|
(ص 95 -111) منهجية القرن الخامس تميزت منهجية القرن الخامس الهجري بانفتاح باب الاجتهاد المطلق، وتنظيم مناهج الاستنباط عبر بناء اصول الفقه، وتفريع المسائل تفريعاً دقيقاً، وبناء صرح البحوث المقارنة او الخلافية بين الامامية والمذاهب الاربعة. وبذلك تميزت الصناعة الفنية الاجتهادية، وانخرط في هذا السلك رجال كان همهم الرئيسي : الاجتهاد من اجل تشخيص عمل المكلّف على الصعيد الشرعي. وقد انفصلت في هذا القرن البحوث الاصولية عن البحوث الفقهية. نتحسّسُ ذلك بوضوح في كتب السيد المرتضى (ت 436 هـ ) الاصولية وكتب الشيخ الطوسي (ت 460 هـ ) الفقهية. فقد قام السيد المرتضى في «الذريعة» بدراسة المسائل الاصولية بشكل مستقل وبطريقة موضوعية شملت مباحث الالفاظ من الاوامر والنواهي، ودلالات هيئات الالفاظ وموادها. ونستطيع، بالاجمال، استعراض ملامح تلك المدرسة ضمن النقاط التالية: اولاً: الاستدلال على الحكم الشرعي ضمن قواعد محددة وضوابط معينة في معالجة النصوص. فقد كان من واجبات الفقيه سابقاً فهم النصوص الشرعية الصحيحة او الاقتصار على استعراض نصوص الكتاب المجيد والصحيح من السنّة الشريفة. ولكن الامر تبدل الآن من حيث فهم السند والمتن والدلالة. فاصبحت القاعدة فهم المدلول اللفظي للرواية اولاً، ثم تمحيص الحديث من حيث السند والدلالة الاصولية ثانياً. ثانياً: تفريع المسائل الفقهية بشكل لم يسبق له مثيل. فقد استحدثت فروع جديدة لم تتعرض لها نصوص الروايات. وكان الشيخ الطوسي (قدس سره) رائداً في ذلك. فقد ذكر في كتابه «المبسوط في فقه الامامية» ان الذي دعاه الى تصنيف ذلك الكتاب هو ان الامامية لم يكونوا يفرّعون الفروع الى زمانه. بل كانوا يقفون عند النصوص الشرعية التي وصلت اليهم عن المتقدمين من المحدثين؛ وكان ذلك طعناً على الطائفة. فقام هو (قدس سره) بتصحيح ذلك الخلل المبنائي. ثالثاً: تأسيس مبادئ الفقه المقارَن عبر مصنّفات عمالقة القرن الخامس، وهي : «الاعلام فيما اتفقت الامامية عليه من الاحكام مما اتفقت العامة على خلافهم فيه» للشيخ المفيد (ت 413 هـ )، و«الانتصار» او «انفرادات الامامية» في بيان الفروع التي شنّع على الشيعة بانهم خالفوا فيها الاجماع للسيد المرتضى (ت 436 هـ )، و«الخلاف» للشيخ الطوسي (ت 460 هـ ) حيث تناول فيه المسائل الفقهية بين الشيعة الامامية والمذاهب الاربعة في مختلف ابواب الفقه. رابعاً: بروز ظاهرة الايمان بـ «حجية الاجماع» بشكل ملحوظ في معرض الاستدلال عند الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي. فعند عدم وجود نص شرعي في المورد، او عدم الاقتناع بسلامة النص من حيث السند او الدلالة ركن فقهاء ذلك العصر الى الاجماع. وفلسفة الاجماع تفصح عن ان الفقهاء ـ في مذهب ما ـ لا يجمعون على حكم من دون وجود نص مؤيد او دلالة تدل على سلامة ذلك الحكم الشرعي. فمن غير الممكن ان يخطأ فقهاء الامة جميعاً دون ان ينشق عليهم احدٌ ويصيب الواقع. والتمسك بالاجماع املاه توسع البحث الفقهي وتكامله، وتفتيش الفقهاء عن ادلة جديدة يسندها الكتاب المجيد والسنّة الشريفة والعقل. 6 ـ مدرسة القرن السادس الهجري تميزت هذه المدرسة بدقة مباحثها، ونضوج اساليبها الاستدلالية، ومن ابرز علمائها: ابن زهرة، وابن حمزة الطوسي، وابن ادريس الحلي، وابي المجد الحلبي. 