(ص 1 - 20) 

 

النظرية الفقهية

الجزء الاول

  

                                        السيد زهير الاعرجي

 ------------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

(اليومَ أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الاسلامَ ديناً)

سورة المائدة : الآية 3.

  

الطبعة الأولى 1421 هجرية

 ------------------------ 

النظرية الفقهية

 

القسم الاول : الانسان والتشريع.

القسم الثاني : المدارس الفقهية في التأريخ الامامي.

           ------------------------

 القسم الاول

 الانسان والتشريع

 

الحاجة التشريعية عند الانسان * التأثير الاجتماعي للتشريع* الحاجة الى الدين * الحاجة الى الفقه .

  ------------------------

 الحاجة التشريعية عند الانسان

          تنبع حاجة الانسان للتشريع الديني من حاجته الماسة للقانون، والنظام، والادارة الاجتماعية، والإلزام، وحماية المصالح الشخصية والاجتماعية المتشابكة. فالطاعة التي يقتضيها التشريع يمكن تبريرها عند الانسان بمقدار الفائدة الروحية او المصلحة الاجتماعية التي يجنيها الفرد من التزامه بمفردات ذلك التشريع، وهو ما يعبر عنه بملاكات الاحكام. ومن هنا نفهم الفرق بين الشريعة والقانون، من حيث ان القانون امرٌ وضعي وضعه الانسان ـ  بالاتفاق  ـ على تسهيل الامور الظاهرية للناس. بينما كانت الشريعة ولا تزال نظاماً صادراً من الخالق عز وجل لتنظيم شؤون الانسان الواقعية على الصعيدين الشخصي والجماعي. ومقدار الفائدة التي يجنيها الانسان من طاعته للتشريع تتناسب مع حجم الكمال الذي يضفيها التصميم الالهي للشريعة.

          ومن الطبيعي، فان الصبغة الاخلاقية للتشريع السماوي تجعل من قضية الطاعة لاوامره ونواهيه قضية فطرية، بمعنى ان التشريع يولّد عند المكلّف شعوراً اخلاقياً لاداء التكليف دون اكراه، كما جاء في النص المجيد: (فطرة الله التي فطر الناس عليها...)[1] ، (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)[2] . ولذلك اشتهر بين علمائنا الاعلام في تفسير الآية الاخيرة ان الرشد هو اصابة وجه الامر ومحجة الطريق.

          وبكلمة، فان حاجة الانسان للتشريع تعبِّر عن حاجته للعدالة واحقاق الحقوق والارتباط بالخالق عز وجل. والطبيعة الانسانية تنتظر من السماء تشريعاً لتنظيم دوافع الافراد نحو العمل والسعي والاحتكاك بالآخرين. فان الدوافع المتباينة للناس والنوايا المبيّتة هي التي تخلق اضطراباً في طبيعة الحقوق الممنوحة لهم والواجبات الملقاة على عاتقهم.

          وبمعنى ثالث، فان الحاجة للتشريع تطابق الحاجة لخلق المجتمع الفاضل القائم على اسس العدالة. فشعور المكلّف بمسؤوليته الروحية والاجتماعية من خلال احكام التشريع واوامره ونواهيه وارشاداته، يتحقق ويتعمق في ظلال المجتمع الديني العادل.

          ومن هنا كان التشريع السماوي اشمل من الدستور الوضعي واعظم. لان الدستور يتعامل مع تنظيم المؤسسات الاجتماعية والحقوقية في الدولة فقط، بينما يتعدى تعامل التشريع السماوي مع المؤسسات الاجتماعية ليدخل الى عالم الانسان بكل ما فيه من مشاعر روحية واحاسيس فطرية وحاجات وحقوق ومسؤوليات ذاتية وخارجية. فدستور الدولة قد يجنح الى تبني النظرية السياسية في التمثيل النسبي. وهي نظرية قد لا تُسعد الناس في كل الاحيان.

بينما نرى ان هدف الشريعة هو اسعاد الناس، حيث يقوم التشريع بترجمة الافكار الدينية حول الفرد والمجتمع والدولة الى قوانين عملية لاسعاد الناس ذاتياً، واقناعهم بالمبررات الاخلاقية لتلك السعادة الذاتية. واذا كان القانون الوضعي يعبّر عن الارادة الانسانية، فان التشريع السماوي يعبّر عن الارادة الالهية في تنظيم الشؤون الروحية والشخصية والاجتماعية للانسان.

