(ص 21 - 36) 

قضايا التركيب في التشريع :

          ان تصميم الشريعة من قبل الخالق عز وجل جنّبها المشاكل التركيبية التي يختبرها القانون الوضعي عادةً. والمشاكل التركيبية هي المشاكل التي تؤثر على جوهر القانون الوضعي، الى درجة ان  الدستور مثلاً لا يستطيع الصمود امام التغيرات الاجتماعية لمئات من السنين. فالدساتير الوضعية تتغير من زمن لآخر لانها تتضمن مشاكل تركيبية تتعلق بجوهرها. فيتبدل الدستور كلما تتبدل الحاجات الانسانية في المجتمع. لان الافراد الذين يكتبون الدستور او يعدلونه انما هم افراد يعيشون اوضاع مجتمعهم ويعاصرونه.

          بينما نؤمن بان التشريع السماوي في العبادات ثابت في الجوهر والصورة «أي الوصف». وقد يتغير الوصف في المعاملات بسبب تغير الزمان والمكان، ولكن يبقى الجوهر ثابتاً في كل الاحوال. فاهداف القانون او العرف تتعرض احياناً الى جدل ثم الى جدل ثان ثم الى دحض شامل، كالقوانين الوضعية التي كانت تمنع المرأة من التملك مثلاً، او الاعراف الجاهلية التي كانت تجيز النجش، وهو ان يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها. بينما لم يكن التشريع الالهي خاضعاً لاهواء الناس، بل جاء ـ كمنهج كامل ـ لتنظيم حياتهم وترتيب مصالحهم. فالتشريع لا يحمل تناقضاً ذاتياً في مفرداته، بل تتضافر مفرداته مع بعضها البعض. ولذلك ادان القرآن الكريم الذين يأخذون ببعض الكتاب الذي يتماشى مع مصالحهم، ويتركون البعض الآخر الذي يتعارض معها، فقال: (...أفتأمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض...)[1] . ولكن القانون الوضعي قابل للتعارض والتناقض في مفرداته لانه من صنع الانسان الذي يتغير رأيه وفكره من زمن لآخر. ولذلك فاننا نستشعر بوضوح الفارق بين المفردات الالهية والمفردات الوضعية. فاحكام الشريعة متماسكة في التركيب الفلسفي ومتضافرة في العناصر التي تشكل ذلك المحتوى الإلزامي والحقوقي.

          ولان التشريع منسجمٌ مع الفطرة الانسانية، فان قضية الطاعة والمعصية تصبح قضية اخلاقية عند الانسان. بمعنى ان الاكراه سوف لن يكون عاملاً من عوامل التمييز بين الطاعة والمعصية، ولا يكون الجبر دافعاً لتحريك الانسان نحو الطاعة بل بالعكس تماماً. فالمكلّف المطيع ينفّذ اوامر التشريع، لان التشريع يقنعه اقناعاً اخلاقياً بضرورة الطاعة والاذعان والتسليم لامر الخالق سبحانه وتعالى. والعاصي يحاول انتهاك حرمة التشريع، لانه لم ينهض اخلاقياً الى مستوى ذلك الامتثال الاخلاقي لاوامر المولى عز وجل.

          ان الاحكام التكليفية التي جاء بها الاسلام تختلف باختلاف الحالات والرتب من وجوب وحرمة واستحباب وكراهية واباحة. ولان التشريع مُرسَل لتنظيم امور الفرد والجماعة، فانه يولّد اختلافاً في المواقف بين الافراد. فالغني ملزم بدفع حق الفقير، والمخالف لاحكام صيام شهر رمضان قد يفضل عتق رقبة، والجاني يواجه مقتضيات الجناية. وتلك الحالات المتباينة تولد مواقف مختلفة عند الافراد، فيصبح موقف الغني العطاء، وموقف العاصي الامتثال بدفع الكفارة، وموقف الجاني التسليم لحتمية العقوبة.

          وفي ضوء ذلك نفهم ان التشريع له تأثير حاسم على سلوك المكلفين في الحياة الاجتماعية. ودور الفكر الشرعي الخاص بالعقود والايقاعات والملكية والتعبديات والقضايا الشخصية هو بناء النظام الاجتماعي الديني المتميز عن الانظمة الوضعية التي صنعها الانسان لنفسه.

