|
(ص 123 - 140) 7 ـ الشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266 هـ )، وموسوعته الفقهية الجليلة «جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام» وهو شرح استدلالي على شرائع الاسلام للمحقق الحلي. وتتصف تلك الدورة الفقهية بالموسوعية والشمولية والدقة الفائقة في نقل اقوال فقهاء الطائفة وتمحيصها والرد عليها رداً علمياً. فمن ميزات منهجيتها : 1 ـ محاولة المصنّف الاحاطة بجميع الابواب الفقهية المعهودة من الطهارة وحتى الديات. 2 ـ السعة والاحاطة باقوال الفقهاء وادلتهم، مع مناقشتها مناقشة استدلالية معمّقة. 3 ـ الاسلوب الادبي والنسق اللغوي العلمي الذي انتهجه المصنف، انما انتهجه لجميع الموسوعة في اعدادها الـ (43) مجلداً. 4 ـ كثرة التفريعات الفقهية التي حاول المصنّف طرحها، ومحاولته جمع امهات المسائل وفروعها. 5 ـ قال المصنّف انه لم يكتب الموسوعة كي تكون كتاباً يرجع اليه الناس، و«انما كتبته لنفسي حتى اخرج الى العذارات [منطقة ريفية قرب الحلة يسكن فيها اخواله] وهناك اسأل عن المسائل وليس عندي كتب احملها لاني فقير، فعزمت على ان اكتب كتاباً يكون لي مرجعاً عند الحاجة. ولو اردت ان اكتب كتاباً مصنّفاً في الفقه لكنت احب ان يكون على نحو رياض المير السيد علي فيه عنوان الكتابية في التصنيف»[1] . والكتاب ينقل غالباً عن المحكي عن المصادر الفقهية دون ان يتيسر للكاتب الرجوع اليها، وهو دليل على صحة قصد المصنّف. فقد كان كتاب مذاكرة ومراجعة للمسائل الفقهية. وقد اقتطف المصنف بعض عبارات «الرياض»، و«شرح اللمعة» ونحوها من دون الاشارة العلمية الى ذلك. وقد اخذ عليه بعض المتأخرين في ذلك، دون علم بنية المصنف. ولكن كل ذلك لا يقلل من قيمة العمل العلمي الجبار الذي قام به الشيخ النجفي (رضوان الله تعالى عليه). فقد عرض بايجاز وعمق متميز ما وصل اليه الفكر الفقهي الامامي في القرن الثالث عشر الهجري. ونعرض فيما يلي نماذج منتقاة تكشف عن طبيعة النقل والرد والاستدلال في تلك الموسوعة العلمية: أ ـ عندما تعرّض في كتاب التجارة لمسألة جواز الولاية من قبل الجائر اذا كان مكرهاً، عرض آراء الفقهاء ثم ناقش توهم بعضهم بتخيل ان المسألة من باب التعادل والتراجيح فالتزموا الموازنة بين ما يظلم به وما يخشاه من الظلم عليه. واجاب على ذلك التوهم وغيره بالقول : «لا يخفى عليك تنقيح ذلك كله بعد ما عرفت موضوع المسئلة ومدركها، كما انه لا يخفى عليك عدم جواز ظلم الغير بأمر الجائر الذي يُخشى من تخلفه ظلماً على بعض آخر دون نفس المُكرَه وماله وعرضه. ضرورة عدم مشروعية رفع الظلم عن مؤمن بظلم مؤمن آخر. وكون ذلك قد يقتضي التقية في بعض الاحوال، لا يستلزم إقتضائه في الفرض. وكذا لا يخفى عليك ان المراد بالإكراه هنا، أعم من التقية التي هي دين في العبادات، لمعلومية عدم الفرق هنا بين وقوع الاكراه من الموافق في المذهب والمخالف بعد فرض تسلطه على النفس والعرض والمال...»