثه الى يزد، وكان فيها عدد من العلماء المدرسين. فقرأ العلوم العربية وسطوح الفقه والاصول على السيد يحيى الكبير وغيره.

          ثم هاجر للتكميل الى العتبات المقدسة في العراق. وجاور سامراء، فأكمل السطوح على الشيخ فضل الله النوري، والميرزا ابراهيم المحلاتي الشيرواني. وحضر على السيد المجدد الشيرازي، والسيد محمد الفشاركي الاصفهاني، والميرزا محمد تقي الشيرازي، وغيرهم. فقد لازم حلقات دروسهم سنين طوالاً.

          وبعد وفاة المجدد هاجر السيد الفشاركي الى النجف الاشرف فصحبه المترجَم له، وظلّ ملازماً لدروسه الى ان توفي في سنة 1316 هـ فلازم درس الشيخ محمد كاظم الخراساني، وكان من اجلاّء تلاميذه وبارزي حوزة درسه. وهبط كربلاء قبل وفاة الخراساني، فالتفّ حوله عدد من الطلاب فاشتغل بالتدريس والافادة. وكان الميرزا محمد تقي الشيرازي يبجلّه ويشير اليه ويعترف بفضله ومكانته حتى انه ارجع احتياطاته اليه، فلفت ذلك اليه الانظار واحلّه مكانة سامية في النفوس.

          وفي اوائل سنة 1333 هـ سافر الى ايران لزيارة مشهد الامام الرضا (عليه السلام) في خراسان وتلقى دعوة من بعض وجوه اراك للاقامة عندهم، فهبط سلطان آباد مركز عراق العجم. وكان هناك بعض اهل العلم فعني بتدريسهم وتنمية مواهبهم وكان ان ازداد عددهم وبلغ نحو ثلثمائة طالب علم. واقبل الطلاب عليه واصبحت المدينة مركز ثقافة وعلم على بساطتها.

 الانتقال الى دار العزة والايمان:

          ولما انتقل مراجع الشيعة في التقليد في تلك الآونة الى رحمة الله كالسيد محمد كاظم اليزدي في سنة 1337 هـ ، والشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي في سنة 1338 هـ ، وشيخ الشريعة الاصفهاني في سنة 1339 هـ  اتجه اليه عدد من المقلدين وحاز ثقة العامة فضلاً عن الخاصة، لما اسلفناه من تأييد الميرزا الشيرازي له.

          وفي رجب سنة 1340 هـ هبط مدينة قم المشرفة «دار الايمان» ومثوى فاطمة بنت فاطمة بنت الامام موسى الكاظم واخت الامام الرضا (عليهما السلام) بدعوة من بعض رجال العلم فيها رغبة في احياء امرها الغابر واعادة مجدها الداثر، فنظم من كان فيها من طلاب العلم تنظيماً عالياً. واعلن عن عزمه على جعلها مركزاً علميا يكون له شأنه في خدمة الاسلام واشادة دعائمه.

          واخذت الحقوق الشرعية والهبات تتوالى عليه من البلدان الايرانية فوسع العطاء على الطلاب والعلماء، وبذل عليهم بسخاء. وسن نظاماً للدراسة وقرر ترتيباً مقبولاً للاشراف على تعليم الطلاب واجراء الامتحان السنوي، واكثر من الترغيبات بغية جلب الناس وادخال من يرغب في هذه الحضيرة الروحية. والناس يومئذ ذوو عقيدة راسخة وايمان ثابت، واهتمام بشأن الدين ورجاله، واحترام لحملته وطلابه، فتقاطروا اليه من كل حدب وصوب، وغصت المدارس باهليها وزاد عدد الطلاب والعلماء في اوائل هجرته اليها على الالف. وقام باعباء اعاشتهم وتنظيم امورهم بهدوء وحكمة.