 العدالة والحاجة للتشريع :

          وتضحى العدالة موضع بحث وعناية عندما تتشابك علاقة الفرد بالآخرين. فالقيم الدينية تضع الموازين الاخلاقية لتلك العلاقة الاجتماعية بين الناس، عن طريق التشريع. فالتشريع يتعامل مع ثلاثة حقوق اساسية من حقوق الافراد والجماعة، هي:

الاول: حق الفرد في المشاركة العادلة في حيازة قوته من طعام وشراب، ولباس وسكن، وكل وسيلة تسهل له حياة انسانية كريمة. وذلك يتم عن طريق حق العمل والتملك واجراء العقود.

الثاني: حق التشريع في تخطئة وادانة الذين يفشلون في انجاز واجباتهم في العقود كالبيع والشراء والزواج، والايقاعات كالطلاق، والاحكام كالارث والامور الاخلاقية ونحوها، وترتيب آثار مادية او جسدية عليها مثل: التجريم او العقوبة او الغرامة على تلك المخالفات.

الثالث: حق الفرد الطبيعي في عبادة الخالق عز وجل بما يمليه عليه تكليفه الشرعي.

          وما يحتاجه الانسان من تشريع هو تشريع واحد لا تشريعات متعددة. فالتشريع السماوي الواحد هو الذي يربط الناس برباط العبودية لله سبحانه، وهو الذي يشخّص للافراد الاوامر أو النواهي التي اشتاق المولى عز وجل لرؤيتها منجَزة او مجتَنبٌ عنها من قبل المكلفين. ومن هنا كان التشريع السماوي مطابقاً للعدالة بمعناها الواسع. فاذا لم تكن الاوامر والنواهي عادلة ومنصفة فهي ليست حقيقية، لانه لا يمكن ان يشرّع العادل المطلق نظاماً ظالماً للناس. فالتشريع العادل يبثُّ في المجتمع الديني اخلاقاً فاضلة تُسعد الانسان.

          وكلما تفسد الطبيعة الانسانية عند بعض الافراد، تتزايد الحاجة الى التشريع لتثبيت العدالة بينهم وتصحيح ما فسد من طبائعهم. ولذلك فان تنظيم امور دولة شرعية في الحقوق والواجبات والتعبديات يحتاج الى تشريع سماوي. لان التشريع السماوي يقدم لنا مقياساً في السلوك الفاضل. والشريعة ـ  بلحاظ المنشأ والاصل  ـ تمتلك شخصية معنوية إلزامية تربط الآمر بالمأمور.

واذا نظرنا الى التشريع من زاوية النظام الاجتماعي وحقوق الناس، فلاشك اننا نقترب من فهم معاني الهدفية من التقنين الديني. فالتشريع ـ من هذا المنظار ـ بالاضافة الى مساهمته في انشاء الرابطة المولوية والارشادية بين الخالق والمخلوق، يساهم بشكل حاسم في إضفاء الخير العام على المجتمع المتدين عبر تشخيص الحقوق وتعيين الواجبات، بالعدل والانصاف، بين الناس.

 كمالية التشريع السماوي :

          ولاشك ان التشريع السماوي يضم اربعة عناوين اساسية هي :

الاول: الاحكام الشرعية العامة التي تُوصِل الانسان الى غاية طموحاته في الارتباط بخالقه، والى تحقيق العدالة الاجتماعية والحقوقية والقضائية بين الافراد.

الثاني: الاحكام التكوينية الفطرية التي تهدي الانسان الى معرفة خالقه وبارئه، وتهدي الانسان الى استخدام الدليل العقلي الذي يوصله الى فهم الاحكام الشرعية.

الثالث: الاحكام الاخلاقية التي تحبب له السمو والكمال كالعفو عند المقدرة، والاحسان للمسيء، والانفاق المستحب على الفقراء.

الرابع: الاحكام الخاصة التي يصدرها الفقيه ويستمد مبانيها من اصول الشريعة. ولكنه ينظر في الوقت ذاته الى قواعد الشريعة في متغيرات الزمان والمكان.

          وتلك العناوين الاساسية في الشريعة تغطي مساحات واسعة من الحياة الاجتماعية والفردية للانسان.  فالكليات الالزامية التي جاءت بها الشريعة السماوية لحظت التغير الاجتماعي وطبيعة تبدل بعض الحاجات الانسانية. خصوصاً على مستوى المسؤولية الاخلاقية للجماعة، او الدولة بالمصطلح المعاصر.