[2] . ب ـ وعندما تعرّض لمسئلة جوائز السلطان الجائر وضرورة ارجاعها الى مالكها الحقيقي مع الامكان، قال في رده على بعض مآخذ المسئلة : «نعم لو كان قد قبضه ـ اي جوائز السلطان الجائر ـ من اول الامر بعنوان الاستنقاذ والارجاع الى مالكه إتجه حينئذ عدم ضمانه بالتلف بغير تفريط. لان يده حينئذ يد أمانة، لا من فروع يد الغاصب المعامل نفسه معاملة المالك. ولأنه حينئذ محسنٌ لا سبيل عليه. وفرق واضح بين هذا القبض وبين القبض بعنوان قبول الهبة، واثبات يد المدفوع اليه بدل يد الدافع. فليست هي حينئذ الا يد الدافع الذي قد فُرض كونه غاصباً، وإن كان المدفوع اليه جاهلاً وعزم على ارجاعها على مالكها بمجرد علمه بالغصب. لكن قد سبقت ذلك يد الضمان، فلا يجديه هذا العزم في رفعه، ولا في تحقيق كونها يد امانة كما هو واضح بادنى تأمل هذا. ولا يخفى عليك حكمها في يد الظالم من الاخذ منه قهراً مع الامكان إن بقيت في يده وعوضها مع التلف ويقاص بها من امواله. من غير فرق في ذلك بين موته وحياته، وبين كونها معلومة المالك ومجهولته، لانها بحكم الديون. لكن في شرح الاستاذ ان ما في يده من المظالم تالفاً لا يلحقه حكم الديون، في التقديم على الوصايا والمواريث لعدم انصراف الدين اليه، وإن كان منه وبقاء عموم الوصية والمواريث على حاله. والسيرة المأخوذة يداً بيد من مبدء الاسلام الى يومنا هذا، فعلى ذلك لو أوصى بها بعد التلف خرجت من الثلث، وما كان منها باقياً يجب رده. ولو امتنعوا منه، حلَّ الحلال وحرِمَ الحرام. وفيه، مع انه لم نجد له موافقاً عليه منعٌ واضح. خصوصاً بعد معلومية المغصوب منه. ودعوى عدم الانصراف ـ كدعوى السيرة المجدية ـ ممنوعتان أشد المنع. وما في كتاب «التحرير» من ان الافضل للمظلوم عدم أخذه ما ظلم به وإن تمكن منه اجنبي عن ذلك، ويمكن ان يكون وجهه مراعاة التقية والله اعلم»[3] . ج ـ وعندما تعرض لمسألة البيع وانطباقها على العقود، قال مناقشاً الآراء الفقهية في ذلك : «والظاهر انه النقل للتبادر الذي لا ينافي اقتضاء الحقيقة إطلاقه على العقد المبني على المسامحة، كما نبّه عليه ثاني الشهيدين في الروضة. والعقود المقابلة للايقاعات في اصطلاحهم ما توقفت على الايجاب والقبول، فلا تأييد فيه للقول بكون البيع نفس العقد. ولأن البيع فعلٌ فلا يكون انتقالاً لانه انفعال ولا عقداً لما تعرفه انشاء الله تعالى، ولانه لفظ من مقولة الكيف، والمقولات العشرة متباينة، فلا يصدق بعضها على بعض. وحمل العقد على المعنى المصدري ليكون فعلاً بعيد جداً فان المفهوم منه اصطلاحاً هو المعنى الاسمي لا المصدري. ولأن الانتقال أثر البيع وغايته المترتبة عليه، والعقد سببه المؤدي، والسبب غير المسبب، فيمتنع تعريف احدهما بالآخر، بالقول عليه وإن جاز أخذه قيداً للمقول. ولان النقل هو الموافق لتصاريف البيع، وما يشتق من الافعال والصفات بخلاف غيره، اذ لا يراد ببعتُ مثلاً معنى الانتقال كما هو ظاهر ولا العقد، والا لكان إيجاباً وقبولاً معاً، وهو معلوم البطلان. وكذا البائع فانه ليس بمعنى المنتقل ولا بمعنى الموجب والمقابل، والمطرد في الجميع هو النقل. فيكون البيع موضوعاً له اجراء له على الاصل من لزوم التوافق مع الامكان. فلا يقدح تخلفه في النكاح، لثبوت وضعه للعقد، وامتناع الموافقة في أنكحت ونحوه، فوجب صرفه الى معنى آخر، كتمليك الانتفاع، والتسليط على الوطىء وغيرهما مما يناسب العقد، بخلاف المقام الذي لم يثبت وضعه فيه للعقد»[4] . وهذا المستوى من النقاش العلمي في طول المواضيع الفقهية التي آمنت بها الامامية، وضع الفقه الاستدلالى الشيعي على قمة الفكر الديني في العالم. 