ومن اجل نقل ذلك التأثير الديني على المجتمع، فان للشريعة مفاهيم خاصة بها.

 المفاهيم المتميزة للتشريع :

          يعني الالزام الوجوبي ان التشريع يعرض عقوبة آخروية او دنيوية لاولئك الذين يتخلفون عن اداء الواجب. فالصلاة واجبة، والتخلف عن ادائها يعني عقوبة آخروية للعاصي. والحج عند الاستطاعة واجب، والتخلف عنه يعني عقوبة آخروية منتظَرة لذلك المتخلف او العاصي. وقتل النفس بدون حق حرام، والتخلف عنه يعني عقوبة دنيوية منتظَرة تنتظر ذلك الجاني او غرامة مادية في ظروف معينة. فالواجب الديني اذن يصبّ في صالح الفرد، والحرمة الدينية تصبُّ في صالحه ايضاً.

والعقود التجارية الشفهية في المعاطاة او المكتوبة في البيع والشراء والتي حدد اطارها القرآن الكريم وترك تفصيلها للعرف: (يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود)[2] ، هي مثال من امثلة نقل الملكية او تداول الحقوق الاعتبارية من فرد لآخر. ولولا التشريع السماوي الذي نظّمها ووضع ضوابطها الحقوقية لاصبحت تلك المعاملات التجارية مفاوضات لسرقة احدنا الآخر. فالطاعة المطلقة للتشريع من قبل المكلّف تساعده على تجاوز صعوبات الحياة الاجتماعية الدنيوية، بما فيها من تزاحم وتدافع في الحقوق والواجبات.

          ان التحليل الفلسفي للتشريع يوصلنا في اغلب الاحيان الى فهم قيمة الرسالة السماوية. فالزكاة تختلف عن الدية مع ان كليهما يتضمن مالاً واجباً دفعه الى جهة ما. فالزكاة تُدفع الى الفقراء كحقٍ مالي يساعدهم على سد رمقهم، بينما تُدفع الدية من قبل الجاني الى المجني عليه او ولي الدم من أجل مساعدة أهل الضحية على تجاوز محنتهم. وهذا الفرق بين دفع الزكاة ودفع الدية يدفعنا الى فهم اغراض التشريع واهدافه. فوجوب دفع المال، زكاةً كان او ديةً، يساعد الضحية، فقيراً كان أو مفجوعاً، على تجاوز محنته. والفهم هنا هو فهم تحليلي لمعاني التشريع في المصلحة والمفسدة، والخير والشر، والخطأ والصواب. وتشخيص الوسيلة – وهو المال - يحقق الهدف الشرعي للحكم.

          ومن المسلّم به ان اختلاف الزمان وتباين طبيعة المجتمعات لم يكونا عائقاً من عوائق التطبيق. بل ان التشريع عالج ذلك التباين عبر التركيز على الصفات الثابتة للطبيعة الانسانية، والغاء التفاضل الجاهلي، والغاء الذوق الشخصي والهوى في الاحكام. فاصبح المدار في البحث: ملاك الحكم الشرعي، وبات المقياس الحقيقي للاحكام الشرعية: مصلحة الانسان.

 الحاجة المستمرة للتشريع :

          ان حاجة الانسان للتشريع حاجة لا نهائية، لان التشريع وسيلة من وسائل اشباع الحاجات الاساسية للناس في الايمان بالخالق عز وجل، وحماية الملكية والعقود، ومنع الجنايات والتعدي، وحفظ حياة الانسان والجماعة. وبتعبير آخر، ان التشريع السماوي يثبت اركان السلام في النظام الاجتماعي. وبدون تشريع، فان اهداف الانسان في العيش في حياة كريمة نزيهة تتحطم امام اهواء الناس وطموحاتهم غير المحدودة في الاستئثار بثروات الآخرين وحقوقهم.

ولاشك ان الانسان معرضٌ لانتهاكات حقوقية، ولديه قابلية لاستخدام العنف ضد الآخرين من اجل استرداد تلك الحقوق. وفي ظروف كتلك تصبح الحياة الروحية والاجتماعية صعبة للغاية، ما لم يتدخل النظام التشريعي الديني ليساعد الناس على حفظ حقوقهم الاعتبارية والتكوينية.

