|
(ص 37 -54)
القسم الثاني المدارس الفقهية في التأريخ الامامي
الفقه وعصر النصوص الشرعية * بحث متسلسل للمدارس الفقهية يبدأ بمدرسة «القرن الاول الهجري» وينتهي بطلائع مدرسة «القرن الخامس عشر الهجري». ------------------------- الفقه وعصر النصوص الشرعية لا نستطيع فصل الفقه فصلاً زمنياً عن عصر التشريع. فاذا كان الفقه يعبّر عن جملة من الالزامات الشرعية في الاوامر والنواهي، فانه يعكس ايضاً المبنى العقلي لرسالة السماء. بمعنى ان الدين السماوي جاء بقوانين اجتماعية مطابقة لمباني العقلاء تخص الفرد والجماعة، وبنظام اخلاقي لتنظيم العلاقات بين الافراد، وبنظام روحي يربط الانسان بربه عزّ وجلّ. وتلك القوانين الدينية لتنظيم حياة الانسان غلب عليها تسمية «الفقه» او «الاحكام الشرعية». وبكلمة، فان «التشريع» يضم كل القوانين المنظِّمة لشؤون الانسان عبر مفاهيم الحلال والحرام. واذا آمنا بان القرآن الكريم والسنّة المطهرة هما مصدرا التشريع الاسلامي، فلابد لنا من الايمان بتضافرهما في توضيح مراد الشارع من اجل تحقيق اهداف الدين في بناء علاقة المكلّف مع ربه، وفي بناء العلاقات الاجتماعية بين المكلّفين انفسهم. اذن، فالاحكام الشرعية تستنبط من دليلين اساسيين هما: القرآن المجيد، والسنّة الشريفة. الدليل القرآني: وهو الدليل الاول المحفوظ بين الدفتين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وقد نزل القرآن الكريم على عهد رسول الله (ص) وكُتب في حياته. وقد حفل هذا الكتاب المجيد بما يؤيد ذلك: (رسولٌ من الله يتلو صحفاً مطهرة)[1]، (كلا انها تذكرة فمن شاء ذكره، في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بايدي سفرة، كرام بررة)[2] ، (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)[3] ، (انه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسّه الا المطهرون)[4] ، (وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة واصيلاً)[5] . فالصحف المطهرة، واللوح المحفوظ، والكتاب المكنون كلها صفات تدلّ على كون الموصوف كتاباً محفوظاً بين الدفتين. وكان ائمة اهل البيت (ع) على اوثق اتصال بكتاب الله. فقد كانوا القرآن الناطق الذي يعبّر عن روح الكتاب المجيد الصامت ومفاهيمه السماوية. فلا عجب ان نقرأ في الخبر عن امير المؤمنين (ع) انه قال عن تدوين القرآن: «...فما نزلت على رسول الله (ص) آية من القرآن الا أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بخطي وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها، ودعا الله ان يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيتُ من كتاب الله، ولا علماً أملاه عليَّ وكتبته منذ دعا لي بما دعا»[6] . وقد وصلنا القرآن الكريم كاملاً يداً بيد من رسول الله (ص) وحتى ائمة الهدى (ع) الى يومنا هذا، ولم تمسّه يدُ الباطل والتحريف مطلقاً. والى ذلك اشار المولى عز وجل : (وانه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد)[7] . والحقيقة الجديرة بالالتفات ان القرآن المجيد لما كان كتاب هداية سماوية، فانه تعامل مع قضايا التشريع تعامل الكليات. وتُركت تفصيلات الشريعة الى السنّة النبوية الشريفة، فكان بيت النبوة متصدياً لتوضيح احكام الاسلام التي جاء بها القرآن الكريم. والمشهور بين الفقهاء ان الآيات القرآنية التي لها علاقة مباشرة باحكام الفقه لا تتجاوز خمسمائة آية من مجموع (6326) آية. فتكون نسبة آيات الاحكام الى كل