8 ـ الشيخ مرتضى الانصاري (ت 1281 هـ ) من نوابغ الفقهاء وعرف بخاتم الفقهاء والمجتهدين. عيّنه صاحب الجواهر للمرجعية العامة بعده. وكتابه الفقهي هو «المكاسب». ويتضمن كتاب «المكاسب» بين دفتيه على علم جم، واستدلال دقيق، وإثارة لقوة الاجتهاد، وتعليم لمناهج الاستنباط. وتظهر قوة المصنّف العلمية في مناقشته الاستدلالية للمكاسب المحرمة، والولاية واقسامها، والبيع، والمعاطاة، وبيع الفضولي واشكالات الشيخ اسد الله التستري الواردة على بيع الفضولي واجابات الشيخ الانصاري عليها، والخيارات واقسامها، وجوائز السلطان، والخراج ونحوها. ونستعرض نماذج منتقاة من اسلوبه الاستدلالي في كتاب «المكاسب»: اولاً: في البيع: يبدأ الشيخ الانصاري بالتعريف اللغوي للبيع فيقول: انه مبادلة مال بمال، ويستشهد بكلام صاحب «المصباح المنير»، ويستظهر إختصاص المعوض بالعين ويؤيده باستقرار اصطلاح الفقهاء. ثم يستدرك ذلك بالقول: نعم ربما يستعمل في كلمات بعضهم في نقل غيرها. ثم يستظهر الاستدراك المذكور من خلال نقل عدد من الاخبار. ولاشك في كون العوض منفعة، كما في «القواعد» و«التذكرة» و«جامع المقاصد»، فيقول: ولا يبعد عدم الخلاف فيه. نعم نسب الى بعض الخلاف فيه. ثم يذكر وجهاً لهذا الاستدراك بالقول : ولعله لما اشتهر في كلامهم من ان البيع نقل الاعيان. والظاهر ارادتهم بيان البيع نظير قولهم: ان الإجارة لنقل المنافع. ثم يدخل في عمل الحر، ثم يذكر الحقوق الاخرى فيقسمها على قسمين ثم يقول: ولا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه. ثم يفرق بين الحق والملك. ثم يستظهر عدم وجود حقيقة شرعية ولا متشرعية في البيع. ثم يذكر اختلاف الفقهاء في تعريف البيع فينقل عن «المبسوط» و«التذكرة» ما عرف البيع به. ثم يقول: في هذا التعريف مسامحة، ثم يؤيد هذه المسامحة بالقول: وحيث ان في هذا التعريف مسامحة واضحة، عدل آخرون الى تعريفه : بالايجاب والقبول الدالين على الإنتقال. بعد ذلك يستشكل على هذا التعريف ويقول: ان البيع لما كان من مقولة المعنى دون اللفظ المجرد او بشرط قصد المعنى، عدل «جامع المقاصد» عن تعريفه وقال: ان البيع هو نقل العين بالصيغة المخصوصة. ثم يورد على تعريف «جامع المقاصد»: بان النقل بالصيغة ايضاً لا يعقل انشاؤه بالصيغة. هذا بالاضافة الى ان النقل ليس مرادفاً للبيع، ولذا صرح في «التذكرة» بان ايجاب البيع لا يقع بلفظ «نقلتُ» وجعل النقل من الكنايات. ولا يندفع الاشكال الوارد على تعريف صاحب «جامع المقاصد» بان المراد من البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة، لأنه إن اريد بالصيغة خصوص «بعتُ» لزم الدور. وإن اريد بها ما يشمل «ملكتُ» وجب الاقتصار على مجرد التمليك والنقل. والاولى في تعريف البيع ان يقال: ان البيع إنشاء تمليك عين بمال. ولا يرد على هذا التعريف شيء من الايرادات الواردة على التعريف السابق. ثم يقول: نعم يبقى على هذا التعريف امور منها ومنها ومنها... مع ذكر الجواب على كل واحد من هذه الامور. بعد ذلك يعرض حقيقة المصالحة في الجواب عن الاشكال الخامس الوارد على تعريفه البيع، بأنه انشاء تمليك عين بمال. ثم يذكر الفرق بين المصالحة والتمليك: بان طلب المصالحة من الخصم لا يكون اقراراً له، بخلاف طلب التمليك من الخصم فانه اقرار له. واخيراً يعرض ما افاده الشيخ كاشف الغطاء في موارد استعمالات البيع بالمعنى الذي آمن به الشيخ الانصاري