1 ـ السيد ابو المكارم ابن زهرة (ت 585 هـ ) حلبي المنشأ. ذكرت بعض المصادر التأريخية انه درس عند الشيخ الطوسي. وهو غير صحيح، لأن ولادته كانت سنة 511 للهجرة، ووفاة الشيخ الطوسي كانت سنة 460 هـ. والاقرب انه درس عند الشيخ ابن حمزة الطوسي من فقهاء القرن السادس الهجري. ولابن زهرة كتاب فقهي هو: «غنية النـزوع الى علمي الاصول والفروع». وهو كتاب كبير يضم اقساماً ثلاثة : اصول الدين، واصول الفقه، والفقه. ويحوي القسم الفقهي على دورة فقهية كاملة بعبارة موجزة، سلك فيه المؤلف طريقة جديدة حيث حاول اثبات رأيه في المسألة المبحوثة، بالآيات القرآنية وبما روي من طرق اهل السنّة عن رسول الله (ص). ثم اورد ما تواتر عن اهل بيت العصمة والنبوة (ع). وغالباً ما يتمسك المصنف بالاجماع، او بما ورد في كتب التفسير واللغة لاثبات حجته. 2 ـ ابن حمزة الطوسي: عماد الدين (من فقهاء القرن السادس الهجري) وكتابه الفقهي «الوسيلة الى نيل الفضيلة». وله كتب اخرى مثل: الواسطة، والرائع في الشرائع، والثاقب في المناقب، وقضاء الصلاة، ومسائل في الفقه. 3 ـ محمد بن منصور العجلي: المشهور بابن ادريس الحلي (ت 598 هـ ) وهو من احفاد الشيخ الطوسي من جهة امه، وهو اول من ناقش آراء شيخ الطائفة وفند بعضها. وكتابه الفقهي «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي»، وهو من الكتب الفقهية الفتوائية الاستدلالية، طبع على الحجر في ايران سنة 1247 هـ ، وثانية سنة 1270هـ . نعرض نموذجاً، وهو بحثه في النكاح المؤجل، فقال: (النكاح المؤجل مباح في شريعة الإسلام مأذون فيه، مشروع بالكتاب والسنة المتواترة باجماع المسلمين، إلا إن بعضهم ادعى نسخه، فيحتاج في دعواه إلى تصحيحها؛ ودون ذلك خرط القتاد. وأيضاً فقد ثبت بالأدلة الصحيحة أن كل منفعة لا ضرار فيها في عاجل ولا في آجل مباحة بضرورة العقل. وهذه صفة نكاح المتعة فيجب اباحته بأصل العقل، فان قيل: من أين لكم نفي المضرة عن هذا النكاح في الاجل والخلاف في ذلك؟ قلنا: من ادعى ضرراً في الأجل فعليه الدليل. وأيضاً فقد قلنا أنه لا خلاف في إباحتها من حيث أنه قد ثبت باجماع المسلمين، أنه لا خلاف في اباحة هذا النكاح في عهد النبي عليه السلام بغير شبهة، ثم ادعى تحريمها من بعد ونسخها ولم يثبت النسخ. وقد ثبتت الإباحة بالإجماع، فعلى من أدعى الحظر والنسخ، الدلالة. فان ذكروا الأخبار التي رووها في أن النبي عليه السلام حرمها ونهى عنها، فالجواب عن ذلك ان جميع ما يروونه من هذه الأخبار - إذا سلمت من الضعف والمطاعن- أخبار أحاد. وقد بينت أنها لا توجب علماً ولا عملاً في الشريعة، ولا يرجع بمثلها عما علم وقطع عليه. أيضاً قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: (واحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) ولفظة استمتعتم لا تعدو وجهين: إما أن يراد بها الإنتفاع والالتذاذ الذي هو أصل موضوع اللفظة، أو العقد المؤجل المخصوص الذي اقتضاه عرف الشرع. ولا يجوز أن يكون المراد هو الوجه الأول. لأمرين: أحدهما: أنه لا خلاف بين محصلي من تكلم في أصول الفقه في أن لفظ القرآن إذا ورد وهو محتمل لأمرين أحدهما وضع اللغة والآخر عرف