آيات القرآن الكريم في حدود ثمانية بالمائة (8%). فقد «اشتهر بين القوم ان الآيات المبحوث عنها نحو من خمسمائة آية، وذلك انما هو بالمتكرر والمتداخل، والا فهي لا تبلغ ذلك»[8] . وقد تضمنت موضوعات : الطهارة، والصلاة، والصوم، والزكاة، والخمس، والحج، والجهاد، والمكاسب، والبيع، والدَيْن، والرهن، والضمان، والصلح، والوكالة، والوفاء بالعقد، والاجارة، والشركة، والابضاع، والايداع، والعارية، والسبق والرماية، والشفعة، واللقطة، والغصب، والاقرار، والوصية، والحجر، والوقف، والسكنى، والصدقة، والهبة، والنذر، والعهد، واليمين، والعتق، والنكاح، والطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، والارتداد، والمطاعم والمشارب، والمواريث، والحدود، والجنايات، والقضاء، والشهادات. ولاشك ان فهم الاحكام في النصوص القرآنية غير منفّك عن فهم المواضيع والالفاظ المعبّرة عنهما. فدلالة اللفظ القرآني تعني ان «اللفظ المفيد وضعاً إن لم يحتمل غير ما فهم منه بالنظر اليه فهو النص. وإن احتمل، فإن ترجح احد الاحتمالين بالنظر اليه ايضاً فهو الظاهر والمرجوح المؤول. وإن تساوى الاحتمالان فهو المجمل. والقدر المشترك بين النص والظاهر هو المحكم. والمشترك بين المجمل والمؤول هو المتشابه. وقد يتركب بعض هذه مع بعض. مثال النص: قوله تعالى: (قل هو الله احد)[9] ، اذ لا يحتمل غير الوحدانية. ومثال الظاهر: قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وارجلكم الى الكعبين)[10]. ومثال المؤول: (...يد الله فوق ايديهم)[11] في ارادة القدرة. ومثال المجمل: (والليل اذا عسعس)[12] في احتمال أقبل وادبر»[13] . الدليل الروائي: وهو الدليل الثاني الذي اُبتلي بمشاكل السند والتوثيق والجرح والتعديل. فالشيعة دونت السنّة الشريفة المتعلقة باحاديث الاحكام وغيرها في عهد رسول الله (ص) . فقد دوّن امير المؤمنين (ع) السنّة النبوية في حياة النبي (ص) . كما يشير (ع) الى ذلك ويقول: «وما ترك (ص) شيئاً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، كان او يكون منـزلاً على احد قبله من طاعة او معصية، الا علمنيه وحفظته، فلم أنسَ حرفاً واحداً. ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي ان يملأ قلبي علماً وفهماً وحكماً ونوراً. فقلتُ : يا نبي الله. بابي أنت وأمي. منذ دعوت الله لي بما دعوت، لم أنسَ شيئاً، ولم يفتني شيء لم اكتبه»[14] . وكتابة امير المؤمنين (ع) تلك اثمرت في تدوين كتابين في احكام الشريعة هما : 1 ـ كتاب «الامام علي (ع) في الآداب والسنن واحكام الحلال والحرام» من املاء رسول الله (ص) وخط امير المؤمنين (ع). وقد ذكره النجاشي (ت 450 هـ ) في كتابه الرجالي[15] ، والشيخ الطوسي (ت 460 هـ ) في «التهذيب»[16] ، واشارا الى ان الامام الصادق (ع) كان يرجع اليه عند الضرورة. 2 ـ «الجامعة للامام امير المؤمنين (ع)»، وهي «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (ص)، واملائه من فَلْقِ فيه[17] ، وخط علي (ع) بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج اليه الناس حتى الارش في الخدش»[18] . وهذان الكتابان كانا من اوائل الكتب التي جمع فيهما العلم الفقهي على عهد رسول الله (ص). وقد تكرر ذكرهما في اخبار الائمة (ع). وربما كانا كتاباً واحداً سمي بـ«كتاب علي» مرة وبـ«الجامعة» اخرى، وبـ«الصحيفة» ثالثة. والله العالم. وفي المقابل نأت مدرسة الصحابة نفسها عن كتابة احاديث رسول الله (ص) بدعوى احتمالية