          ولاشك ان تعقد الحياة الاجتماعية الحديثة وتطور مبانيها الاقتصادية والتقنية والفنية، جعل الحاجة الى التشريع اعظم من اي وقت مضى. فالمواد الغذائية والبضائع التجارية خضعت للتصنيع والنقل والتوزيع من اجل بيعها على الناس. فاصبحت الضرورة تقتضي حماية ممتلكات الناس وصيانة ارواحهم اكثر من ذي قبل. وباتت الحاجة الى الاحكام الشرعية الخاصة بالمعاملات اشد من الماضي واقوى. واصبحت الحاجة الى معرفة التكليف التعبدي في الصلاة والصوم أكثر من ذي قبل، خصوصاُ بعد تيسر وسائل النقل. واصبح المكلف في هذا العالم المثقل بهموم التقنية الحديثة يعاني من الغربة والوحشة الروحية التي جلبتها الآلة الحديثة.  اذن فالتشريع عامل اساسي من عوامل تنظيم حياة الانسان الاجتماعية الى مستوى لائق يحقق اهداف الخلق وعبادة الخالق عز وجل.

          والقاعدة، ان التشريع السماوي يعبّر عن الارادة الالهية في تعبيد المخلوق للخالق سبحانه وتعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون)[3] ، (ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم...)[4] . فالرسالة الدينية تربي الفرد على السلوك الاخلاقي النظيف، ولكن اذا لم يرتدع الانسان عن ارتكاب اعمال الشر (كالفساد والقتل والسرقة) بالكلمة الطيبة، فان النظام الاجرائي الديني يتعامل مع تلك المخالفات بالعقوبات. فعندما تموت الاخلاق عند المنحرف، فان الدين يفرض الاخلاق الاجتماعية بالقوة عن طريق العقوبات الجسدية او المادية او المقاطعة الاجتماعية. وبذلك، يكون التشريع الديني وسيلة من وسائل احلال السلام الاجتماعي والتعايش الاخلاقي بين الناس.

 المزايا الفلسفية للتشريع :

          ان اللغة الصريحة للتشريع في قضايا تنظيم امور الفرد والجماعة، والتضافر الفلسفي والإلزامي في ثناياها يجعل للشريعة دوراً اساسياً في المجتمع، عبر أمرين:

الاول: تفعيل سلوك الخير عند الانسان وتنشيطه من منظار اجتماعي، الى حد يتطابق مع مراد الشارع.

الثاني: منح المكلف حرية التعبير واختيار السلوك الاجتماعي ضمن اطار ضوابط ذلك التشريع. فالعقد الشرعي في البيع والشراء مثلاً يعبّر عن ضابطة من ضوابط الشريعة في التكسب الحلال؛ وللمكلّف اختيار ذلك الاطار الواسع في العمل وطلب الرزق الحلال. اما السرقة والغش والتطفيف فقد خرجت عن الاطار الاخلاقي للتشريع، فعلى الانسان اجتنابها، بل يستحق من يرتكبها العقوبة او المقاطعة الاجتماعية.

          ومن خلال فهم النصوص الشرعية في الالزام او المنع، نستطيع القول بان التشريع من اعظم نعم الله تعالى على البشرية. وفي ذلك اصول وميزات:

الاولى: الوضوح في النصوص، والمطابقة بين اللفظ اللغوي والمعنى الشرعي الذي نفهمه.

الثانية: ان الاوامر الشرعية بشكل عام موجهة للمخاطَبين وغير المخاطَبين، أي لا ينحصر الخطاب بزمن النص. بل يشمل جميع المكلفين في كل  زمان ومكان، عدا بعض الحالات الاستثنائية القليلة، كالناسخ والمنسوخ ونحوها.

الثالثة: ان للتشريع اهداف معلنة ينبغي الوصول اليها. فالهدف من الصلاة تقريب المكلّف من ربه سبحانه وتعالى؛ والهدف من التعبديات الاخرى كالحج والصوم تعبيد المكلفين لخالقهم وبارئهم عز وجل؛ والهدف من احكام المعاملات تنظيم شؤون الناس وتيسيير حياتهم؛ والهدف من العقوبات الجزائية ضبط المجتمع والحفاظ على نظافته الاخلاقية والاجتماعية.

