(ص 111- 156)

3 ـ وجوب الطاعة للإمام المعصوم (ع) زمن الحضور أو نائبه الفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة، ووجوب طاعة الدولة عبر مؤسساتها الإجرائية والقانونية.

ومناقشة تلك الحقوق الاجتماعية واقرارها لا تستدعي فقهاً جديداً، ولا تتطلب حيوداً عن طبيعة الإلزمات والأوامر الدينية. بل انها تتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة حاجات الإنسان المعاصر، وتتطلب أيضاً اجتهاداً معمقاً لربط القواعد الكلية للشريعة بالفروع المتغيرة التي يعيشها إنسان اليوم.

وأي إنتهاك لهذه الحقوق المفترضة يمثل إضراراً معنوياً ومادياً بالأفراد المشتركين في العيش على تراب المجتمع الإسلامي. ولاشك أن لكل تلك الحقوق مؤيدات روائية في كتب الحديث يمكن الرجوع إليها، من أجل إدراك تلك الوجوه والإعتبارات التي يمكن إستلهامها من قاعدة نفي الضرر.

ولاشك أن إزدياد عدد الأفراد في مجتمع جديد معقد يحمل أفكاراً جديدة، ويعيش نمطاً جديداً من الحياة، وينهض بمسؤوليات متغيرة كل يوم، يجعل من قضية تشخيص الحقوق الواجبات أمراً مصيرياً لا يمكن الفرار منه بأي حال من الأحوال.

إن تلك الحقوق الأربعة ليست حقوقاً مدنية محضة، كما هو مدعى البعض، بل هي حقوق دينية تناولتها الشريعة في مواطن مختلفة تحت عناوين: المكاسب، والولاية الشرعية، وكليات البيع والشراء والإجارة ونحوها. حتى أن الحقوق الثانوية التي لم تتناولها لوائح حقوق الإنسان الحديثة كحق الأمومة، والجيرة، والرحم تناولتها الشريعة بتفصيل مسهب.

ولكن تبقى نقطة مهمة ينبغي معالجتها هنا، وهي أن الحقوق التي نستطيع إدراكها عن طريق تطبيق قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" تبقى مجرد إدعاءات ما لم تقترن بنظام إجرائي صارم يحفظ تلك الحقوق ويثبتها ويمنع أي تلاعب لمضمونها وأي إنتهاك لحرمتها. وهذا هو الذي يدعونا إلى مناقشة طبيعة النظرية الاجتماعية زمن الغيبة. فإن في بناء مجتمع إسلامي واحد ـ على الأقل ـ تتحقق فيه العدالة الظاهرية، تهيئة عظيمة لمقدمات ظهور الإمام القائم (عج). وما تثبيت الرابطة الحقوقية بين الناس  التي تجمع الأفراد، على إختلاف مذاهبهم الفكرية والإقتصادية والدينية، على أرض الواقع الا مقدمة من مقدمات بناء المجتمع الديني. فالمسلم والنصراني، والفارسي والعربي، والغني والفقير يستطيعون العيش على تراب مجتمع واحد على أساس القانون الحقوقي الذي يجمعهم تحت راية الوطن أو الدولة الواحدة.

وبطبيعة الحال فإن إنتهاك الحقوق المرسومة للأفراد يسبب إضراراً بهم، كما ألمحنا إلى ذلك سابقاً. إلاّ أن التقاعس عن أداء الواجبات يسبب هو الآخر إضراراً ببقية الأفراد في المجتمع. فتكون الحقوق الفردية ـ على الأغلب ـ متلازمة مع الواجبات الاجتماعية ولاشك أن للواجبات محورين رئيسيين: الأول: إيجابي، كدفع الضريبة المالية في الزكاة والخمس، والتكليف الشرعي في الجهاد والقتال، وبقية الواجبات التعبدية بكافة أشكالها وصورها. والثاني: سلبي، وهو ما يتعلق بالسلوك الفردي في المجتمع. وأمثلته: الإلتزام بالإبتعاد عن المحرمات الشرعية الاجتماعية كالسرقة والقتل والغش، والمحرمات العبادية كالإفطار في شهر رمضان وترك الصلاة ونحوها.