اختلاطها بالقرآن الكريم. وهو اجتهاد لم يصبه التوفيق، لان كتاب الله المجيد محفوظ بين الدفتين بارادة الله تعالى القائلة: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)[19]. يقول السيوطي: «اراد عمر بن الخطاب ان يكتب السنن واستشار فيها اصحاب رسول الله (ص) فاشار اليه عامتهم بذلك. فلبث عمر بن الخطاب شهراً يستخير الله تعالى في ذلك شاكاً فيه. ثم اصبح يوماً وقد عزم الله تعالى له. فقال : اني كنت فكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم. ثم تذكرت فاذا اناس من اهل الكتاب كتبوا مع كتاب الله كتباً فاكبّوا عليها وتركوا كتاب الله. واني والله لا البس كتاب الله بشيء. فترك كتابة السنن»[20] . وروى ابن سعد بسنده عن الزهري قال : لما اراد عمر بن الخطاب ان يكتب السنن فاستخار الله شهراً ثم اصبح وقد عزم الله له فقال : «ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فاقبلوا عليه وتركوا كتاب الله»[21] . وروى ايضاً عن قرظة بن كعب الانصاري انه قال: اردنا الكوفة فشيَّعنا عمر الى صرار، وقال: تدرون لم شيّعتكم ؟ قلنا: نعم، نحن اصحاب رسول الله. فقال : انكم تأتون اهل قرية لهم دويٌ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدوهم بالاحاديث فتشغلوهم. جرّدوا القرآن، واقلوا الرواية عن رسول الله، وامضوا وانا شريككم[22] . وقد جرت سيرة التأريخ على رفض كتابة سنة رسول الله (ص) من قبل مدرسة الصحابة لحين تولي معاوية بن ابي سفيان، واصرار ائمة اهل البيت (ع) على تدوين السنة تدويناً تاماً. لم يتعبد رسول الله (ص) بالاجتهاد: وبسبب الوضع السياسي الذي أعقب عهد رسول الله (ص) ومحاولات السلطة خلق الاحاديث المزورة المؤيدة لشرعيتها، والمحاولات المستميتة لمنع كتابة احاديث رسول الله (ص)، فقد وقع خلاف حول مسألة مهمة وهي: اجتهاد رسول الله (ص). فطرح السؤال بالشكل التالي: هل كان رسول الله (ص) يجتهد فيما لا نص فيه ؟ والسؤال يحمل في ذاته تناقضاً صريحاً، فكيف يجتهد النبي (ص) وهو الذي لا ينطق عن الهوى ؟ وكيف يجتهد من عند نفسه وهو المأمور ببيان الاحكام الشرعية الى الامة دون تبديل او تغيير، وقد قال تعالى في شأنه: (ولو تقوّلَ علينا بعض الاقاويل. لاخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين)[23] ؟ وقد وقف فقهاء ائمة اهل البيت (ع) موقفاً واضحاً في ادانة تلك الفكرة التي كان هدفها تثبيت «منهج الرأي» الشخصي في الشريعة الاسلامية. فقد "ذهبت الامامية وجماعة تابعوهم الى ان النبي (ص) لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء من الاحكام، خلافاً للجمهور[24] لقوله تعالى: (فاحكم بينهم بما انزل الله)[25] ، (ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون)[26] ، (وما ينطق عن الهوى. إن هو الا وحي يوحى)[27] ، (...قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن اتبع الا ما يوحى اليّ...)[28] "[29] . ولو تحقق فرض اجتهاد النبي (ص)، فان ذلك يعني : 1 ـ جواز مخالفته من قبل المكلفين، لان الاجتهاد لا يفيد علماً قطعياً. فقد يخطىء المجتهد وقد يصيب. بينما لا تجوز مخالفة النبي (ص). 2 ـ المعروف عن رسول الله (ص) انه كان يؤخر الجواب على الاسئلة الواردة عليه حتى يأتيه الوحي بذلك. ومثاله تأخير جواب الزوجة التي جاءته تشتكي زوجها، فانزل سبحانه آيات في ذلك. وتأخير البيان عن وقت الحاجة، بدون مبرر شرعي او عقلي، ينفي دور الدين في الحياة الاجتماعية. 