          ولاشك ان العلم بعدالة التشريع يساهم في اطمئنان المكلّف الى النظام الاجتماعي الديني الذي يخضع له، ويساهم في ثقته بالجماعة التي يعيش بين افرادها. وفي اجواء تلك الثقة وذلك الاطمئنان ينظّم حياته المعيشية والاجتماعية.

          فاذا علم المكلّف بان قتل الانسان البريء حرام وان هناك عقوبة صارمة تنتظره فيما اذا ارتكب ذلك، فانه سيبني حياته على اساس السلم مع الآخرين وعدم استخدام العنف بذلك الشكل الذي يؤدي الى ازهاق النفس البشرية البريئة.

واذا علم المكلّف بان ذبح الانعام الثلاثة من اجل الطعام او اللباس حلال، فانه سيقوم بذلك بدون ادنى تأنيب للضمير ويبني حياته على اساس امكانية عمل ذلك في المستقبل.

والانسان على طول التأريخ تواقٌ للمحافظة على ممتلكاته العامة والخاصة. فهو يحتاج الى حماية المكتسبات الحياتية التي يكتسبها عن طريق عرق الجبين، ويحتاج الى أمان من اجل اداء تكليفه الشرعي في العبادات، ويحتاج الى اشباع حاجاته الاساسية عن طريق نظام حكم اجتماعي يمنع تصادم حقوق الناس ويوقف تشابك واجباتهم. والتشريع الالهي انما جاء من اجل حماية تلك الحقوق الاساسية للانسان.

          وبذلك فان المسؤولية الاخلاقية التي يتحملها الانسان في المجتمع تحتم عليه طاعة التشريع طاعة تامة. فالطاعة تعني استثمار منافع النظام القضائي الذي يحكم بين المتخاصمين بالعدل، وتعني التمتع بالحرية الممنوحة للمكلفين من اجل اداء التكاليف الشرعية، وتعني الطمأنينة التي تساير حفظ مال الانسان وعرضه ونفسه.

          لقد قامت الحضارة الحديثة، صاغرة، على اساس فكرة دينية تؤمن بان حماية ممتلكات الناس وارواحهم واعراضهم هي من اهم العناصر الاخلاقية للمؤسسة السياسية التي تحكم المجتمع. وهي عين الفكرة التي جاء بها التشريع السماوي قبل مئات السنين.

 الحاجة الى الدين

          ان الحاجة الى التشريع تعني ضمناً الحاجة الى الدين في حياة الانسان. فالاعتقاد بالدين وتطبيقه قضية روحية وعقلية؛ والتشريع يتضمن قضايا فكرية إلزامية تحتاج الى وعي وتفكير ونية وقصد. والدين يشرح لنا طبيعة الحقائق التي تكمن وراء عالمنا الظاهري الذي نعيش فيه الآن، ويقول لنا ان هناك خالقاً خلق الوجود، وان هناك حقائق لابد ان نتعامل معها في وضعنا الاجتماعي الدنيوي كحقوق الوالدين ومتعلقات الزوجية وحقوق القاصرين.

          والعبادات ليست حاجات روحية مجردة عن معانيها العقلية. بل ان الارتباط المحكم بين الروح والعقل هو الذي يحدد سلامة تلك العبادة او عدم سلامتها. فالصلاة (باعتبارها من الامور التعبدية لا التوصلية) بدون نية القربة تعدُّ باطلة، وعدم التفكر بما يقوم به الانسان من عبادات يفرغها من محتواها، وعدم التفكر بخالق الوجود والموجودات يقتل الروح الانسانية ويفني فيها كوامن الابداع والطمأنينة والسلام.

          والحاجة الى الدين عند الانسان تعبـّر عن الحاجة الى معرفة الحقيقة الثابتة التي لا نستطيع رؤيتها او لمسها الا عن طريق الفكر الديني في القرآن الكريم وسنّة النبي (ص) وآله الطاهرين (ع). فحاجة الانسان الى المعرفة الدينية تشبه الى حد ما حاجة الاجزاء الى الكل في النظام. فلا نستطيع فهم نظام الخلق والتكوين بصورته الكلية ما لم نفهم الاجزاء الاخرى المتعلقة فيه، بما فيها انفسنا وذواتنا.