وعدم الإلتزام بتلك الواجبات الشرعية يسبب ضرراً أو إضراراً تحرمه الشريعة عبر قاعدة نفي الضرر وعبر قواعد عقلائية أخرى كقاعدة "العدل والإنصاف" ونحوها. فكان لابد من إنشاء نظام خاص بالعقوبات لمعالجة تلك الحالات التي تنتهك فيها الواجبات الاجتماعية بالخصوص، السلبية منها والإيجابية. وهو ما قام به الإسلام في مؤسساته الإجرائية القضائية الخاصة بالقصاص والتعزير وتعويض الضحية.

ولاشك أن فاعلية أداء الواجبات الاجتماعية بين الأفراد في مجتمع إسلامي ينبع من قوة الإلزام الشرعي والأخلاقي الذي تصممه الرسالة السماوية في ذات الفرد المؤمن بها. ولكنها مع ذلك، وضعت لكل واجب يؤديه المكلف حقاً معنوياً أو مادياً يستحقه عاجلاً أو آجلاً. فالواجبات الإيجابية والسلية تستحقان رفع العقوبة الدنيوية والأمان من العذاب الآخروي.

أن الواجبات التي حددتها الرسالة الدينية خضعت دائماً للإطار الأخلاقي الإلزامي. وهي بذلك الإطار نفت الإكراه الذي يلازم الواجبات الوضعية غالباً. فالواجبات الشرعية، إيجابية كانت أو سلبية، هي واجبات أخلاقية قبل أن تكون واجبات قانونية. بمعنى أن الواجبات الشرعية طوعية في طبيعتها، بل يندفع الفرد المتدين نحو تأديتها بدافع الإمتثال لمولاه العظيم. والتقاعس في تأديتها تشعر الفرد بالذنب والندم. فالمتدين ـ بطبيعته الخيرة ـ يبتعد أخلاقياً عن السرقة والعنف والغش، ويحن دائماً نحو مساعدة الآخرين وعدم إيقاع الأذى والحرمان بهم.

وقد يبرز هنا سؤال مهم، وهو: هل ان نفي الضرر والإضرار يعني المساواة بين جميع الأفراد؟ والجواب على ذلك إن قاعدة نفي الضرر لا تعني المساواة التامة بين الأفراد، لأن الفوارق التكوينية بينهم تقتضي تفاضلاً متبايناً بين فرد وآخر. فالمساواة تعني المشابهة، بمعنى إشتراك جميع الأفراد بنفس المواصفات في الشخصية، والدافع، والتصور، والإدراك، والقوة، والقابلية على الأداء. والمساواة بهذا المعنى لا تنطبق على الواقع الإنساني أبداً. والاختلاف التكويني والقدرة على الأداء يقتضيان إختلافاً في درجات التملك، وحيازة الأشياء، والأجر، والتفاضل الاجتماعي.

إلا أن هناك صفة عامة يشترك في التلبس بها غالبية الأفراد. وتلك الصفة تتمثل في طبيعة الإنسان ـ وبدرجات متفاوتة ـ في النظر بدافع الأولوية لمصلحته الذاتية والإعتناء بها من خلال مشاعر البهجة والإنشراح بالتملك والكسب، ومن خلال مشاعر الألم والأسى بالفقدان والخسارة والحرمان. ومن هنا كانت قاعدة نفي الضرر والإضرار إطاراً شرعياً عاماً لحفظ مصالح الأفراد الذاتية من الانتهاك من قبل الآخرين. وبتعبير آخر، فإن قاعدة نفي الضرر، ومع ملاحظة الفوارق التكوينية، قد حفظت شخصية الإنسان المعنوية في قضية الكرامة وحفظ المصلحة الذاتية للإنسان. فقابلية الفرد التكوينية، ومهما بلغت من درجات الضعف مبلغاً، لا تستطيع أن تقف حائلاً أمام حقه في حفظ مصلحته الحقوقية الذاتية من إنزال الضرر أو الإضرار به من قبل الآخرين.