3 ـ ان الاجتهاد يفيد الظن، بينما يفيد الوحي القطع. واذا كانت لديه (ص) القدرة على الاتصال بالوحي، فلا يمكن ان يرجع الى الظن. اهل البيت (ع) والتنظيم العلمي للافكار الفقهية : وبعد انتهاء عصر نزول القرآن ووفاة رسول الله (ص) كان لابد لائمة الهدى (ع) من التصدي لشرح الاحكام الشرعية، وتنظيم افكارها، وتصنيف مصطلحاتها. فكان الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) اول من قام بذلك، وقد اشار في خطبته : «ثم اختار سبحانه لمحمد (ص) لقاءَه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقارنة البلوى، فقبضه اليه كريماً (ص)، وخلّف فيكم ما خلّفت الانبياء في أممها إذ لم يتركوهم هَمَلاً بغير طريق واضح، ولا عَلَم قائم، كتابَ ربكم مبيناً حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعبره وامثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسراً مجمله، ومبيّناً غوامضه، بين مأخوذ ميثاقُ علمه، وموسع على العبادِ في جهله، وبين مثبت في الكتاب فرضُهُ، ومعلوم في السنّة نسخه، وواجب في السنّة أخذه، ومرخص في الكتاب تركه، وبين واجب بوقته، وزائل في مستقبله، ومباينٌ في محارمه، من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبول في أدناه، موسع في اقصاه»[30] . ففي هذه الخطبة تعرّض امير المؤمنين (ع) الى قضايا كلية تخص المسائل الفقهية في الحلال والحرام، والنافلة والفريضة، والناسخ والمنسوخ، والرخصة والعزيمة، والخاص والعام، ونحوها. وتلك الكليات وضعتها الشريعة من اجل تيسير امور الاستنباط والاستدلال للاجيال اللاحقة لعصر النص. فمن الحلال مثلاً : النكاح. ومن الحرام المقابل له : الزنا. ومن الفضائل «او النوافل» ركعتي الصبح، ونحوهما. ومن الفرائض : فريضة الصبح. ومن الناسخ قوله : (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)[31] ، ومن المنسوخ : (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)[32] . والرخص كقوله تعالى : (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم)[33] ، والعزائم كقوله : (فاعلم انه لا إلّه الا الله واستغفر لذنبك)[34] . والخاص كقوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي...)[35] ، والعام كالالفاظ الدالة على الاحكام العامة لسائر المكلفين مثل: (...واقيموا الصلاة...)[36] . والعبر : كقصة اصحاب الفيل، والآيات التي تتضمن عذاباً نازلاً بأمم الانبياء من قبلُ. والامثال : كقوله تعالى : (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً...)[37] . والمرسل (او المطلق) كقوله : (ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا)[38] ، والمحدود (اي المقيد) كقوله : (ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الى اهله)[39] . والمحكم كقوله تعالى : (قل هو الله احد)[40] ، والمتشابه كقوله : (...الى ربها ناظرة)[41] «[42] . وهذا التنظيم العلمي للافكار الدينية وضع الفقهاء على مسرح التقنين الشرعي للاحكام. وفي حديث آخر يصفُ (ع) عما في ايدي الناس من اختلاف الاخبار : «ان في ايدي الناس حقاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً. ولقد كُذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً، فقال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)...». وهذا الحديث يصنف الاخبار المروية عن رسول الله (ص) الى: أحاديث صحيحة، واحاديث كاذبة، وناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومحكم ومتشابه. وقد ذكرنا فيما سبق أمثلة على ذلك. وفاطمة الزهراء (ع) قامت ايضاً بدور مهم لبيان حكمة التشريع، فقالت في خطبتها: «فجعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنـزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للاخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزاً للاسلام، وذلاً لاهل الكفر والنفاق، والصبر معونة على استيجاب الاجر، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الارحام منسأة في العمر، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنـزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفة، وحرّم اللهُ الشركَ إخلاصاً له بالربوبية» . وفي تلك الخطبة الرائعة تبيان لعلل اصول الدين وفروعه، وتنظيم للاعتقادات والاوامر والنواهي. بذور الدليل العقلي : ولاشك ان أهل البيت (ع) كانوا يدربون اصحابهم على التحليل العقلي للروايات، وكانوا يضعون لهم القواعد والاصول الكفيلة بتحقيق ذلك. ونستطيع ان نستقرأ من حالات عامة وردتنا عن ذلك العصر بما يؤيد ذلك : 1 ـ جواز نقل الرواية بالمعنى. وهذه القاعدة مهمة، لان مفهومها يدل على ان المحور في الحديث هو المعنى لا مجرد التقيد بالنص. عن «محمد بن مسلم، قال: قلت لابي عبد الله (ع): اسمعُ الحديث منك، فازيد وأنقص. قال: إن كنتَ تريد معانيه فلا بأس» . 2 ـ الترجيح بين الخبرين المتعارضين: «عن زرارة، قال: يأتي عنكم الخبران المتعارضان فبأيهما نأخذ ؟ قال: خذ بما اشتهر بين اصحابك، ودع الشاذ النادر. قلتُ : فانهما معاً مشهوران. قال: خذ بأعدلهما عندك، واوثقهما في نفسك...». 3 ـ قاعدة (لا تعاد). وهي قاعدة تفيد بطلان الصلاة إذا انتهكت أمور: الطهارة والوقت والقبلة والركوع والسجود. «عن زرارة عن ابي جعفر الباقر (ع)، قال : لا تعادُ الصلاة الا من خمس : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود. ثم قال : القراءة سنّة، والتشهد سنّة. ولا تنقض السنّةُ الفريضةَ». 4 ـ قاعدة «البناء على الاكثر» عند الشك في عدد ركعات الصلاة، عندما يكون شكه في الرباعية الواجبة بعد إكمال السجدتين من الركعة الثانية. «عن عمار، قال : قال ابو عبد الله (ع) : يا عمار أجمعُ لك السهو كله في كلمتين : متى شككت فخذ بالاكثر، فاذا سلّمت فأتِمَّ ماظننت أنك نقصت». 5 ـ قاعدة التجاوز: «عن اسماعيل بن جابر، قال : قال ابو جعفر (ع) : إن شِكَّ في الركوع بعدما سجد فليمضِ. وإن شك في السجود بعدما قام فليمضِ. كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمضِ عليه». و«عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع)، قال : كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضيه كما هو». 6 ـ قاعد «الحل» في المشتبه مع عدم العلم: «عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) : قال : كل شيء فيه حلال وحرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه، فتدعه». 7 ـ قاعدة الاستصحاب عند الشك: «عن زرارة قال : قلتُ له : الرجل ينام، وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن. فاذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء. قلت : فإن حرّك على جنبه شيء، ولم يعلم به ؟ قال : لا ، حتى يستيقن انه قد نام، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن. والا، فانه على يقين من وضوئه... ولا تنقض اليقين ابداً بالشك، وانما تنقضه بيقين آخر». نموذج مقارَن : ولو جاز لنا ان نعرض نموذجاً مقارَناً بين ينبوع التشريع الالهي المتمثل بالنبي (ص) وائمة اهل البيت (ع) من جهة، ومدرسة الرأي من جهة اخرى لعرضنا النموذج التالي: أ ـ نموذج اهل البيت (ع) : رواية عذافر الصيرفي، قال : كنت مع الحكم بن عتيبة عند ابي جعفر (ع)، فكان يسأله وكان ابو جعفر (ع) مكرماً. فاختلفا في شيء، فقال ابو جعفر (ع) : هذا خط علي (ع) واملاء رسول الله (ص)، [ ثم ] اقبل على الحكم وقال : يا ابا محمد اذهب انت وسلمة وابو المقداد حيث شئتم يميناً وشمالاً، فو الله لا تجدون العلم اوثق منه عند قوم كان ينـزل عليهم جبرئيل»[43] . ب ـ نموذج مدرسة الرأي: طرحت مسألة «العول»[44] في الارث بعد وفاة رسول الله (ص)، وكانت من المسائل المستجدة ايام خلافة عمر بن الخطاب. فتحير عمر، فادخل النقص على الجميع استحساناً، وقال : والله ما ادري ايكم قدّم وايكم اخّر. ما اجد شيئاً اوسع لي من ان اُقسم المال عليكم بالحصص وادخل على ذي حق ما ادخل عليه من عول الفريضة[45] . وفي مناسبة ثانية سُئل عمر بن الخطاب عن رجل طلّق امرأته في الجاهلية تطليقتين وفي الاسلام تطليقة واحدة فهل تُضم التطليقتان الى الثالثة ام لا ؟ فقال للسائل : لا آمرك ولا انهاك[46] . وهذا الجهل باحكام الشريعة هو الذي ادى الى القول بالرأي والاستحسان والقياس. بينما بقيت مدرسة اهل البيت (ع) ثابتة على العلم الذي لايوجد اوثق منه، عند قوم كان ينـزل عليهم جبرئيل (ع)، كما في الرواية. وقد ورد عن الامام الباقر (ع) : «خطب رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع، فقال : يا ايها الناس، ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار الا وقد امرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة الا وقد نهيتكم عنه»[47] . وورد عنه (ع) ايضاً : «يا جابر، لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين. ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله صلى الله عليه وآله، واصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر، نكنـزها كما يكنـز هؤلاء ذهبهم وفضتهم»[48] . تطور معنى كلمة «الفقه» : كان العرب يطلقون على العلم بالشيء والفهم له بالفقه. فقد اورد الجوهري في «الصحاح» بان اعرابياً قال لعيسى ابن عمر : شهدتُ عليك بالفقه[49]. وفي «لسان العرب» : الفِقه : العلم بالشيء والفهم له، والفقه الفطنة[50]، والى هذا المعنى اشار قوله تعالى : (قالوا يا شعيبُ ما نفقهُ كثيراً مما تقول)[51]. اي لا نعلم حقيقة كثير مما تقول. وهذه هي المرحلة الاولى من مراحل فهم تلك الكلمة. والمرحلة الثانية تمثلت بامر الله سبحانه وتعالى فرقة من المؤمنين للتفقه في الدين، فدخلت الكلمة مرحلة جديدة من الفهم انحصر بالفهم الديني. يقول تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)[52]. فاصبحت كلمة الفقه تعني معارف الشريعة. وهكذا كان المعنى في السنّة الشريفة. حيث يشير رسول الله (ص) الى ذلك بالقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»[53] . وقوله (ص): «ربَّ حامل فقه الى من هو افقه منه». وقوله (ص): «افضل العبادة الفقه...»