(ص 72 - 82)

4 ـ مدرسة القرن الرابع الهجري

          ولم يكن الفقه الاستدلالي وليد الحاجة الملحّة فحسب، بل كان امراً قد خطط له ائمة اهل البيت (ع) من البداية عندما دربوا اصحابهم على الاوثقية والاعدلية والارجحية. وهذا التمرين يعكس صورة من صور الاستدلال الفقهي ونمطاً من انماط الاستنباط الشرعي.

 عصر القديمين : من النص الى الاستدلال

          والقديمان هما : الحسن ابن ابي عقيل النعماني احد مشايخ جعفر بن قولويه، عاصر السمري آخر سفراء الامام صاحب الزمان (ع) (ت قبل سنة 369 هـ ). وابن الجنيد ابو علي الاسكافي (ت 381 هـ ) من مشايخ الشيخ المفيد (ت 413 هـ ). ويعرفان بالقديمين لانهما عاشا اوائل الغيبة الكبرى. وكان ابن ابي عقيل العماني الحذاء اول من كتب في الفقه الاستدلالي، وكتابه «المتمسك بحبل آل الرسول» يعدّ من الكتب الفقهية الاستدلالية الاولى عند الطائفة. وقد اثنى عليه الفقهاء الاوائل كالشيخ النجاشي الذي قال بشأنه : «كتاب مشهور في الطائفة، وقلّ ما ورد الحاج من خراسان الا طلب واشترى منه نسخاً، وسمعتُ شيخنا ابا عبد الله [المفيد] رحمه الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه الله»[1] . وهذا النص يعبّر ايضاً عن تعدد النسخ الخطية للكتاب في ذلك الزمان، وعن اهتمام اتباع اهل البيت (ع) في الامصار المختلفة بالعناية بالاحكام الشرعية. وقد نقل العلامة الحلي (ت 721 هـ ) الكثير من آراء ابن ابي عقيل في كتابه «مختلف الشيعة» في جميع ابواب الفقه.

          ولذلك لم يتوانَ السيد بحر العلوم في التصريح بان ابن ابي عقيل من اوائل من استخدم الاستدلال الفقهي، قال : «هو اول من هذّب الفقه واستعمل النظر، وفتق البحث في الاصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى وبعده الشيخ الفاضل [ابن الجنيد] »[2] . بل ان مصنف كتاب «روضات الجنات» قال : «ان هذا الشيخ هو الذي ينسب اليه ابداع اساس النظر في الادلة، وطريق الجمع بين مدارك الاحكام بالاجتهاد الصحيح، ولذا يعبر عنه وعن الشيخ ابي علي بن الجنيد في كلمات فقهاء اصحابنا، بالقديمين. وقد بالغ في الثناء عليه ايضاً صاحب كتاب (السرائر) وغيره وتعرضوا لبيان خلافاته الكثيرة في مصنفاتهم»[3] .

          اما محمد بن احمد بن الجنيد الاسكافي فكان له كتابان في الفقه الاستدلالي هما: «تهذيب الشيعة لاحكام الشريعة»، و«الاحمدي للفقه المحمدي». والكتاب الاول وصفه الشيخ الطوسي بانه «كتاب كبير على عشرين مجلداً، يشتمل عدة من كتب الفقه على طريقة الفقهاء»[4] . وكتاب «الاحمدي في الفقه المحمدي» مختصر لكتابه الكبير «تهذيب الشيعة لاحكام الشريعة»؛ وطريقة الفقهاء تعني الاستدلال، لا مجرد عرض الروايات والاحاديث دون مناقشة. واشار مصنف كتاب «روضات الجنات» الى ان ابن الجنيد تبع الحسن بن ابي عقيل العماني فابدع اساس الاجتهاد في احكام الشريعة. ونقل عن (ايضاح العلامة) انه قال: وجدتُ بخط السيد السعيد محمد بن معد، ما صورته : وقع الي من هذا الكتاب [كتاب تهذيب الشيعة] مجلد واحد. وقد ذهب من أوله اوراق وهو كتاب النكاح. فتصفحته ولمحتُ مضمونه فلم أرَ لاحد من هذه الطائفة كتاباً أجود منه، ولا ابلغ ولا احسن عبارة، ولا ادق معنى. وقد استوفى منه الفروع والاصول، وذكر الخلاف في المسائل واستدل بطريق الامامية وطريق مخالفيهم. وهذا الكتاب اذا اُمعن النظر فيه وحصلت معانيه علم قدره ومرتبته، وحصل منه شيء كثير ولا يحصل من غيره. ثم يقول العلامة : قد وقع اليّ من مصنفات هذا الشيخ المعظم الشأن كتاب (الاحمدي في الفقه المحمدي) وهو مختصر هذا الكتاب، جيد يدل على فضل هذا الرجل وكماله وبلوغه الغاية القصوى في الفقه، وجودة نظره. وانا ذكرتُ خلافه واقواله في كتاب (مختلف الشيعة في احكام الشريعة)[5] .