الشريعة، فانه يجب حمله على عرف الشريعة. ولهذا حملوا كلهم لفظ صلاة وزكاة وصيام وحج على العرف الشرعي دون الوضع اللغوي. وأيضاً فقد سبق أن القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة والتابعين كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وابن عباس ومناظراته لابن الزبير معروفة رواها للناس كلهم، ونظم الشعراء فيها الأشعار فقال بعضهم: أقـول للشيخ لمـا طـال مجلسه * يا شيخ هل لك في فتوى ابن عباس
4 ـ علاء الدين ابو الحسن علي بن الحسن بن ابي المجد الحلبي (من اعلام القرن السادس الهجري) وكتابه «اشارة السبق الى معرفة الحق» وهو كتاب في اصول الدين وفروعه الى الامر بالمعروف، فقد جمع في هذا الكتاب العقائد والاحكام. وقد طبع الكتاب ضمن «الجوامع الفقهية» طبعة حجرية سنة 1276 للهجرة. ثم طبع لاحقاً بشكل منفصل. ويضم الكتاب مجموعة من المعارف المبسوطة في اصول الدين، ومجموعة من الاحكام الشرعية المختصرة في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويشعر المرء بعد التدقيق بالكتاب ان مؤلفه قصد تصميمه على هذا الشكل اي الانتهاء لحد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. 7 ـ مدرسة القرن السابع الهجري وأهم فقهائها: المحقق الحلي صاحب كتاب الشرائع. 1 ـ المحقق الحلي: ابو القاسم جعفر بن حسن بن بحر بن سعيد (ت 676 هـ ). وكتابه الفقهي «شرائع الاسلام» في مجلدين، وكتاب «النافع»، و«المعتبر في شرح المختصر»، و«نكت النهاية». وكتاب «شرائع الاسلام» نظّم الابواب الفقهية تنظيماً جديداً، واخذ به فقهاء الامامية حتى اليوم. فقد قُسّمت الابواب الفقهية الى اربعة اقسام. الاول : العبادات. الثاني : العقود. الثالث : الايقاعات. الرابع : الاحكام. ويبرر المصنف هذا النمط من التقسيم، بالصورة التالية: ان الحكم الشرعي اما ان يتقوّم بقصد القربة او لا. والاول: العبادات. والثاني: اما ان يحتاج الى اللفظ من الجانبين: الموجب والقابل، او من جانب واحد، او لا يحتاج الى اللفظ. فالاول: العقود. والثاني: الايقاعات. والثالث: الاحكام. وهذا التقسيم يجمع كل ابواب الفقه. 2 ـ الشيخ ابن ميثم البحراني (ت 679 هـ)، وله كتاب (مصباح السالكين). 3- الشيخ يحيى بن سعيد الحلي (ت 690 هـ) وله كتاب (الجامع للشرائع). 8 ـ مدرسة القرن الثامن الهجري وتميز هذا القرن بالتنظيم العلمي للافكار الفقهية على شكل قواعد وابواب، ومن ابرز الفقهاء في هذه المرحلة: العلامة الحلي، وفخر المحققين، والشهيد الاول. 1 ـ العلامة الحلي: الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر (ت 726 هـ ). وكتبه في الفقه: «تذكرة الفقهاء»، و«القواعد»، و«منتهى المطلب في تحقيق المذهب»، و«المختلف». وكتاب «تذكرة الفقهاء» من اضخم كتب الامامية في الفقه الاستدلالي المقارَن، يبدأ من الطهارة وحتى كتاب النكاح. يقول في المقدمة : «قد عزمنا في هذا الكتاب الموسوم بتذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء، وذكر قواعد الفقهاء على أحق الطرائق، واوثقها برهاناً، واصدق الاقاويل واوضحها... واشرنا في كل مسألة الى الخلاف، واعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الانصاف»[2] . ورتب الكتاب على اربع قواعد، ذكر في