 العقلية الجبّارة:

          وقد ابدى كياسة وكفاءة، ودلّل على عقلية جبارة، ونفس كبيرة، وصدر رحب. ولم يكن ليكنـز الاموال الطائلة من الحقوق الشرعية عنده او تحت يده، بل ائتمن بعض اصحاب المتاجر من الصلحاء فكانت تحوّل اليه وتجتمع عنده ويصدر المترجَم له امره بتوزيعها من قبله على مستحقيها وسائر المشاريع المخصصة لها. وقد آزرته الحكومة يومئذ، فقصده السلطان احمد شاه آخر ملوك القاجاريين الى قم مع حاشيته للتعرف عليه وتهنئته في نجاحه في مسعاه حول تأسيس الحوزة العلمية.

          سمت مكانة الحائري في نفوس الشعب الايراني المسلم وغيره، وغطت شهرته علماء ايران على الاطلاق. وصارت له حوزة علمية يُعتد بها، وكيان تعقد عليه الآمال. وصار كعبة الوفاد، وصارت قم شرعة الوارد ونجعة الرائد، وثنيت له وسادة الزعامة والقيت اليه مقاليد الامور، واناط به اهل الحل والعقد ثقتهم واجمعوا على تقديمه وتعظيمه.

          وقد اتفقت بعض الوقائع والحوادث في اوائل هجرته الى  قم ساعدت على دعم شخصيته وبناء كيانه وابرازه الى الوجود كزعيم روحي له وزنه ومقامه، منها ورود زعماء الدين ومراجع التقليد في النجف الاشرف يوم ذاك عليه وبقاؤهم عنده في قم. وذلك ان الحجة المرحوم الشيخ مهدي الخالصي عندما نفته الحكومة العراقية في 12 ذي القعدة سنة 1341 هـ توجه الى ايران بدعوة منها.

          كما توجه اليها الحجج: السيد ابو الحسن الاصفهاني، والميرزا محمد حسين النائيني، والسيد علي الشهرستاني، والسيد عبد الحسين الحجة وغيرهم من العلماء الذين وقفوا موقفه واحتجوا على تبعيده، فنُفي البعض منهم ايضاً، واحتج الآخرون على نفيه فخرجوا مُغضبين.

          وقد زار الخالصي قم وتوجه الى خراسان فسكنها الى وفاته كما يأتي. وتفرق الآخرون في البلاد، اما الاصفهاني والنائيني والشهرستاني فقد هبطوا قم، وحلّوا ضيوفاً على الحائري. وكان الاولان يومئذ اكبر علماء النجف واشهر مراجعها. وقد رحّب بهما الحائري كل الترحيب، وانزلهما منـزل العزة والكرامة. كما عني بهما الشعب الايراني وعلى رأسه حكومته، وعلى رأسها ملكها السلطان احمد شاه القاجاري. فاسُتقبلا من الحدود من قبل مختلف طبقات الشعب، وفي طليعتها العلماء والمسؤولون. وأمر الحائري رجال العلم باستقبالهم على مسافة من قم. وجاء احمد شاه الى قم لزيارتهما وتقبيل يديهما، وكذلك رجال دولته. وهنا صارت دار الحائري مهبط الامراء وعلية القوم والاشراف والاعيان.

          وفي الحقيقة كانت لهذه الزيارة فائدتها الكبيرة للحائري. فهو وإن كان  عالماً شهيراً ، الا ان نزول هذين الزعيمين عنده ولما يمضِ على هبوطه قم اكثر من عام أثر في نشر اسمه في مختلف البلاد الايرانية والاوساط الرسمية والشعبية. وبهذا دخل بيته من لم يكن يتفق له دخوله من قبل. وتعرّف على اناس من ذوي النفوذ كان تعرّفه عليهم ووصولهم اليه يتطلب الوقت والجهد اللذين هو في حاجة الى بذلهما على مشروعه الجبار والجامعة التي بدأ يشيّد اساسها.