 الكليني والصدوقان:

          ومن اعلام هذا القرن : الكليني، والصدوقان.

أ- الشيخ الكليني: وهو ابو جعفر الكليني، محمد بن يعقوب بن اسحاق (ت 329 هـ ) وكتابه «الكافي» في الاصول والفروع والروضة في ثمانية اجزاء.

          وقد انصرف ثقة الاسلام الكليني «قدس سره» الى جمع احاديث اهل البيت (ع) في كتابه «الكافي» الذي لم يسبقه احد في انجاز مثل ذلك المشروع العملاق في ذلك العصر. فقام بجمع تلك الروايات المتفرقة في بطون مئات الكتب والمصنفات بين دفتي كتاب واحد خلال عشرين عاماً. وقد رُتب الكتاب على ثلاثة اقسام هي:

الاول: اصول الكافي : ويتضمن روايات في ثمانية كتب هي : كتاب العقل والجهل، وفضل العلم، والتوحيد، والحجة، والايمان والكفر، والدعاء، وفضل القرآن الكريم، والعِشرة. وتنضوي تلك الكتب تحت عناوين : العقيدة، والموت، والبعث، والثواب والعقاب، وفضائل العلم ونحوها.

الثاني : فروع الكافي : وتتضمن الروايات التي تعلقت اولاً : بالعبادات. وثانياً : بالمعاملات، اي العقود والايقاعات والاحكام. صنفها في ستة وعشرين كتاباً فقهياً هي : كتاب الطهارة، والحيض، والجنائز، والصلاة، والزكاة، (والخمس في كتاب الحجة من اصول الكافي)، والصيام، والحج، والجهاد، والمعيشة، والنكاح، والعقيقة، والطلاق، والعتق والتدبير والكتابة، والصيد، والذبائح، والاطعمة، والاشربة، والزي والتجمل والمروءة، والدواجن، والوصايا، والمواريث، والحدود، والديات، والشهادات، والقضاء والاحكام، والايمان والنذور والكفارات.

          واذا ادخلنا تلك الكتب في التقسيم المتفق عليه للمواضيع الفقهية. فيكون :

أ ـ العبادات : وفيها احكام الطهارة، والوضوء، والغسل، والحيض، والصلاة، والخمس، والصوم، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والجهاد.

ب ـ المعاملات : وفيها :

1 ـ العقود : وتدخل فيها : التجارة، والبيع، والسلف، والصرف، والخيارات، والشفعة، والاجارة، والمزارعة، والمساقاة، والجعالة، والسبق والرماية، والشركة، والمضاربة، والوديعة، والعارية، والضمان، والحوالة، والكفالة، والديّن، والرهن، والصلح، والوكالة، والهبة، والصدقة، والوقف، والسكنى، والعمرى، والوصية، والنكاح، والرضاع، والقسم، والمكاتبة.

2 ـ الايقاعات : ويدخل فيها : الاقرار، والطلاق، والظهار والايلاء واللعان، والعتق، والتدبير، والايمان، والنذور، والعهود.