الاولى قضايا العبادات. ووضع تحتها عناوين الطهارة، والصلاة، والزكاة، والخمس، والصوم، والحج والعمرة. ثم ذكر بقية القواعد في العقود، والايقاعات، والاحكام. اما كتاب «المختلف» فقد بحث فيه المسائل الخلافية بين فقهاء الشيعة بصورة مستقلة. فقد كثر الاختلاف العلمي بين فقهاء الامامية نتيجة ابتعادهم عن عصر النصوص، وتفاوتهم في الايمان بسلامة بعض الروايات من حيث السند والدلالة. فكان لابد للفقيه من الالمام بمختلف وجوه الرأي في المسألة الواحدة من اجل استنباط حكمها الشرعي. فكان كتاب «المختلف» من المحاولات الرائدة في جمع المسائل المختلف فيها بين علماء الامامية. 2 ـ فخر المحققين: محمد بن الحسن الحلي (ت 771 هـ ) ابن العلامة الحلي (ت 726 هـ ). وكتابه الفقهي «ايضاح الفوائد في شرح اشكالات القواعد». 3 ـ الشهيد الاول: محمد بن مكي العاملي (ت 786 هـ ) وكتبه الفقهية : «اللمعة الدمشقية»، و«الدروس الشرعية في فقه الامامية»، و«الذكرى»، و«البيان». و«اللمعة الدمشقية» رسالة فقهية ملخّصة، جمع فيها المصنّف ابواب الفقه ولخّص فيها مسائله واحكامه. وقد جمعت «اللمعة» بين الوجازة والاختصار، وحسن التعبير، وروعة التنسيق بين الابواب والاحكام والمسائل. وتتميز «اللمعة الدمشقية» بميزتين : الاولى : التنظيم الفني للمسائل الفقهية. الثانية : الصياغة الرائعة للتعبيرات الفقهية. وقد اتبع الشهيد الاول في منهج «اللمعة الدمشقية» اسلوب المحقق الحلي في تنظيم الابواب الفقهية الذي استخدمه في «المختصر النافع». وكان منهج المصنّف مرتباً بصورة موضوعية. فهو يعرض الاحكام العامة في الباب الفقهي، ثم يعرض ما يتبعه من ملحقات، ثم يتبعها بعرض المسائل المرتبطة بتلك الاحكام، ثم يعرض المستحبات والمكروهات الخاصة بالباب. ولكتاب «اللمعة الدمشقية» شروح عديدة، اهمها: «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» للشهيد الثاني، ومنها: شرح العالمة الاصفهانية ابنة المولى الاصفهاني المعاصرة لصاحب الرياض، ومنها : شرح والد صاحب «الحدائق»[3] . اما كتاب «الدروس الشرعية في فقه الامامية» فهو كتاب فقهي من الطهارة وحتى الرهون، لم يكمله المصنّف في حياته. واهم الشروح عليه: «مشارق الشموس في شرح الدروس». وكتاب «الدروس» من الكتب الفقهية الشاملة لكثير من الفروع التي يحتاجها المكلّف زمن المصنّف. ويعدُّ كتاباً مختصراً لكتابه الاستدلالي المفصلّ «ذكرى الشيعة». وقد حال استشهاده بينه وبين اتمامه. فقام السيد جعفر بن احمد الملحوس الحسيني الحلي بتكملته، فكتب «تكملة الدروس» وهو من الضمان الى الديات. وقد حوى الجزء الاول من «الدروس» على (126) درساً في الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخمس والحج. وقد طغى على الكتاب الطابع الفتوائي الذي ينعكس في عبارات الفقهاء مثل: الاقوى، والاجود، والاظهر، والاشبه، والاقرب ونحوها. فيقول مثلاً: في التيمم: «لا يعيد المتيمم لزحام عرفة او الجمعة او مع نجاسة ثوبه على الاقوى»[4] . وفي تغسيل احد الزوجين للآخر: «والاظهر انه من وراء الثياب»[5] . وفي صلاة الميت : «الاجود ترك ما لا يترك في ذات الركوع والإبطال بما يبطل به خلا ما يتعلق بالحدث والخبث»[6]. اما كتاب «ذكرى الشيعة في احكام الشريعة» فقد خرج منه الطهارة والصلاة فقط[7] . بينما ضمَّ كتاب «القواعد والفوائد» ما يقرب من (300) قاعدة فقهية وفوائد وتنبيهات[8] . 