          وهذا ما ركّز مقامه ودعم زعامته. أضف الى ذلك ان الضيفين الكبيرين ـ وهما افضل مدرسي النجف ـ قد توليا التدريس بدعوة منه خلال مكثهما في قم وذلك ثمانية اشهر. ففسحا له المجال للعمل والانشاء، وكفياه مؤونة مهمة كانت تستأثر بالكثير من وقته وتفكيره.

 مواجهة الطاغوت:

          وقد برهن الحائري على بطولة ورجولة، وشجاعة وصبر وجلد وثبات وعزيمة جبارة. فقد لاقى في طريق العمل من الصعاب والمتاعب ما يكفي لتراجع اكبر الرجال قلباً واقواهم شكيمة واوسعهم صدراً. حيث كان لانتهاء حكم القاجاريين وتولي البهلوي تأثير بارز في تقليص جهوده والحدّ من نشاطه. اذ رافقت ذلك احداث ووقائع جسام، وكانت سيرة البهلوي واضحة في عزمه الاكيد وتصميمه على القضاء على الدين ومحو كل اثر لرجاله وشعائره ورسومه. فقد سجن العلماء الكبار، ونفى عدداً منهم ودسّ السمّ لآخرين، وفعل الافاعيل من هذا القبيل. وفي هذه الظروف كان الحائري يعمل على توسيع دائرة الحوزة العلمية في قم، ونشر الدعوة، ودعم هيكل الدين، واشادة مجد الاسلام بإعمال احكامه وتطبيق نظامه.

          في ذلك الوقت، وفي تلك الظروف السود قاوم هذا العالم المخلص ديكتاتورية الملك واباحيته، ووقف في وجهه مجنّداً كل امكانياته وقابلياته وموطّناً نفسه للعظائم ومضحياً في سبيل دعوته بكل ما يملك. ولم تفت في عضده او توهن من عزيمته او تسرب اليأس والقنوط الى نفسه كل تلك المحاولات اللئيمة، والمساعي الخبيثة التي بذلها سماسرة السوء وزبانية الشر، واعداء الدين والخير والفضيلة. وهكذا بقي يقاوم كل ما يعترض طريقه من عقبات وعراقيل، حتى كُلل سعيه بالنجاح وانتصر، وباء خصومه بالصفقة الخاسرة، وعادوا يجرّون اذيال الفشل (...ولعذاب الآخرة اشق وما لهم من الله من واق)[18] .

          وقد كان في قم على عهد الحائري من العلماء الكبار عدد غير قليل، منهم: الميرزا جواد الملكي، والشيخ نور الله الاصفهاني، والشيخ ابو القاسم الكبير، والشيخ محمد تقي البافقي، والميرزا صادق التبريزي، والشيخ محمد علي الحائري، والشيخ مهدي القمي، والميرزا محمد الفيض، والشيخ محمد تقي الاشراقي، والميرزا محمد الكبير، والسيد فخر الدين القمي، والشيخ ابو القاسم الصغير، والسيد حسن الكوجة حرمي، والسيد محمد باقر القزويني، وعشرات غيرهم. وهؤلاء وان اختلفت ازمان سكنى بعضهم  في قم، الا انهم ممن اسهم بقسط كبير في التدريس، وفي مساندة المترجَم له ومعايشته في الرأي.

          ومعظم من ذكرناه منهم قد تعرّض لصنوف الارهاب والتعذيب من لدن الملك وحاشيته وحكومته الجائرة. كل ذلك من اجل هدم ما بناه المترجَم له واضعافه. وكان يستعمل منتهى الكياسة والحزم فلا يحرّك ساكناً ولا يعلن ساخطاً، لانه كان واثقاً بانه هو المقصود. وان تلك التحرشات تستهدف شخصه، فقد كانوا يستفزونه بين الآونة والاخرى رجاء ان ينبس ببنت شفة ليمكنهم من نفسه. لكنه كان يقظاً لذلك وغير غافل عنه.