          ومن هنا ندرك ان الدين يشجع الانسان على استثمار العقل في التحليل المتعلق بالكون والخلق، وفي التصورات التي يمكن ادراكها ولا يمكن رؤيتها في الخارج. والبرهان يدلُّ على ان للدين دوراً اساسياً في تنمية العقل والروح عند الانسان. فعن طريق العقل يتصور الفرد معنى الوجود والكمال الالهي. وعن طريق الروح يقوم الانسان بتنشيط وسائط الاتصال بينه وبين ربه جلّ وعلا. وعندها يكون العقل والروح من عناصر الكمال عند المخلوق.

          ولكن تلك الدرجة المحدودة من الكمال الانساني مقيدة بقيد فهم الدين واهدافه في الحياة. فالحاجة الى الدين اذن مكملّة الى حاجة الانسان الى عناصر الحياة الاخرى كالماء والهواء من أجل بقائه على بساط الوجود.

 الانسان وفلسفة الدين :

          ان اهمية الدين من الناحية الفلسفية تنبع من النظر الى الدين على اساس انه يعطينا تبريراً منطقياً للايمان بالخالق عزّ وجلّ، ويرشدنا الى قضايا مهمة تتعلق بحياتنا الاجتماعية. فعن طريق فلسفة الدين نتعلم اهمية التجربة الدينية في حياة الاقوام السابقة من البشر، والعلاقة بين العلم التجريبي والايمان، وطبيعة العقيدة الغيبية، وطبيعة الوحي وعلاقته بالانسان وهمومه، ومكانة الدين في الحضارة الانسانية، والتحليل المنطقي للغة الدينية، ودور الدين في الثقافة الاجتماعية، واهمية العبادات.

          ولا يتوقف الدين عند هذا الحد، بل نراه يقدم لنا افكاراً حول عقيدتنا التي نؤمن بها، وسلوكنا الاجتماعي، ويحدد مشاعرنا وعواطفنا تجاه القضايا المختلفة كالعدالة والظلم، والحق والباطل، والخير والشر. وفوق كل ذلك، فان الدين يقدم لنا جواباً شافياً حول المصدر النهائي للاشياء، والقوة الحاكمة على هذا الكون والعالم المحيط بنا، والاهداف النهائية للخلق والتكوين، وموقع الانسان في هذا العالم والعالم الذي يأتي بعده وهو عالم الاخرة. ويقدم لنا ايضاً طريقة حقيقية للاتصال بخالقنا عزّ وجلّ وطلب حاجتنا منه عبر المناجاة والدعاء والتوسل والاستغفار.

          وبكلمة، فان الدين يقدم لنا علاجاً شافياً للحاجات الروحية والامراض النفسية التي تعاني منها الروح الانسانية عندما تنقطع عن خالقها وبارئها عز وجل. لان هناك حاجة عميقة لمعرفة حياة ما بعد الموت، وطبيعة الحساب والثواب والعقاب، وماهية تلك الحياة من الناحية الزمانية والمكانية.

          فالدين اذن يؤثر على جميع المعارف الانسانية من قضايا تجريبية وفنون وآداب واجتماع. فالعلوم التجريبية اليوم تخضع صاغرة لدور الدين في حياة الانسان. والفنون والآداب تستلهم من الدين فهم المصدر النهائي للاشياء، ومعرفة مصير الانسان، وادراك الهدف من الوجود.

 الحاجة الى الفقه

          ولاشك ان هناك حاجة يلمسها الانسان لتنظيم حياته الروحية والاجتماعية عبر النظام الفقهي. والعقل الانساني، وإن كان قادراً على صياغة نظام قانوني، الا انه غير قادر على انتاج نظام يستطيع تحقيق العدالة والكمال الانساني كما نتوخى ذلك من رسالة الدين. ورسالة الاسلام هي الرسالة الوحيدة التي تستطيع تحقيق ما لا يستطيع العقل البشري تحقيقه.

          وبطبيعة الحال، فان الدين لم يكن ليشبع تلك الحاجة الانسانية نحو التشريع لولا امتلاكه ميزتين اساسيتين يفتقدهما القانون الوضعي، وهما : الانسجام مع الفطرة الانسانية، والشمولية أو الاستيعاب.