3 ـ الاحكام : ويدخل فيها : اللقطة، والغصب، واحياء الموات، والحجر، والكفارات، والصيد، والذباحة، والاطعمة، والاشربة، والميراث، والقضاء، والشهادات، والحدود، والتعزيرات، والقصاص، والديات.

الثالث : روضة الكافي : ويشتمل على الاخبار المتعلقة بالعقائد، والتفسير، والاخلاق، والقصص، والتأريخ ونحوها.

ويتميز «الكافي» بالالتزام بنصوص الروايات عن ائمة اهل البيت (ع)، واستخراجه اياها من الاصول المعتبرة عند الطائفة، والتزامه ـ على الاغلب ـ بذكر جميع سلسلة السند بينه وبين المعصوم (ع)، وترتيب الروايات على اساس الصحة والوضوح، وعدم ايراد الاخبار المتعارضة، والرواية عن مجموعة من مشايخه الثقات بالقول «عدة من اصحابنا» . وقد اخرج عن شيخه علي بن ابراهيم القمي ما يزيد على ربع احاديث «الكافي».

 ب- الصدوقان: وهما:

1- علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت 329 هـ ) وهو ابو الشيخ الصدوق ويطلق عليهما بالصدوقان. ويلقب الاب بالصدوق الاول ايضاً. وهو اول من ابتكر طرح اسانيد الروايات، وجمع بين النظائر، واتى بالخبر مع قرينه في رسالته الى ابنه الصدوق الثاني التي سميت برسالة «الشرائع».

2 ـ محمد بن علي بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق) (ت 381 هـ ) وله كتاب «من لا يحضره الفقيه» في الحديث في اربعة اجزاء. وكتباً فقهية هي : «المقنع» و«الهداية». وله كتاب «علل الشرائع» ايضاً.

          وكتاب «من لا يحضره الفقيه» على قسمين: مسانيد ومراسيل. وتلك المراسيل تزيد على ثلث الاحاديث المورّدة فيه. وقد اعتمد الاصحاب على تلك المراسيل وقالوا انها كمراسيل محمد بن ابي عمير في الحجية والاعتبار، لان المؤلف لم يورد فيه الا ما يفتي به ويحكم بصحته ويعتقد انه حجة بينه وبين ربه. اضف الى ذلك زيادة حفظ الصدوق وحسن ضبطه وتثبته في الرواية وتأخر كتابه عن «الكافي». ولكن هذا الرأي قد تعرض للنقد، وقيل ان صحة السند عند المصنّف حجة عليه لا حجة على غيره. وطبيعة الاجتهاد الفقهي تقتضي ان يكون للمجتهد رأي في الرواة من حيث التوثيق او التضعيف.

          واحاديث «من لا يحضره الفقيه» خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثة وستون حديثاً. المسندة منها: ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة عشر حديثاً، والمراسيل: الفان وخمسون حديثاً.

          يقول الشيخ الصدوق «قدس سره» في سبب تأليفه الكتاب: «لما ساقني القضاء الى بلاد الغربة... وردها الشريف الدِّين ابو عبد الله... فدام بمجالسته سروري، وانشرح بمذاكرته صدري، وعظم بمودته تشرفي لأخلاق قد جمعها الى شرفه من ستر وصلاح، وسكينة ووقار، وديانة وعفاف، وتقوى وإخبات. فذاكرني بكتاب صنفه محمد بن زكريا المتطبب الرازي وترجمه بكتاب «من لا يحضره الطبيب» وذكر انه شاف في معناه وسألني ان اصنّف له كتاباً في الفقه والحلال والحرام، والشرائع والاحكام موفياً على جميع ما صنّفت في معناه واترجمه بكتاب «من لا يحضره الفقيه» ليكون اليه مرجعه، وعليه معتمده، وبه أخذه، ويشترك في اجره من ينظر فيه، وينسخه ويعمل بمودعه. هذا مع نسخه لاكثر ما صحبني من مصنفاتي وسماعه لها وروايتها عني ووقوفه على جملتها وهي مائتا كتاب وخمسة واربعون كتاباً. فأجبته ادام الله توفيقه الى ذلك لأني وجدته أهلاً له وصنفتُ له هذا الكتاب بحذف الاسانيد لئلا تكثر طرقه وإن كثرت فوائده. ولم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدتُ الى ايراد ما أفتي به واحكم بصحته، واعتقد فيه انه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته. وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل واليها المرجع»[6] .