9 ـ مدرسة القرن التاسع الهجري ومن ابرز فقهائها: المقداد السيوري، وابن فهد الحلي. 1 ـ الفاضل المقداد بن عبد الله السيوري (ت 826 هـ ). وكتابه الفقهي: «نضد القواعد الفقهية على مذهب الامامية». وله كتب اخرى مثل: «كنـز العرفان في فقه القرآن»، و«التنقيح الرائع في شرح المختصر النافع». وكتاب «نضد القواعد الفقهية» يشتمل على ترتيب كتاب «القواعد والفوائد» للشهيد الاول محمد بن مكي العاملي (ت 786 هـ ). فهو يرتب ابواب الفقه والاصول ضمن ضوابط اصولية كلية وفرعية تستنبط منها الاحكام الشرعية. يقول في سبب التأليف: «...كان شيخنا الشهيد الاول (قدس سره) قد جمع كتاباً يشتمل على قواعد وفوائد في الفقه تأنيساً للطلبة بكيفية استخراج المعقول من المنقول وتدريباً لهم في اقتناص الفروع من الاصول، لكنه غير مرتب ترتيباً يحصله كل طالب وينتهز فرصة كل راغب، فصرفتُ عنان العزم الى ترتيبه وتهذيبه وتقريبه...»[9] . ويحتوي الكتاب على مقدمة حول اغراض الاحكام الشرعية ومطلبين «اسماها قطبين» الاول : في القواعد العامة وما يتفرع عليها، وهي ضوابط اصولية كلية. والثاني : في العبادات وغيرها من ابواب الفقه، وهي مصاديق جزئية في المسائل الفقهية. 2 ـ ابن فهد الحلي جمال السالكين ابو العباس احمد (ت 841 هـ ). وكتابه الفقهي «المهذب البارع في شرح المختصر النافع». 10 ـ مدرسة القرن العاشر الهجري ومن ابرز فقهاء هذه المدرسة: المحقق الكركي، والشهيد الثاني، والمقدس الاردبيلي. 1 ـ المحقق الكركي: الشيخ علي بن عبد العالي المعروف بالمحقق الثاني (ت 945 هـ )، وكتابه الفقهي «جامع المقاصد في شرح القواعد». وهو كتاب فقهي استدلالي مبسوط، يشرح فيه كتاب «قواعد الاحكام» للعلامة الحلي (ت 726 هـ ). ويتعرض المصنف فيه الى شرح كلام العلامة «قدس سره» في القواعد مستعرضاً آراء الفقهاء في مختلف المسائل ويناقشها مناقشة استدلالية. ويحتوي الكتاب على كتب فرعية هي: الطهارة، والصلاة... حتى كتاب النكاح ولكن لم يكمله. فقام المحقق الهندي (ت 1137 هـ ) باتمامه في كتاب «كشف اللثام». 2 ـ الشهيد الثاني: زين الدين الجبعي العاملي (ت 965 هـ )، له كتب: «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية»، و«مسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام»، و«روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان»، و«تمهيد القواعد الاصولية والعربية»، والعديد من الحواشي والشروح. الروضة البهية : و«الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» هي شرح مزجي استدلالي مختصر كتاب (اللمعة الدمشقية)، وتتميز بالاختصار والشمول والاستيعاب. ومنهجية الكتاب تسير على طريق استخدام قوة التعبير، والاشارة الى الدليل، وعرض الآراء الفقهية المهمة؛ ثم نقد آراء الشهيد الاول ـ مصنّف المتن ـ واظهار رأي الشارح. وقد ذكر الشيخ اغا بزرك الطهراني ما يقرب من تسعين حاشية وشرح عليه[10] . يقول في مقدمة الكتاب شارحاً منهجه : «هذه تعليقةٌ لطيفةٌ، وفوائد خفيفة اضفتها الى المختصر الشريف والمؤلَّف المنيف المشتمل على أمهات المطالب الشرعية الموسوم بـ «اللمعة الدمشقية».... جعلتها جاريةً له مجرى الشرح الفاتح لمغلقه، والمقِّيد لمطلقه، والمتمّم لفوائده، والمهذِّب لقواعده، ينتفع به المبتدي ويستمدُّ منه المتوسط والمنتهي...»