فانهاها الى ثلاثة. ثم يأخذ في الاشكال على تلك الموارد المستعمل فيها لفظ البيع واحداً بعد الآخر. ثانياً: في مورد «الغيبة» المسألة الرابعة عشر يقول: انها حرام بالادلة الاربعة فيذكرها. ثم يشرح الغيبة إعلالاً، فيقول: انه اسم مصدر لإغتاب، والمصدر: الاغتياب، وبالفتح مصدر غاب. ثم يذكر ما ورد عن اهل اللغة في تعريف الغيبة، وما افاده الفقهاء في تحديدها وتعريفها. ويقارن بين التعريفين فيذكر الاخبار الواردة في تعريفها. ثم يتناول موضوع النـزاع بين الفقهاء حول الغيبة: فهل هي الغيبة المجردة عن قصد الانتقاص، ام لابد في حرمتها من قصد الانتقاص ؟ وهل ان المراد من العيب : العيب الجلي، ام العيب الخفي ؟ وهل ان المحرم كليهما، ام الخفي منهما ؟ وهل ان المراد من الذكر في تعريف الغيبة هو الذكر باللسان كما هو المنصرف منه، او مطلق الذكر ؟ وبعد ان يشرح تلك الموارد يستقر رأيه على ان المراد مطلق الذكر فيؤيد مختاره بالاخبار والادلة. ثم يأخذ في كفارة الغيبة الماحية لأثرها وهو العقاب الآخروي فيسهب في الكلام فيها. ويذكر موارد جواز الغيبة واستثنائها. ثالثاً: في اوائل باب الخيارات عند ذكر العمومات الدالة على ان الاصل هو اللزوم، قال : منها قوله تعالى : (...اوفوا بالعقود)[5] ، ثم قال : دلّ على وجوب الوفاء بكل عقد. والمراد بالعقد مطلق العهد ـ كما فسر به في صحيحة ابن سنان المروية في تفسير علي بن ابراهيم ـ او ما يسمى عقداً لغةً وعرفاً. والمراد بوجوب الوفاء: العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب الدلالة اللفظية نظير الوفاء بالنذر. فاذا دلّ العقد ـ مثلاً ـ على تمليك العاقد ماله من غيره، وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار ملكية ذلك الغير له. فأخذه من يده بغير رضاه، والتصرف فيه كذلك نقض لمقتضى ذلك العهد، فهو حرام. فاذا حرم بإطلاق الآية جميع ما يكون نقضاً لمضمون العقد ـ ومنها التصرفات الواقعة بعد فسخ المتصرف من دون رضى صاحبه ـ كان هذا ملازماً مساوياً للزوم العقد[6] . وتلك النماذج اظهرت لنا قوة استدلال الشيخ الانصاري وسعة تفريعات مسائله وشمولية المواضيع التي بحثها لجميع الحجج الشرعية والعقلية. 14 ـ مدرسة القرن الرابع عشر الهجري وتميزت هذه المدرسة بنضوجها الفقهي وثراء استدلالها العقلي والشرعي، ومن فقهائها: 1 ـ الشيخ رضا الهمداني (ت 1326 هـ ) وله كتاب «مصباح الفقيه في شرح شرائع الاسلام»، خرج منه كتاب الصلاة، الطهارة، الخمس، الزكاة. 2 ـ المحقق الخراساني المعروف بالآخوند (ت 1329 هـ ) وله رسالة في الفقه «اللمعات النيرة»، و«القطرات والشذرات»، وتعليقة على «المكاسب» للشيخ الانصاري. ولاشك ان نشاطه الاصولي كان قد طغى على نشاطه الفقهي. فليس له في الفقه اثر يقابل كتاب «كفاية الاصول». 3 ـ السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1337 هـ ). تصدى للانكليز اثناء هجومهم على العراق واستشهد ولده السيد محمد الطباطبائي في ذلك. له كتاب «العروة الوثقى». وهو موسوعة فقهية دقيقة تشتمل على العبادات والمعاملات. وفروع عباداتها اكثر من فروع معاملاتها. 4 ـ الشيخ عبد الكريم الحائري (ت 1355 هـ ) مؤسس الحوزة العلمية في قم المشرفة. له كتاب «الصلاة» في الفقه مطبوع، ورسائل في «صلاة الجمعة»، و«المواريث»، و«النكاح»، و«الرضاع»، وحاشية فتوائية على العروة الوثقى. 