ونستدلّ من ذلك النص على ما يلي :

1 ـ ان المصنّف حذف الاسانيد من اجل الاختصار. فالمراسيل حجة بينه وبين الله تعالى، باعتبار صحة سندها في رأيه.

2 ـ انه لم يكن تأليفه بمعنى تأليف كتاب، بل كان يقصد اتمام وسيلة الافتاء والحكم. فالمقصود من التأليف هو : الافتاء، والحكم بصحة الاحاديث الواردة فيه.

3 ـ ان جميع ما فيه استخرجه المصنّف من كتب مشهورة عند الطائفة. فهو لم يأتِ بحديث بعيد عن مسامع اجلاء الطائفة او بعيد عن انظارهم.

          وللشيخ الصدوق «قدس سره» كتاب «علل الشرائع والاحكام والاسباب» وهو يتضمن (385) باباً. اول الابواب: «العلّة التي من اجلها سميت السماء سماء، والدنيا دنيا، والآخرة آخرة...» واخرها «نوادر العلل». وبعض الروايات في هذا الكتاب تحتاج الى تدقيق في السند ومطابقة في المتن، وبعضها لا تلائم مقام الامامة. ولا يُعرف سبب تأليف الكتاب، خصوصاً وان ملاكات الاحكام مجهولة وغير قابلة للفهم لدى الفقهاء.

          وكتاب «المقنع» رسالة فتوائية للشيخ الصدوق من الطهارة وحتى الديات، ملحقاً بها باب النوادر. دوّن الفاظها من متون الاحاديث المسندة. فقد حذف المصنّف اسنادها بغية الاختصار، وثقةً بوجودها في الكتب الرئيسية التي استند عليها. فقال في مقدمته : «اني صنفتُ كتابي هذا وسميّته كتاب المقنع، لقنوع من يقرأه بما فيه. وحذفتُ الاسانيد منه لئلاّ يثقل حمله ولا يصعب حفظه ولا يملّ قارئه، إذ كان ما ابيّنه فيه في الكتب الاصولية موجوداً مبيّناً على المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم الله»[7] .

 فقهاء قم المشرفة:

          وقد شهد القرنان الثالث والرابع نشاطاً ملحوظاً لفقهاء مدينة قم المشرفة في تدوين الروايات، وكان على رأسهم الشيخ الكليني (ت 329 هـ )، وابن قولويه (ت 369 هـ)، وابن الجنيد (ت 381 هـ) بالري، والشيخ الصدوق (ت 381 هـ) المدفون بالري. وجملة من الرواة الفقهاء الذين كانت لهم كتب في الفقه جوهرها روايات موثقة عن ائمة اهل البيت (ع) في ابواب الفقه المختلفة. ومن هؤلاء الاعلام : احمد بن محمد بن عيسى الاشعري، ومحمد بن احمد بن يحيى بن عمران، وسعد بن عبد الله بن ابي خلف الاشعري، واسماعيل بن آدم بن عبد الله بن سعد الاشعري، وعلي بن ابراهيم واهم كتبه : «قرب الاسناد»، وعلي بن الحسين بن بابويه (ت 329 هـ )، ومحمد بن الحسن بن الوليد (ت 343 هـ )، واحمد بن محمد بن خالد البرقي وغيرهم.