[11] . ومن المفيد ان نعرض نموذجاً بقلمه. يقول المصنّف في شرحه على وجوب التيمم بالتراب الطاهر والحجر : «[يجب] التيمم [بالتراب الطاهر والحجر] لانه من جملة الارض اجماعاً، والصعيد المأمور به هو وجهها، ولانه ترابٌ اكتسبَ رطوبةً لزجةً وعملت فيه الحرارةُ فأفادته استمساكاً. ولا فرق بين انواعه من رُخام وبِرام[12] وغيرهما، خلافاً للشيخ [الطوسي] حيث اشترط في جواز استعماله فَقْدَ التراب. اما المنع منه مطلقاً[13] فلا قائل به. ومن جوازه بالحجر يُستفاد جوازه بالخزف بطريق اولى، لعدم خروجه بالطبخ عن اسم الارض وإن خرج عن اسم التراب. كما لم يخرج الحجر مع انه اقوى استمساكاً منه، خلافاً للمحقق في المعتبر محتجاً بخروجه مع اعترافه بجواز السجود عليه. وما يخرج عنها بالاستحالة يمنع من السجود عليه، وإن كانت دائرة السجود أوسع بالنسبة الى غيرها»[14] . ونستلهم من هذا النص طبيعة المنهج العلمي الذي استخدمه الشهيد الثاني (قدس سره) في الكتابة : اولاً : الاستدلال بالنص، والعقل، والاجماع على جواز التيمم بالحجر. فقد استدل بالاجماع على انه من جملة الارض، وبالعقل على انه تراب اكتسب رطوبة لزجة وعملت فيه الحرارة فافادته استمساكاً، وبالنص على ان الصعيد في قوله تعالى: (فتيمموا صعيداً طيباً)[15] هو وجه الارض. ثانياً : التعدي عن مورد النص من جواز التيمم بالحجر الى جواز التيمم بالخزف، لعدم خروج الخزف بالطبخ عن اسم الارض وإن خرج عن اسم التراب. ثالثاً : ناقش رأي المحقق الحلي (قدس سره) الذي يقول بخروج الخزف من الارض وعدم صدقها عليه بسبب الطبخ. فتسائل المصنّف : كيف يُخرج المحقق الخزف من عنوان الارض، في الوقت الذي يجوّز فيه السجود على الارض ؟ فان ما يخرج عن الارض بالاستحالة يمنع من السجود عليه ! بقية اعمال الشهيد الثاني: و«مسالك الافهام في شرح شرائع الاسلام» شرح مزجي لكتاب «شرائع الاسلام» للمحقق الحلي. وكان منهجه الاختصار في الشرح في اوائل الكتاب، لكنه استدرك وبدّل منهج الاختصار وبدأ بالاطناب. فاخذ الكتاب في التوسع حتى اصبح كتاباً ضخماً في مجلدين بالطبعة الحجرية. وكتاب «روضة الجنان في شرح ارشاد الاذهان» وهو شرح مزجي استدلالي خرج منه مجلد في الطهارة والصلاة. طبع مع كتاب «منية المريد» للمصنف في ايران سنة 1307 هـ . وكتاب «تمهيد القواعد الاصولية والعربية» يشتمل على قسمين. الاول : يتضمن مائة قاعدة اصولية وما يتفرع عليها من احكام. والثاني : مائة قاعدة من القواعد العربية، ويليهما فهرس مبسوط لتسهيل استخراج مطالب الكتاب. طبع مع كتاب «الذكرى» سنة 1272 هـ في ايران[16] . ومنهج الشهيد الثاني هو شرح المتون والتعليق عليها بكتابة الحواشي. كما لاحظنا ذلك في شرح «اللمعة الدمشقية»، وشرح «شرائع الاسلام»، وشرح «ارشاد الاذهان». وينطبق الأمر ايضاً على الحواشي التي كتبها على كتب: «قواعد الاحكام»، و«الشرائع»، و«الارشاد». 