5 ـ الميرزا حسين النائيني (ت 1355 هـ )، له في الفقه «رسالة لا ضرر» و«وسيلة النجاة». وكان من الفقهاء الكبار الذين وقفوا الى جانب الدولة العثمانية في حربها ضد الانكليز. ألف كتاب «تنبيه الامة وتنـزيه الملّة» في الدفاع عن الحكومة الاسلامية ورفض الاستبداد. لم يعرف له اثر مكتوب بقلمه سوى كتاب «تنبيه الامة وتنـزيه الملّة»، وما عداه تقريرات باقلام تلامذته منها : «فوائد الاصول» للشيخ محمد علي الكاظمي، و«اجود التقريرات» للسيد الخوئي وهما في الاصول؛ و«منية الطالب في شرح المكاسب» للشيخ موسى النجفي وهو في الفقه. اما رسالته العملية «وسيلة النجاة»[7] فتكشف عن عمق افكاره الفقهية وقابليته على ضغط العبارات. ونعرض هنا نموذحاً لما ورد فيها : «في الاحتياط. وفيه مسائل (الاولى) : حقيقة الاحتياط في كل مسئلة هي الاخذ بالاوثق والمتيقن في تلك المسئلة. فإن كان متيقناً بالنسبة الى جميع محتملاتها ولم يعارضه احتياط آخر من جهة اخرى كان حقيقياً حينئذ وموجباً للقطع باصابة الواقع. ولو كان متيقناً بالنسبة الى بعضها كاقوال اهل العصر مثلاً، او العدة المعلومة اعلمية احدهم، او كان معارضاً باحتياط آخر ولكنه كان اولى بالرعاية منه كالتطهر بالمستعمل في رفع الحدث الاكبر عند الانحصار ونحو ذلك كان حينئذ اضافياً يوجب القطع بالخروج عن عهدة التكليف دون اصابة الواقع...»[8] . 6 ـ محمد حسين الاصفهاني (ت 1361 هـ ) وله رسائل فقهية ثلاث هي «صلاة الجماعة، وصلاة المسافر، والاجارة» طبعت تحت عنوان «بحوث في الفقه». وتلحظ في بحوث الشيخ الاصفهاني اللمسات الفلسفية في التعبير والتحليل. ففي كتاب الإجارة ـ «في جواز إجارة المستأجر المشترط عليه الاستيفاء بنفسه» نلحظ النص التالي. فهو بعد ان يذكر بان كل تصرف مناف للحق باطل، يبين بان الحق اما يتعلق بالعين كحق الشفعة وحق الرهانة واما يتعلق بغير العين بل بفعل وترك كحق ترك الفسخ وحق ترك الاجارة من الغير، ثم يقول: «واما الحق المتعلق بفعل او ترك فهو على قسمين، احدهما: ما يكون نسبة التصرف المعاملي الى مورد الحق نسبة الشيء الى نقيضه. كالإجارة بالاضافة الى تركها المشروط على المستأجر، وكالفسخ بالاضافة الى تركه المشروط على المشتري مثلاً. وثانيهما : ما يكون نسبة التصرف المعاملي الى مورد الحق نسبة الضد الى ضده، كالبيع بالنسبة الى العتق المشروط على المشتري. فإن كان من قبيل الاول فلا يعقل ان يكون الحق مانعاً عن نفوذ التصرف المعاملي، وذلك لان متعلق الالتزام إما ترك إنشاء الإجارة فقط او ترك الإجارة بالحمل الشايع. فان كان الاول فلا محالة تتحقق المخالفة للشرط بمجرد الانشاء فيسقط الحق فلا مانع من تأثير الانشاء، وتستحيل مانعية الحق عن وجود الإنشاء الذي التزم بتركه. وإن كان الثاني فمن المسلّم في محله والمحقق عند اهله ان القدرة على متعلق الشرط شرط صحته، فلابد من ان يكون ترك الاجارة بالحمل الشايع مقدوراً عليه في ظرف العمل بالالتزام واداء الحق. واذا كان الترك مقدوراً عليه كان الفعل مقدوراً عليه لاستواء نسبة القدرة اليهما...»[9] . والصبغة الفلسفية في التحليل واضحة، كذكر النقيض والضدية والحمل الشايع والشرط والانشاء والمانعية ونحوها، ولا تحتاج الى عرض اضافي. 