          وكانت حوزات علمية صغيرة في خراسان وطهران وتبريز واصفهان، وغيرها من بلاد ايران، تمكن الحاكمون من تفريق شملها والقضاء عليها. وبقي همهم منصرفاً للقضاء على حوزة قم. الا ان حنكة الحائري واخوانه وصبرهم على المكاره وتحملهم للصعاب قد حال دون ذلك. وهكذا نمت البذرة الصالحة في تلك التربة الطيبة «وما كان لله ينمو» واتسعت  الحوزة العلمية اتساعا غير منتظر. وما مضت السنوات والاعوام، الا وازدهرت الحياة الدينية والثقافية، وتعددت الهيئات العلمية. واذا بالكيان الذي شادته البطولات الخارقة والهمم العالية ضخماً جباراً يضاهي الثريا رفعة وشموخاً. وتكاد جامعة قم اليوم تأتي بالدرجة الثانية بعد النجف الاشرف التي هي عاصمة العلم الكبرى عند الشيعة في العالم.

 الحسّ السياسي:

          وكان الحائري من اشد المسلمين غيرةً على نواميس الشرع الشريف، وقد تفاني في خدمة الدين منذ نعومة اظفاره، وبذل نفسه في سبيل ذلك، ولاقى من المتاعب والاذى ما ألمحنا الى بعضه. ولم يكن فيه جبن ولا تخاذل لاسيما وقد كان يرى بأمّ عينيه ما يجري على مقربة منه، ويسمع اصوات الاستنكار مرتفعة من كل جانب. بل كان يعرف حقّ المعرفة باطن احوال المجتمع ويرى بنظره الثاقب ما هو مصداق قول سيّد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام): «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون». كما كان يعرف حقيقة أمر السلطة التي قفزت من قزوين الى سدة الحكم في طهران بغتة وفي لحظات. لقد كان يعلم جيِّداً ان السلطة كانت تستمد قوتها من الاجانب الذين لا همّ لهم الا القضاء على الدين الإسلامي ومحو تعاليمه وقبر دستوره المقدس «القرآن» فهم يطالبون بثاراتهم  والخسائر التي منوا بها في الحروب الصليبية التي شنوها.  وقد ظهر للعالم صدق ذلك بعد عشرين سنة، عندما نُحي البهلوي عن الحكم وابُعد عن بلاده بلحظة في 20 شهريور سنة 1321 شمسية ـ سنة 1361 هجرية كما حكم وملك  عيناً.

          لقد كان الحائري يعرف خفايا الامور واسرارها الدقيقة، وان المخطط الذي يرسمه اسياد ذلك الطاغية مطبّق لا محالة. وكان يرى نفسه واحداً من المراجع الذين لم يتوقف المأجور عن سجن بعضهم وسم الاخر، و خنقهم في المنافي والحبوس. ولو قام بالثورة في وجهه لما اختلف مصيره عن زملائه، ولصار الى ما صاروا اليه. ولم تجْدِهِ الاستنكارات وصرخات الشعب كما لم تجْدِهِ من سبقه. ولذلك رأى ان صبره وسكوته افضل ما داموا قد تركوه الى حال سبيله، وانفع وابقى للعمل الذي وقف نفسه له، وللكيان العلمي الذي بدأ يرسخ ويقرب من الكمال. وكان عمله عين الصواب.