          وكانت فتاوى هؤلاء الاعلام تعدّ بمثابة الروايات لانهم كانوا لا يفتون الا بالنصوص. والى ذلك اشار الشهيد الاول (ت 786هـ ) باعتماد الاصحاب على رسالة علي بن بابويه القمي (ت 329 هـ )، فقد «كان الاصحاب يتمسكون بما يجدونه في شرائع الشيخ ابي الحسن بن بابويه عند اعواز النصوص لحسن ظنهم به، وان فتواه كروايته»[8] ، بينما صرح الشيخ المجلسي بان: «علماءنا يعدّون فتاواه من جملة الاخبار»[9] .

          وتميز هذا القرن بتدوين الحديث وجمعه بطريقة علمية تحدد ضوابط صحة الاحكام الشرعية من احاديث ائمة اهل البيت (ع). فكان «الكافي»، و«من لا يحضره الفقيه» من اهم موسوعات هذا القرن في الحديث.

 ميـزة تلك الفترة:

          ثمة ميزة اخرى لهذا القرن والقرن الذي لحقه لمسناها في الرسائل الفقهية المختصرة التي كان يكتبها الفقهاء. فكان الفقهاء يجيبون على استفسارات المؤمنين من شيعة اهل البيت (ع)، ويكتبون الجواب على شكل رسالة فقهية يلقيها عادة الفقيه على تلامذته. ولكن تلك الرسائل كانت تعبّر عن الاستدلال في مراحله الاولية بحيث لا تتجاوز عرض الاحاديث الصحيحة من غير تعرض للمناقشة او الاحتجاج او النقد او التفريع.

          ولاشك ان الانتقال من عصر النص الى عصر الاستدلال كان له ما يبرره. فقد كان عصر النص مثقلاً بالمرتكزات الذهنية التي يفهمها الراوي بسبب ارتباطه بذلك العصر الذي كان يعيش فيه. وكان لابد للفقهاء الذين عاشوا عصوراً بعيدة عن النص التوجه نحو الاستدلال الشرعي لاستنباط الاحكام، للاسباب التالية:

1 ـ وجود تعارض ظاهري بين الروايات المروية عن ائمة اهل البيت (ع)، وقد يرجع ذلك الى:

أ ـ ظروف التقية التي كان يعيشها ائمة اهل البيت (ع)، مما اضطرهم (ع) الى الافتاء بآراء مخالفة لآرائهم من اجل الحفاظ على الكيان الشرعي للامة.

ب ـ اختلاط بعض القرائن الموازية للنصوص او اختفائها، مما يسبب صعوبة في فهم النص او في  فهم مراد الشارع.

ج ـ لجوء بعض الرواة الى نقل معاني الحديث بدل نقل الفاظه، وقد سبب ذلك وضع بعض النصوص في موضع حرج. فقد يستخدم الراوي احياناً الفاظاً ركيكة او مشتركة، فيختلط اللفظ الاول باللفظ الثاني الذي استخدمه الراوي وعندها يرتبك معنى الرواية.

د ـ وجود رواة مدسوسين من قبل السلطة لتشويه مذهب اهل البيت (ع)، فاصبح الامر يتطلب التدقيق في رجال الرواية من اجل التأكد من صحة الرواية ذاتها وصحة نسبتها الى ائمة أهل البيت (ع).

2 ـ ان في الروايات الشريفة التي وصلتنا عاماً وخاصاً، مطلقاً ومقيّداً، مجملاً ومبيّناً. فكان لابد من معرفة القواعد العامة التي تحكم التفريق بين العام والخاص، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن.

3 ـ تبدل الثقافة الاجتماعية خلال القرون المتلاحقة. فقد كانت بعض الالفاظ تستعمل لمعان معينة، ثم تبدل ذلك الاستعمال ليدلّ على معان اُخر. فعلى سبيل المثال، كان معنى «يتوضأ»: يغسل يده فقط. ففي قوله (ع) عندما سئل عن غسل الجنابة في الماء القليل: «يضع يده ويتوضأ ثم يغتسل...»[10]. ثم غلب استعمال كلمة الوضوء على معناها الشرعي.