7 ـ السيد ابو الحسن الاصفهاني (ت 1365 هـ ) عُرف بحسن ادارة الحوزة العلمية بعد استاذه الآخوند الخراساني، له رسالة عملية في الفقه. 8 ـ الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (ت 1373 هـ ) وكتابه الموسوم بـ «تحرير المجلة» حيث اضاف رأي الفقه الامامي الى «مجلة الاحكام العدلية». وتلك المجلة كانت مجموعة من فتاوى فقهية في الاحوال الشخصية على المذهب الحنفي صدرت عام 1869م عن حكومة الدولة العثمانية. وكانت موادها القانونية ملزمة في تركيا وغيرها من بلدان الدولة العثمانية عدا مصر. 9 ـ السيد حسين البروجردي (ت 1380 هـ )، اشرف على تأليف «جامع احاديث الشيعة»، الذي اراد له ان يكون محوراً للبحث الفقهي بدلاً عن «وسائل الشيعة»، وذلك لانه كان يؤمن بان في «وسائل الشيعة» من خصائص سلبية كالتكرار والتقطيع والفضول مما لا تنسجم مع متطلبات البحث الفقهي. 10 ـ السيد محسن الحكيم (ت 1390 هـ )، وكتابه الفقهي «مستمسك العروة الوثقى» في اربعة عشر مجلداً. وهو شرح استدلالي لكتاب «العروة الوثقى» للسيد كاظم اليزدي (ت 1337 هـ ). ويتميز «المستمسك» بدقة علمية من خلال الاعتماد على اصول المذهب والروايات الصحيحة سنداً والمتينة متناً. خذ على سبيل المثال تعليقه على مسألة صلاة الصبي قبل البلوغ ثم بلغ في اثناء الوقت فالاقوى كفايتها : «لما عرفتَ من ان عموم حديث (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم)[10] بمناسبة وروده في مقام الامتنان، انما يرفع التكليف والالزام. لانه الذي في رفعه الامتنان لا غير. فيكون فعل الصبي كفعل البالغ من جميع الجهات الا من حيث الالزام. فانه غير ملزم به وإن كان واجداً لملاك الالزام كفعل البالغ. فاذا جاء به الصبي في حال صباه فقد حصل الغرض وسقط الامر، فلا مجال للامتثال ثانياً. وكذا الحال فيما لو بلغ في اثناء الصلاة»[11] . والمحصل، ان مدرسة القرن الرابع عشر الهجري اضافت للفقه الشيعي الامامي الكثير من الافكار الخاصة بالتكليف الشرعي في زماننا. وكان عمقها العقلي والفلسفي متميزاً ورائداً في حقله. 15 ـ مدرسة القرن الخامس عشر الهجري هذه المدرسة معاصرة. وفيها من عمق الاستدلال والبحث عن الحجية ما لا يخفى. ونأمل ان نعرض آراء روادها في كتاب آخر باذنه تعالى، ومن فقهائها: 1 ـ السيد الشهيد محمد باقر الصدر (ت 1400 هـ)، له «شرح على العروة الوثقى»، و«الفتاوى الواضحة». 2 ـ السيد الموسوي الخميني (ت 1409هـ). 3 ـ السيد ابو القاسم الخوئي (ت 1413هـ). 4 ـ السيد محمد رضا الكلبايكاني (ت 1414هـ). 5 ـ الشيخ محمد علي الاراكي (ت 1415هـ). وفقهاء آخرون اثروا المكتبة الفقهية الشيعية بآثارهم العلمية المتميزة، تغمدهم الله تعالى برحمته، وحفظ الاحياء منهم بتسديده وعنايته. والحمد لله رب العالمين. (نهاية ص 140)
السابق
صفحة التحميل
الصفحة الرئيسية [1] جواهر الكلام – مقدمة الشيخ المظفر (قدس سره) ص 16. [2] جواهر الكلام ج 22 ص 169. [3] جواهر الكلام ج 22 ص 179. [4] جواهر الكلام ج 22 ص 206. [5] سورة المائدة: الآية 1. [6] المكاسب – القسم الثالث ص 215. [7] وسيلة النجاة – المبرزا النائيني. النجف الاشرف: المطبعة العلوية ، 1342هـ. [8] المصدر السابق. [9] بحوث في الفقه – كتاب الاجارة ص 117. طبعة جامعة المدرسين. [10] الوسائل – باب 4 من ابواب مقدمة العبادات ج 11. [11] مستمسك العروة الوثقى – ج 5 ص 171.
|