          فاحكام الشريعة تنسجم مع فطرة الانسان التي تميل نحو التعاون والتكاتف، وتستنكر الاعتداء والظلم والغش. والدين ينظم اسلوب التكاتف الاجتماعي ويعاقب الذين يتعدون على حقوق الافراد، ويرجع الجميع الى عبادة الخالق عز وجل. يقول تعالى : (فاقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلقِ الله، ذلك الدينُ القيم ولكنّ اكثر الناس لا يعقلون)[5] .

          والشمولية تعني ان احكام الشريعة شاملة لجميع افراد الانسان وكل احواله. فشمولها لجميع افراد الانسان يتضح من عدم اختصاص الشريعة بامة دون اخرى، او قوم دون قوم، او زمان دون زمان. بل هي احكام شاملة وخطاب شرعي موجه لكل الناس، كما اشار الى ذلك الذكر الحكيم (وما ارسلناك الا كافةً للناس)[6] . وشمول احكام الشريعة لجميع احوال الانسان تجعلنا نؤمن بان الدين يتعامل دائماً مع طرفي الحياة وهما: الطرف الروحي والطرف الاجتماعي. فالطرف الروحي يفسر للانسان طبيعة العلاقة بينه وبين الخالق عز وجل ويرسم له حدوداً في الاتصال به عبر الصلاة والدعاء والمناجاة. والطرف الاجتماعي يهذب حقوق الفرد وواجباته تجاه نفسه والآخرين.

          والحاجة الى التشريع تترجم في اغلب الاحيان الى الحاجة الى معرفة الاحكام الشرعية التكليفية في الحرمة والكراهة والوجوب والاستحباب والاباحة. وهذا المقدار من المعرفة الشرعية يضمنه علم الفقه. ولم تغفل الشريعة ابداً عن ضرورة طلب العلم الفقهي، بل اوجبته وجوباً كفائياً . وقد ورد في المأثور الكثير من الروايات التي تحثّ على طلب العلوم الفقهية.

          فعن الامام الصادق (ع) : «...لوددت أن اصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا»[7] ، «تفقهوا في الدين فانه من لم يتفقه منكم في الدين فهو اعرابي، ان الله يقول في كتابه : (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلّهم يحذرون)[8] «[9] ، «عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعراباً، فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله اليه يوم القيامة ولم يزكّ له عملاً»[10] ، و«اذا اراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين»[11] . وعن الامام محمد الباقر (ع) : « الكمال كلُّ الكمال: التفقه في الدين»[12] . وفي الاثر ايضاً عن النبي (ص) : «من يرد الله به خيراً فقهه في الدين»[13] .

          ولكن الفرق بين التشريع والفقه هو ان التشريع يطلق على الاحكام الواقعية القطعية، بينما يتضمن الفقه احكاماً قطعية واخرى ظنية. لان مؤديات الاجتهاد مؤديات ظنية، حيث يستنبط المجتهد الحكمَ من الدليل الشرعي.

          وفي نهاية المطاف  فان التشريع يعدُّ حقيقة تكوينية ثابتة من حقائق التكوين، وحقيقة ايمانية من حقائق الايمان بالغيب، وحقيقة عقلية في عالم التحليل الذهني.

الحاجة الى الاحكام الشرعية :

          ان الحاجة الى التشريع اجمالاً تعني الحاجة الى الاحكام الشرعية تفصيلاً. فالتشريع يضم كل الاحكام الشرعية التي جاءت بها الرسالة السماوية. ولاشك ان للاحكام الشرعية رابط فلسفي يربطها بكل الموضوعات الخارجية. فلولا ذلك الرابط الواقعي بين الموضوعات والاحكام، لما استطعنا تطبيق الاحكام خلال تغير الزمان والمكان. وبسبب طروء الاستثناءات على مواقف الافراد كان لابد من تقسيم الاحكام على ضوء تلك الاستثناءات بلحاظ النص والتغير  والحاكمية والمولوية والرتبية والتقريرية.