3 ـ المقدس الاردبيلي: احمد بن محمد (ت 993 هـ )، له كتاب «مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الاذهان»، و«زبدة البيان في احكام القرآن». مجمع الفائدة والبرهان: وكتاب «مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الاذهان» هو شرح استدلالي معمّق لكتاب «ارشاد الاذهان الى احكام الايمان» للعلامة الحلي (ت 726 هـ ). ويتضمن اغلب ابواب الفقه عدا بعض الابواب التي فقدت بتلف الصحف التي دونت عليها، كابواب النكاح والطلاق والعتق والعطايا والوصايا. ففي كتاب «الطهارة»، نعرض جانباً من منهجه الاستدلالي. يقول في شرحه للمطهرات : «ومن المطهرات : الاستحالة (بصيرورة) الخمر خلاً عند القائلين بنجاستها اذا كانت بنفسها، او بالعلاج بنحو الخلّ القليل. دليل الاول : اجماع المسلمين. والثاني : اجماعنا، قاله في المنتهى، والاخبار الصحيحة مثل خبر عبد العزيز بن المهتدي قال : كتبتُ الى الرضا (ع): جعلتُ فداك العصير يصيرُ خمراً فيصبُّ عليه الخل وشيء يُغيّره حتى يصيرَ خلاًّ. قال: لا بأس[17] . والاجتناب عن الاخير[18] افضل للخبر الصحيح الدالّ على المنع حينئذ، وحمل على الاستحباب للجمع. قال في المنتهى : يستحب تركه لينقلب من نفسه، كما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) سئل عن الخمر يجعل فيها الخَلّ فقال: لا، الا ما جاء من قبل نفسه[19]. واعلم انه لا اشعار في هذه الاخبار على الطهارة والنجاسة، بل على الحل فقط. (وبالنار)[20] اذا صار رماداً او دخاناً و(قيل) او فحماً (وقيل) بل خزفاً. وما وجدتُ عليها دليلاً الا الخروج عن اسم ما كان نجساً، مثلاً الارض والطين كانا نجسين فاذا صارا رماداً مثلاً فليسا بارض ولا طين. ونقلوا خبراً ما افهمه. وقال في المنتهى في طهارة الرماد : والاقرب ان يقال، بعد رد الخبر : النار اقوى احالة من الماء وكان الماء مطهراً فالنار اولى. ولان الناس بأسرهم لم يحكموا بنجاسة الرماد، اذ لا يتوقون منه ولو كان نجساً لتوقوا منه قطعاً انتهى. وفيه تؤمل لانا لا نسلم كون النجاسة للاسم وهو ظاهر فيما اذا تنجس. والمصنف في المنتهى منع من طهارة الكلب والخنزير بانقلابهما ملحاً»[21] . واسلوبه الاستدلالي (قدس سره) كما ترى يتلخص بعرض الحكم الشرعي ثم يلحقه بالدليل من آية او رواية صحيحة، ثم يناقش آراء الفقهاء وسند الروايات التي استدلوا بها. زبدة البيان: وكتاب «زبدة البيان في احكام القرآن» يتضمن تفسيراً لآيات الاحكام يبدؤه بالطهارة وينهيها بكتاب القضاء والشهادات. يقول في مقدمة الكتاب ناقلاً كلام الشيخ الطبرسي في تفسيره، عارضاً الرأي المشهور بانه لا يجوز تفسير القرآن بغير نص وأثر: «التفسير معناه كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل رد احد المحتملين الى ما يطابق الآخر. وقيل التفسير كشف المغطى، والتأويل انتهاء الشيء ومصيره، وما يؤول اليه امره، وهما قريبان من الاولين. فالمعنى من فسّر وبيّن وجزم وقطع بان المراد من اللفظ المشكل ـ مثل المجمل والمتشابه ـ كذا، بان يحمل المشترك اللفظي مثلاً على احد المعاني من غير مرجّح فقد اخطأ...»[22] . وبكلمة، فقد اخرج من كتابه التفسير الممنوع وهو التفسير بغير نص، اي التفسير الذي يريده المفسر من غير دليل. بل بمجرد رأيه وميله واستحسانه. وهذا المنهج العلمي في تفسير آيات الاحكام طغى على الكتاب. فقال في معرض عرضه لآية : (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرجِ حرج ولا على المريض حرج ولا على انفسكم ان تأكلوا من بيوتكم...