ب ـ المشكلة الأخلاقية

إن فهم المشكلة الأخلاقية يرتبط بفهم قضية الخير والشر، والحق والباطل. فما لم يكن هناك تحديد واضح لتلك القضايا والمفاهيم، فإنه يصعب تحديد قضية العقوبة والثواب، والجزاء القضائي، وإقامة الحدود.

ونحن نفهم أن القرآن الكريم بدأ بتحديد قضايا الخير والشر عبر قوله تعالى: (ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)، (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد)، (قد أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس). وتلك آيات مباركات تتعلق بقضايا الخير والشر. ثم وضَعَ قوانين الحدود (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما...)، (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة...)، (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب...). وتلك آيات مباركات تتعلق بقضايا العقوبة، أو ما بعد تحقق الشر.

وبكلمة، فإن مشكلة الشر تبقى من أهم المشاكل التي تواجه النظام الاجتماعي الديني. فلابد من فهم الأبعاد الفلسفية لمشكلة الشر.

مشكلة الشر:

إن مشكلة الشر هي أساس المشكلة الأخلاقية. فالشر هو نقيض الخير في كل الأبعاد التي يمكن تصورها. وعندما نتحدث عن الشر هنا، فإننا نقصد به الشر المناقض للأخلاق الدينية من قبيل (...فالهمها فجورها وتقواها...). ولا نقصد به الشر الناتج عن الأمراض أو الكوارث الطبيعية من قبيل (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون). فالشر والخير الذي عبر عنهما القرآن الكريم بالفجور والتقوى يعتبران حقيقتان مستقلتان عند المخلوق يستطيع تنميتهما أو حسرهما كلاً على حدة. فقد يستطيع الإنسان تنمية عناصر الخير والجمال والحب عبر استثمار حصة التقوى الموجودة في نفسه، في الوقت الذي يحسر فيه حصة الفجور. ويستطيع أيضاً تنمية عناصر الشر والقبح والكراهية عبر استغلال حصة الفجور الموجودة في نفسه، في الوقت الذي يُحسر فيه حصة التقوى.

ونتوصل هنا إلى نتيجة مهمة وهي أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ وهو مصدر الخير المطلق والجمال المطلق، خلق كل شيء للخير ومن أجل الخير. ولكنه سبحانه، وهب الإنسان القدرة على الاختيار بين الخير والشر. فإذا أحب الإنسان الفجور وعمل به أصبح فاجراً فاسداً، وإذا أحب الخير وعمل به أصبح تقياً خيراً.

إن الشر هو المنطلق الرئيسي لكل الآثام الاجتماعية والشخصية التي يرتكبها المذنب. فالعلة الأساسية للأمراض الأخلاقية في المجتمع هو الشر. ولذلك فإن اجتثاث جذور الشر من نفس الإنسان هو من أولويات الرسالة الإلهية. لأن النتيجة النهائية للشر هو معصية الله ـ سبحانه ـ وهي أعظم درجة من درجات الفساد الأخلاقي التي يمكن تصورها عند العقل البشري.

إننا لو حذفنا الشر من حياتنا الدنيوية لعشنا في سعادة مطلقة. ولكننا لا نستطيع أن نحذف الشر من حياتنا، لأن هذه الحياة مبنية على الاختيار بين الخير والشر على ضوء قوله تعالى: (ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها...). ولو حُذف الشر من هذا العالم لأصبحت حياتنا على وجه هذه الأرض حياة آخروية لا حياة دنيويةً. وهنا تأتي المفاهيم الدينية لتفسر لنا وجودنا في هذه الحياة كالامتحان الآلهي، والاختيار، والحكم على المكلفين بمقدار الذنوب التي يرتكبونها، أو الحكم عليهم بمقدار الطاعات والتكاليف التي يؤدونها.