 اقسام الاحكام الشرعية :

          ويمكن تقسيم الاحكام الشرعية، على ضوء المتغيرات الاجتماعية التي يعيشها الانسان، الى ستة اقسام :

1 ـ الاحكام الشرعية الثابتة والمتغيرة : والاحكام الشرعية الثابتة كوجوب الصلاة والصوم والحج والزكاة مما لا يمكن رفعها او تحديدها. بل لابد من ادائها مهما تغير الزمان والمكان. فالصلاة واجبة في كل الظروف والاحوال، ولها اشكال اخرى في بعض الحالات الاستثنائية كالإكراه والاضطرار. وحرمة الربا وحرمة تناول الخمر وحرمة الزنى من الاحكام الثابتة التي لا يطرأ عليها التغير بالرغم من التغير الاجتماعي او التغير العرفي الذي تشهده المجتمعات الانسانية على طول التأريخ. وبكلمة، فان الثبوت في التعبديات والعقوبات الجنائية ثبوت تكويني لا يمكن ان يُبدّل او يُغيّر بأي صورة من الصور. وهذا هو جوهر التشريع ولب الرسالة السماوية.

          اما الاحكام الشرعية المتغيرة، فهي الاحكام التي شُرّعت بلحاظ العرف الاجتماعي، ولذلك فانها قابلة للتبدل بلحاظ المصلحة او الملاك. ومن ذلك الاحكام المنسوخة كالتوقف عن قتال المشركين في بداية الدعوة ثم وجوبه بعد تهيئة مستلزمات القتال. ومنها ما تعلق بتحديد العقد للعرف الاجتماعي المتغير، مع ملاحظة وجوب الوفاء بالعقد عبر قوله تعالى: (ياايها الذين امنوا اوفوا بالعقود...)[14].

2 ـ الاحكام الشرعية المنصوصة وغير المنصوصة : والاحكام المنصوصة هي الاحكام التي يرد فيها نص خاص يلزمنا باداء الواجب او ترك الحرام. ولكن النص الوارد تارة يشمل المورد بخصوصه كالادلة الواردة في وجوب الصلاة اليومية، ووجوب الصيام في شهر رمضان. وتارة يكون النص الوارد شاملاً المورد بعمومه او باطلاقه، كما هو الحال في حلية التجارة مطلقاً الا ما خرج بدليل. قال تعالى : (...لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارةً عن تراض منكم)[15] . وهذا يدل على حلّية مطلق التجارة الناتجة عن تراض بين الطرفين كالبيع ونحوه الا ما اخرجه الدليل كالتجارة الربوية التي اخرجها الدليل القرآني عن مطلق التجارة الحلال. قال تعالى : (احلَّ اللهُ البيعَ وحرَّمَ الربا)[16] .

          والاحكام غير المنصوصة هي جملة من الاحكام التي نستفيدها من كليات الشريعة لكنها لم تذكر بالخصوص، بسبب طرؤ مواضيعها في الازمان اللاحقة عن زمن النص. كإباحة تأسيس الانظمة الحديثة التي لم تكن معهودة زمن النص مثل المدارس الاجبارية للصغار والمستشفيات ومعاهد البحوث التجريبية، وعدم شرعية بعض المواد المضرة كالمخدرات التي لم يكن للانسان عهد بها من قبل. وقد وضعت الشريعة قواعد نستطيع بموجبها معرفة الحكم من حيث الحلية او الحرمة كاصالة الاباحة «الحلية»، واصالة البراءة، واصالة الاحتياط، واصالة الطهارة ونحوها.

3 ـ الاحكام الشرعية الحاكمة والمحكومة: والاحكام الشرعية الحاكمة هي الاحكام التي تنقض احكاماً اخرى «محكومة» في بعض الموارد. كقاعدة «نفي الضرر» ومفادها ان الحكم الشرعي اذا كان مضراً بالمكلف ارتفع ذلك الحكم حتى يتوقف الضرر. فالصوم الواجب يرتفع وجوبه اذا كان مضراً بالمكلف، ولكن اذا ارتفع الضرر عاد الوجوب. فالحكم الشرعي الحاكم في قاعدة (نفي الضرر) هو الافطار اي عدم وجوب الصوم، بينما كان الحكم الشرعي المحكوم هو وجوب الصوم. فبسبب تلك القاعدة لاحظنا حكومة بعض الاحكام الشرعية على الآخر في تلك الموارد الخاصة.