 القدرة العلمية:

          وقد كان الحائري من الناحية العلمية احد افذاذ عصره، وفطاحل العلم، واساطين الدين، ومن كبار  الفقهاء واجلائهم. له في العلوم الاسلامية قدم راسخ وباع طويل، وقد شهدته معاهد العلم في النجف وكربلاء. واعترف بمكانته وتضلعه كبار المدرسين  وفحول المجتهدين. وقد اشرنا الى رأى الميرزا الشيرازي فيه واناطة ثقته به، وقد سمعت على عهد شيخنا الشيرازي انه طلب الى المترجَم له ان يعود الى النجف بعد وفاة السيّد اليزدي في 1337 هـ  لينص عليه ويحملّه اعباء المرجعية، لولا ان حال دون ذلك انتقال الشيرازي الى رحمة الله عليه في سنة 1338 هـ . الا ان الحائري بالرغم من جلالة قدره وتحقيقه ومقامه الرفيع كان بعيداً عن الادعاء وتشريح النفس وظلّ حتى بعد ان صار من اكبر مراجع التقليد شديد الاحتياط في الفتاوى، كثير التحفظ والتروي.

          وكان له الى اواخر ايامه درسان احدهما في الفقه وكان يلقيه صباحاً في «قبة العلماء» وهو مسجدٌ عند الرأس الشريف حيث قُبِرْ، والاخر في الاصول ويلقيه عصراً في «المدرسة الفيضية». وكان كثير البرّ بالطلاب والعلماء، شديد العطف عليهم والعناية بهم، يرعى الصغير والكبير. وبالرغم من تعيينه لموزعي الرواتب وتوكيله للثقات من تلامذته واصحابه بالقيام باللوازم والاستفسار عن النواقص، كان يتولى بعض الامور بشخصه ويباشرها بنفسه. وكان اعّد لهم كل شيء قد يحتاجون اليه حتى انه بنى مستشفى خاصاً برجال الدين والطلاب ليشعرهم بالكيان المستقل والكرامة الموفورة التي كانوا يتمتعون بها. وفي الوقت الذي كانت فيه الشخصيات السياسية والتجارية والامراء والقادة يتهافتون على بيته للثم انامله وعرض انفسهم لخدمته، كان يدور على غرف طلاب العلم بمفرده للاطلاع على احوالهم واساليب معيشتهم، والوقوف على مدى عنايتهم بالدرس والمطالعة. وكان يحث الكسالى ويشوقهم، ويمدح الناشطين، ويمنح المتفوقين في الامتحان جوائز قيمة. وكان يوصي الكل بالاخلاص في العمل والالتزام بتقوى الله تعالى، ولم يُسمَعْ عنه رغم كثرة من كان يعيل به من الطلاب انه رد طالباً او كسر خاطراً او اخجل انساناً، ولذلك كان الكل ينظرون اليه نظرتهم الى الاب الرؤوف.

 (تليها صفحات 30 - 58)

 

اللاحق                  صفحة التحميل                  الصفحة الرئيسية


 

[1] تاج العروس ج 5 ص 306.

[2] تاريخ الطبري ج 2 ص 394. ط القاهرة 1961م.

[3] أمتاع الاسماع ج 1 ص 62 ، القاهرة 1401هـ.

[4] بحار الانوار ج 89 ص 233، ومجمع البيان ج 5 ص 286.

[5] سبيل الهدى والرشاد ج 3 ص 477 – 484، القاهرة 1395هـ .

[6] راجع الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 376، وبداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 159.

[7] الحدائق الناضرة ج 9 ص 348 – 470، ج 10 ص 199.

[8] جواهر الكلام ج 11 ص 131 – 334.

[9] تحرير الوسيلة ج 1 ص 231. ط النجف 1390هـ .

[10] الذريعة ج 5 ص 139.

[11] طبقات اعلام الشيعة ج 1 ص 1158.

[12] اعيان الشيعة ج 8 ص 42.

[13] معجم المؤلفين ج 5 ص 320.

[14] رجال الفكر والادب في النجف ص 475.

[15] طبقات اعلام الشيعة ج 1 ص 1158، اعيان الشيعة ج 8 ص 42، معجم المؤلفين ج 5 ص 320.

[16] طبقات اعلام الشيعة ج 1 ص 1166.

[17] طبقات اعلام الشيعة ج 1 ص 1158.

[18] سورة الرعد: الآية 34.