          ومن هذا المنطلق نلمس ان بروز الدولة الحديثة جعل من التشريع قضية مهمة للغاية. فقد برزت على سطح الفكر الانساني تساؤلات معقدة لايستطيع حلها الا الدين. ومن تلك التساؤلات: كيف تتم صياغة العلاقات القانونية الاخلاقية بين الامم المختلفة ؟ وكيف يتم التفكير بالمؤسسات الاجتماعية ودورها في اشباع حاجات الافراد ؟ وكيف يتم حماية ممتلكات الناس واعراضهم وانفسهم ؟ وكيف يتم تنظيم الدوافع الخيّرة للافراد بما يتناسب وعدم انتهاك حقوق الآخرين ؟ وتلك التساؤلات تجيب عليها النظرية الدينية في الادارة الاجتماعية. فالتشريع الالهي هنا هدفه الخير العام لكل فرد من افراد البشرية، عبر تشخيص الحقوق والإلزامات على الجميع. وبهذا اللحاظ، فان التشريع الالهي مظلّة حقوقية إلزامية تصبُّ في خدمة الفقراء والمحرومين والاغنياء على حد سواء. وتصبُّ في خدمة الروح الانسانية ككل، دون النظر الى الاختلافات التكوينية بين الافراد. ولذلك فاننا نشعر وجداناً ان القوانين الوضعية للشعوب غير كافية لانجاز طموحات الانسان نحو الاتصال بخالقه عز وجل من جهة، ونحو تحقيق السلام الاجتماعي والعدالة الحقوقية بين الشرائح المختلفة للبشرية من جهة اخرى.

          ولاشك ان كمال التشريع الالهي يستدعي وقفة للنظر الى طرفي الوجود وهما الخالق والمخلوق. فالتشريع يستمد كماله الموضوعي والفلسفي من المرسِل عز وجل وهو خالق الوجود ومصدر الكمال المطلق واليه المنتهى في كل مسائل الكون والحياة والخلق. بينما يتحلى المرسَل له وهو الانسان بصفات نسبية مثل : العقلانية، والروح الاجتماعية، والغيرية بمعنى انه مسخرٌ لخدمة غيره. ولذلك فان التشريع يخدم الانسان من حيث تنظيم طبيعة العلاقات بينه وبين الافراد الذين تتضارب صفاتهم تلك وتتشابك على ضوء المصالح التي تتحكم فيها قوانين الخير والشر.

 حق طاعة الله تعالى:

          ان التشريع السماوي لا يعطي الحق لاي انسان في الادعاء بان له حقوقاً آلهية ينبغي مراعاتها عبر الامتثال له وطاعته من دون الله سبحانه. بل ان التشريع يضع اسساً للتفاضل بين البشر. فالانبياء (ع) وائمة الهدى (ع) افضل من بقية البشر، بسبب نظرية الاصطفاء الالهي. وهو – سبحانه – يصطفي من يشاء من عباده ويختار. ولكنهم – على عظيم فضلهم واصطفائهم – بشرٌ يمتثلون لأمر الله تعالى.

ولم نعلم تأريخياً ان اياً من هؤلاء الاطهار عليهم افضل الصلوات والسلام قد طالب الناس بحقٍ ليس له. وقد قال تعالى مخاطباً رسول الله محمد (ص): (إنما انت نذير والله على كل شيء وكيل)[3] ، (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين)[4] ، (قل ما كنتُ بدعاً من الرسل وما ادري ما يفعل بي وبكم)[5] . وما افتراه اهل الكتاب بشأن عيسى (ع) لايعدو الا كذباً محضاً : (وإذ قال الله ياعيسى ابن مريمَ أأنتَ قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله. قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق)[6] .

وذلك يعني ان التبليغ أو التبيين هو الوظيفة الكبرى للانبياء والمرسلين وائمة الهدى عليهم السلام اجمعين. والتبليغ يعني دعوة الناس الى التوحيد؛ والتبيين يعني  شرح مفردات الرسالة السماوية بما فيها من اوامر ونواهي، وواجبات ومحرمات. ولاشك ان اختلاف الناس في اداء الواجبات وترك المحرمات يؤدي الى اختلاف حقوقي يقتضي الفصل بينهم عن طريق القضاء الدنيوي او القضاء الاخروي من قبل الله سبحانه وتعالى.

          وقد حفل القرآن المجيد بفكرة تنـزيه الانبياء والمرسلين (ع) عن القصور او التقصير في تأدية وظائفهم التبليغية. يقول تعالى : (ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)[7] . ويقول بخصوص الرسول الاعظم خاتم الانبياء (ص) : (انه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلاً ما تذّكرون. تنـزيل من رب العالمين. ولو تقوّل علينا بعض الاقاويل. لاخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من احد عنه حاجزين)[8] .