لعلكم تتقون)[23] ، «فيه اشارة الى سبب جواز الاكل مع عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه عقلاً ونقلاً، وهو حصول الرضا بقرينة الابوة وغيرها. وهذا المقدار قد يفيد علماً بالرضا وذلك كاف مع انه قد يقال يكفي الظن بل لا يحتاج اليه، فان الله قد جوّزه وهو السبب فتأمل. وقال في مجمع البيان : هذه الرخصة في اكل مال القرابات، وهم لا يعلمون ذلك كالرخصة لمن دخل حائطاً [أي بستاناً] وهو جائع ان يصيب من ثمره، او مرَّ في سفر بغنم وهو عطشان ان يشرب من لبنه توسعة منه على عباده ولطفاً لهم ورغبة لهم عن دناءة الاخلاق وضيق العيش. وقال الجبائي : ان الآية منسوخة بقوله تعالى : (لا تدخلوا بيوت النبي الا ان يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين إناه)[24] ، وبقوله (ص) : «لا يحلّ مال امرىء مسلم الا بطيب نفس منه»[25] . والمروي عن ائمة الهدى (ع) انهم قالوا : لا بأس بالاكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله تعالى بغير اذنهم قدر حاجتهم من غير اسراف. وانت تعلم ان حصول الرخصة لمن دخل حائطاً ايضاً محلُ التأمل. وما جوّزه بعض الاصحاب ومن جوّزه ما قيّده بالجائع ولا بالحائط بل قال للمار على الغلّة وغيرها ان يأكل منها. واني ما رأيت جواز اللبن، وانه لا منافاة بين الآيتين حتى يكون ما هنا منسوخة وهو ظاهر. وعدم صلاحية الخبر للناسخية اظهر. وان المروي عنهم (ع) متبع وإن كان قدر الحاجة الذي في ما روي عنهم غير ظاهر من الآية بل ظاهرها دالٌ على عدمه. نعم لابد من عدم الاسراف والتضييع...»[26] . وكانت منهجيته (رضوان الله عليه) هي: اولاً: تفسير الآيات الخاصة بالاحكام الشرعية بالاستناد الى الدليل الشرعي من سنّة الرسول (ص) وامتدادها باهل البيت (ع). ثانياً: مناقشة آراء الفقهاء والمفسرين ونقدها نقداً علمياً كما فعل مع الشيخ الطبرسي، والجبائي في جواز شرب اللبن والنسخ ونحوها. ثالثاً: عرض رأيه الذي يتبناه استناداً على الدليل الشرعي. (نهاية ص 111)
[1] السرائر ص 612 طبع ايران. [2] تذكرة الفقهاء ج 1 ص 4. [3] الذريعة – اقا بزرك الطهراني. [4] الدروس ص 20. [5] الدروس ص 9. [6] الدروس ص 61. [7] الذريعة ج 10 ص 40، 6، 86. [8] الذريعة ج 6 ص 173. [9] نضد القواعد الفقهية ص 4. [10] الذريعة ج 6 ص 90 – 98. ج 13 ص 292-296. [11] الروضة البهية في شرح اللمعة – ج 1 ص 5. [12] بِرام: نوع من الحجر تصنع منه الآلات الحجرية. [13]أي بوجود التراب او بعدم وجوده. [14] الروضة البهية ج 1 ص 154. [15] سورة النساء: الآية 42. [16] الذريعة ج 4 ص 434. [17] الوسائل – باب 31 ح 8 من ابواب الاشربة المحرمة. [18] اي ما صار خلاً لعلاج. [19] الوسائل – باب 31 ح 7 من ابواب الاشربة والاطعمة. [20] عطف على قوله: بصيرورة الخل خمراً. [21] مجمع الفائدة والبرهان ج 1 ص 354. [22] زبدة البيان في احكام القرآن – المقدس الاردبيلي، ص 2. طهران: المكتبة المرتضوية. [23]سورة النور: الآية 61 -62. [24] سورة الاحزاب: الآية 53. [25] مجمع البيان ج 7 ص 156. [26] زبدة البيان ص 370.
|