4 ـ تغير الزمان والمكان يستدعي فهماً لمقاصد الشريعة في المعاملات يتناسب مع ذلك التغير. وهذا يستدعي  فهماً معمقاً لمباني الاستدلال الشرعي.

 5 ـ مدرسة القرن الخامس الهجري

          وتميز هذا القرن والفترة القصيرة التي سبقته بظهور كتب فقهية اقتصرت على تلخيص مضمون الروايات وحذف اسانيدها وتجنبت التفريع كما اشرنا الى ذلك آنفاً، مثل «المقنع» و«الهداية» للشيخ الصدوق (ت 381 هـ )، و«المقنعة» للشيخ المفيد (ت 413 هـ )، و«النهاية» للشيخ الطوسي (ت 460 هـ ).

          ومن اعلام هذا القرن مجموعة شامخة من الفقهاء، منهم :

1 ـ الشيخ المفيد: وهو محمد بن محمد بن النعمان (ت 413 هـ ) وكتابه الفقهي «المقنعة» وهو رسالة في الفقه. حيث بارى فيها كتاب «المقنع» في الفقه لاستاذه الشيخ الصدوق. وقام الشيخ الطوسي ـ تلميذ الشيخ المفيد ـ بشرح «المقنعة» في عشرة اجزاء سماه «تهذيب الاحكام».

          وللشيخ المفيد رسائل فقهية عديدة تعبّر في محتواها عن اجوبة فقهية للمسائل الشرعية التي كانت موطن ابتلاء القرنين الرابع والخامس.

          منها : «اجوبة المسائل السروية» وهي احدى عشر مسألة في النكاح وغيرها من الموضوعات.

          ومنها : «احكام النساء» وهي رسالة فيما يخص النساء من الاحكام الشرعية مرتبة على 14 باباً وفصول. اولها : «الحمد لله الذي هدى العباد الى معرفته... وبعد فاني لما عرفت من آثار السيدة الجليلة الفاضلة ادام الله اعزازها، جمع الاحكام التي تعم المكلفين من الناس، وتختص النساء منهم على التمييز لهن والإبراز...»[11].

          ومنها : كتاب «الإعلام فيما اتفقت عليه الامامية من الاحكام، مما اجمعت العامة على خلافه» جمع فيه المسائل الفقهية التي اتفقت عليه الامامية من اول كتاب الطهارة الى آخر ابواب الديات ؛ وتلك المسائل مما لا يوافقهم فيه فقهاء المذاهب الاربعة.

          ومنها : رسالة في «تحريم ذبائح اهل الكتاب».

          ومنها : «جوابات اهل الموصل في العدد والرؤية» وهي رسالة في مناقشة ثبوت شهر رمضان برؤية الهلال. وقد كان النقاش آنذاك موجهاً على ان شهر رمضان هو ثلاثون يوماً دائماً كما في بعض الروايات. ولكنه «قدس سره» تبنى القول بالرؤية واحتج في ذلك بالدليل.

          وغيرها من الرسائل والاسئلة الفقهية التي كان يتصدى للاجابة عنها باعتباره زعيماً دينياً للطائفة الامامية في عصره.

(تليها صفحات 83 - 94)

اللاحق                  صفحة التحميل                الصفحة الرئيسية
 


 [1] رجال النجاشي ص 35.

 [2] الفوائد الرجالية – السيد بحر العلوم ج 2 ص 229.

 [3] روضات الجنات ج 2 ص 259.

 [4] الفهرست – الشيخ الطوسي ص 160.

 [5] روضات الجنات ج 6 ص 145 – 147.

 [6]من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 3.

 [7] المقنع ص 5.

 [8] الذكرى ص 4- 5.

 [9] بحار الانوار ج 1 ص 26.

 [10] الكافي – غسل الجنابة. باب الرجل الجنب ينتهي الى الماء القليل.

 [11]نسخة خطية – مكتبة المرعشي النجفي رقم 243 – 1.