          اذن، فالبشر جميعاً – مبلِّغين ومبلَّغين – يخضعون لله الواحد القهار بالطاعة المطلقة والتسليم التام. وهذا هو حق الله تعالى في الخلق والايجاد.

 القضاء:

          ولاشك ان التبليغ الرسالي قد لا يؤدي دوره المرسوم له من قبل الله سبحانه ما لم يتلازم مع نظام قضائي محكم لحل الخصومات بين الناس باحقاق الحقوق واقرار الواجبات ومعاقبة المنحرفين والجناة. فكان القضاء في الرسالة الدينية اليد الحديدية لتثبيت السلام الاجتماعي في المجتمع الديني.

          واستقلال القضاء في النظام الشرعي يعني ان القاضي العادل يعبّر عن صوت التشريع السماوي. فالقاضي يساهم في استنباط الحكم وتطبيقه لا في صنعه ولا في انشائه. وكذلك الحال في عموم الفقاهة، فيكون الفقيه العادل المبسوط معبّراً عن صوت التشريع لا صانعاً له.

وارادة المشرِّع تلحظ طبيعة المكلّف وقدرته على تحمل التكليف ضمن المبادئ الاخلاقية التي ارشدنا اليها المبنى الديني. فاضحى التشريع يحتضن مفاهيم جديدة تخدم النظام الاجتماعي عبر خدمة الافراد، مثل: الواجب، والحق، والعقوبة، والجزاء، والثواب، والاحسان، والنفقة، والولاية، والاقرار ونحوها. وتلك المفاهيم الدينية في الحقوق والواجبات قرّبت افكار السماء الى الانسان الذي كان ولا يزال يبحث عن مخرج للخروج من مشاكله الدنيوية الارضية. فاصبح التشريع وسيلة من وسائل الانسجام الفطري بين المخلوقات ذاتها، وبين المخلوقات وخالقها العظيم ايضاً.

          والتشريع السماوي راسخٌ في ضمائر المؤمنين كما رسخت اللغة في اذهانهم. لان مراد المشرّع عز وجل ان يتوافق التشريع مع فطرة الناس ويتناغم مع حاجاتهم الروحية والشخصية والاجتماعية. وبذلك يساهم التشريع والقضاء الديني ـ  بشكل فعّال  ـ في موازنة المصالح الشخصية للمكلفين مع المصالح الاجتماعية للجماعة، خصوصاً على الاصعدة الحقوقية والتكليفية والاخلاقية.

 التأثير الاجتماعي للتشريع

          ان وجود التشريع في المجتمع البشري يؤثر تأثيراً حاسماً على طبيعة علاقات الناس وفهمهم لبعضهم البعض. ولما كان التشريع يتضمن درجة من درجات التعقيد في الاستنباط والتحليل، كان لابد من تدريب البعض على التعلم والحفظ والنقد والتحليل. وهو ما نفهمه من منطوق الآية الفرآنية الشريفة : (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين...)[9] . اي ان التشريع ـ  ومن اجل ان يطبَّق  ـ يحتاج الى خبراء متمرسين في العلم والاجتهاد، والفتوى والقضاء، كي:

1 ـ يبينوا للناس طبيعة الاحكام في العبادات.

2 ـ ويساهموا في تثبيت النظام في المعاملات من خلال امضاء : العقود، والملكية، والحيازة.

3 ـ ويساهموا في تشخيص القضايا الحقوقية من خلال تعيين : الحقوق، والواجبات، والإلزامات، والمسؤوليات الاخلاقية.

4 ـ ويساهموا في تهذيب نيات الافراد ودوافعهم التي لا يعلمها احد الا الله سبحانه، عن طريق الارشاد والوعظ والتبليغ.

5 ـ ويساهموا في الفصل بين النـزاعات الشخصية عن طريق النظام القضائي، من خلال جبر الضرر، أو انزال العقوبة.

(تليها صفحات 21 - 36)

 

اللاحق                    صفحة التحميل               الصفحة الرئيسية
 


[1]  سورة الروم: الآية 30 .

 [2] سورة البقرة: الآية 256.

 [3]سورة هود: الآية 12.

 [4] سورة الاحقاف: الآية 9.

 [5] سورة آل عمران: الآية 79.

 [6] سورة الانبياء: الآية 107.

 [7]سورة المائدة: الآية 116.

 [8]سورة الحاقة: الآية 40 – 47.

 [9] سورة التوبة: الآية 122.