وكذلك قاعدة «نفي الحرج» ومفادها ان الحكم الشرعي اذا كان فيه حرج ومشقة ولا يحتمل المكلف تنفيذه ارتفع ذلك الحكم. فيرتفع وجوب الصوم اذا كان فيه مشقة للمكلف، ولكن اذا ارتفعت المشقة رجع الوجوب.

وقاعدة «التقية» ومفادها ان المكلف اذا خاف على نفسه من عدو او ظالم فله ان يخالف الشريعة في حدود ما يرتفع به الخوف او الاكراه. كأن يجبره على اظهار كلمة الكفر ولكن قلبه مطمئن بالايمان. فيجوز له المخالفة ليدرأ الخطر عن نفسه.

4 ـ الاحكام الشرعية المولوية والارشادية : والاحكام الشرعية المولوية هي الاحكام الصادرة من الشارع بما له من ولاية على العباد كأمره بالصلاة والصوم والحج ونهيه عن شرب الخمر واكل الميتة ولحم الخنـزير.

          والاحكام الشرعية الارشادية هي الاحكام الصادرة من الشارع للارشاد الى حكم العقل وامثلتها : رفع حرمة اكل الميتة عن المضطر، وتحريم الكذب والغش، وتحريم الظلم.

5 ـ الاحكام الشرعية الاولية والثانوية : فالاحكام الشرعية الاولية هي الاحكام الاصلية الثابتة بما هي هي كالوجوب المتعلق بالصلاة والصوم والحج والزكاة، والحرمة المتعلقة بالكذب وشرب الخمر والغيبة، والجواز المتعلق بالبيع والاجارة والوكالة.

          ولكن اذا طرأ تغير في الموضوع فقد استوجب ذلك التغير تغير الحكم، اي تبدل الحكم من اولي الى ثانوي. ومثاله : اذا كان الصوم مضراً بالمكلف تبدل الحكم من الوجوب الى الحرمة. وهذا التبدل هو تبدل من الحكم الاولي الى الحكم الثانوي بعلّة تغير الموضوع.

وفي بعض الموارد يكون الكذب علّة لانقاذ النفس من القتل، فيكون العنوان الثانوي جائزاً حتى يتم الانقاذ.

واذا كان الهدف من بيع الدار او ايجار المحل هو عمل الحرام كصنع الخمر مثلاً، فالبيع والايجار يكونان محرمين بسبب طرو عنوان جديد وهو الاعانة على الاثم. فيتبدل الحكم من الجواز الى الحرمة لتبدل الموضوع.

6 ـ الاحكام الشرعية التأسيسية والتقريرية : والاحكام الشرعية التأسيسية هي الاحكام التي اسستها الشريعة واحدثتها. فتلك الاحكام لم تكن موجودة قبل وصول التشريع الينا. ومثالها : احكام العبادات كالطهارة والصلاة والصيام، واحكام المعاملات كحرمة الربا، واحكام العقوبات كقطع اليد في السرقة والجلد والتعزير في بعض المخالفات الشرعية.

          اما الاحكام الشرعية التقريرية او الامضائية فهي الاحكام التي جاءت بها شرائع سماوية اخرى قبل الاسلام او نشأت مع العرف العقلائي، واقرتها الشريعة الاسلامية او امضتها مع بعض التغييرات والشروط. ومثالها : احكام العقود، والملكية، وتسلط الانسان على ماله.

 (نهاية ص 36)

السابق                صفحة التحميل               الصفحة الرئيسية


 


 [1] سورة البقرة: الآية 85.

 [2]سورة المائدة: الآية 1.

 [3] سورة الذاريات: الآية 56.

 [4] سورة الاسراء: الآية 9.

 [5] سورة الروم: الآية 30.

 [6]سورة سبأ: الآية 28.

 [7]الكافي ج 1 ص 31- ح 8.

 [8] سورة التوبة: الآية 122.

 [9]الكافي ج 1 ص 31- ح6.

 [10] الكافي ج 1 ص 31 – ح 7.

 [11] الكافي ج 1 ص 32 – ح 3.

 [12] الكافي ج 1 ص 32 – 4.

 [13]صحيح البخاري ج 1 ص 27.

  [14] سورة المائدة: الآية 1.

 [15]سورة النساء: الآية 29.

 [16] سورة البقرة: الآية 275.