[54] . وعن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع): «من اتّجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا»[55] . ودخلت الكلمة مرحلة ثالثة عندما انحصرت بالاجتهاد، فاصبح المجتهد فقيهاً. اي عالماً بالاحكام الشرعية الفرعية من ادلتها التفصيلية. وبمعنى ثالث ان الفقه في هذه المرحلة بات اخصّ من المعارف الدينية وانحصر مدلوله على الاحكام العملية، او ما يسمى بالعبادات والمعاملات. واصبح للفقهاء مدارسهم الخاصة المبنية على الاجتهاد في الاحكام العملية دون الاعتقادية، وفي الاحكام الفرعية الظنية المستنبطة دون الضروريات او الموضوعات الخارجية. وعندما نتحدث في هذا الكتاب عن المدارس الفقهية والنظرية الفقهية، فاننا نعني المرحلة الثالثة والاخيرة من معاني كلمة «الفقه». (تليها صفحات 55 - 71)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] سورة البينة: الآية 2. [2] سورة عبس: الآية 11- 15. [3] سورة البروج: الآية 21- 22. [4] سورة الواقعة: الآية 77 – 79. [5]سورة الفرقان: الآية 5. [6] اصول الكافي – كتاب فضل العلم – باب اختلاف الحديث. [7] سورة فصلّت: الآية 41 – 42. [8] كنـز العرفان – المقداد السيوري ج 1 ص 5. [9] سورة الاخلاص: الآية 1. [10]سورة المائدة: الآية 6. [11] سورة الفتح: الآية 10. [12] سورة التكوير: الآية 17. [13]كنـز العرفان ج 1 ص 3-4. [14] اصول الكافي – كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث. [15]رجال النجاشي ج 2 ص 261. [16]تهذيب الاحكام – باب ميراث الاعمام والاخوال والخالات. [17]فلق فيه: شق فمه. [18]الوافي – الفيض الكاشاني. ايران ط حجرية 1324هـ. [19] سورة الحجر: الآية 9 . [20] تنوير المالك في شرح موطأ مالك – السيوطي. الفائدة الثانية. [21]المصدر السابق. وفتح الباري بشرح صحيح البخاري- المقدمة ص 6 ط دار المعرفة. [22]الطبقات الكبرى – ابن سعد ج 6 ص 7. والمستدرك للحاكم ج 1 ص 102. [23]سورة الحاقة: الآية 44- 46. [24] من اهل السنة. [25] سورة المائدة: الآية 48. [26]سورة المائدة: الآية 44. [27] سورة النجم: الآية 3- 4. [28] سورة يونس: الآية 15. [29] نهج الحق وكشف الصدق – العلامة الحلي ص 405 – 406. [30] شرح نهج البلاغة – ابن ابي الحديد ج 1 ص 38. [31] سورة التوبة: الآية 5. [32]سورة البقرة: الآية 256. [33] سورة المائدة: الآية 3. [34] سورة محمد: الآية 19. [35]سورة الاحزاب: الآية 50. [36] سورة الروم: الآية 31. [37]سورة البقرة: الآية 17. [38] سورة المجادلة: الآية 3. [39] سورة النساء: الآية 92. [40] سورة الاخلاص: الآية 1. [41] سورة القيامة: الآية 23. [42]شرح نهج البلاغة – ابن ابي الحديد ج 1 ص 39 – 40. [43] رجال النجاشي ج 2 ص 260 رقم 967، محمد بن عذافر الصيرفي. [44] العول هو اصطلاح يطلقه الفقهاء على زيادة السهام على التركة بوجود الزوج او الزوجة. كما لو ترك الميت زوجة وابوين وبنتين، ففرض الزوجة الثمن، وفرض الابوين الثلث، وفرض البنتين الثلثان. ولا تحتمل الفريضة ثمناً وثلثاً وثلثين. ولكن علماء الامامية قالوا بعدم العول وبقاء الفريضة، وان النقص يدخل دائماً على البنات والاخوات دون الزوج والزوجة والام والاب، وعليه فان للزوجة الثمن وللابوين الثلث والباقي للبنتين. [45]المستدرك – الحاكم ج 4 ص 340. واحكام القرآن – الجصاص ج 2 ص 109. [46]كنـز العمال – المتقي الهندي ج 5 ص 116. [47]الكافي ج 2 ص 60 – ح 1. [48]بصائر الدرجات ص 320 – 4 ب 14. والاختصاص ص 280 بتفاوت يسير. [49] الصحاح – مادة فقه ج 6 ص 2243. [50] لسان العرب ج 13 ص 522. [51] سورة هود: الآية 91. [52]سورة التوبة: الآية 122. [53] امالي المفيد ج 1 ص 158 ح 9. وصحيح البخاري ج 1 ص 16. [54]الخصال ص 30 – 104. [55] نهج البلاغة ج 3 ص 259.
|