ومن الطبيعي، فإن الآلام التي تعاني منها الإنسانية في تأريخها الطويل مصدرها عدم وجود حكم ديني عادل يحكم بين الناس بالإنصاف وينظم شؤون الأفراد في الحقوق والواجبات. ولاشك أن الحرب، والظلم، والاعتداء، والتعذيب، والتجويع ونحوها من أهم الوسائل التي تؤدي إلى المعاناة الإنسانية. ولذلك، فإن الشريعة عالجت مشكلة الآلام الإنسانية التي يصنعها الإنسان لأخيه، عبر تاسيس الولاية الشرعية للمعصوم (ع) أو من ينوبه من الفقهاء. أما مصادر الآلام الأخرى كالأمراض، والفيضانات، والزلازل، والمشاعر الطبيعية الناتجة عن فقدان الأحبة فهي تعدُّ من تركيبة العالم الدنيوي الذي نعيش فيه. ولا اخال أن إنساناً يفكر بأن تلك الآلام يمكن أن يختبرها الإنسان المؤمن في جنان الخلد.

إن البحث الفلسفي عن أصل الشر لا يوصلنا إلى نتيجة مثمرة. فهو إن توصل إلى أن الشر من الإنسان، اقتصد الإنسان في البحث عن وسائل غلق الشر. وإن توصل إلى أن الشر نتيجة طبيعية خارج حدود الإنسان، عجز البحث الفلسفي عن إثبات ذلك. ولكننا نستطيع أن نصل إلى ثمرة لو فهمنا وظيفتنا العملية تجاه الشر. ووظيفتنا العملية، حسب مقتضيات التشريع، هي تقليل حجم الشر في المجتمع الإسلامي إلى أدنى حدٍ ممكن.

ولاشك أن الشر على النطاق الاجتماعي يبذر بذوره المدمرة على مساحة واسعة في الجريمة والاعتداء والاغتصاب، تقع كلها تحت مظلة عنوان الانحرافات الاجتماعية.

 معالجة الانحرافات الاجتماعية:

وتُقسم الانحرافات الاجتماعية إلى أربعة أقسام هي:

1 ـ الاعتداء على النفس البشرية وما دونها، كالقتل والجرح والشجاج ونحوها. والحد فيها عقوبة الموت في قتل العمد وما دون النفس يتعين القصاص، وفي قتل الخطأ وشبه العمد تتوجب الدية. وفيها تفصيلات مسهبة يجدها الباحث في المتون الفقهية؛ والمحور في معالجة هذا القسم من الانحرافات الاجتماعية هو القِصاص، وهو الذي تشير إليه الآية الشريفة: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسنّ بالسنّ، والجروح قصاص فمن تصدّقَ بهِ فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون).

2 ـ الاعتداء على الملكية. كالسرقة والغصب والجناية على الحيوانات باعتبارها ملكاً لأصحابها. والحد فيها القطع، ووجوب رد المغصوب، والضمان في تفصيلات تُحّال إلى محالها. ولكن التذكير بالقطع، وهو الوارد في الكتاب الحكيم: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم)، يقلص حجم الشر في المجتمع إلى أدنى حد ممكن. وكذلك امره تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل). فإن منطوقها يصرح بحرمة أكل المال بالباطل، ومفهومها يلمح بمحو الشر من سوق المسلمين ونشر الخير بين الجماعة.

3 ـ الجرائم الخلقية كالزنا والقذف ونحوها. وفي معالجتها الرجم والقتل والجلد. وفي قوله ـ تعالى ـ تأديب للمنحرفين: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). وتلك بحد ذاتها عملية أخلاقية لإبعاد الشر عن النظام الاجتماعي.

4 ـ المخالفات المرتكبة ضد النظام الاجتماعي. ويلحظ فيها ضرر النظام كله، كالمحاربة والاحتكار وظلم الحاكم. وفي معالجتها القتل، والتعزير، ومحاربة الظالم. يقول تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).

ومعالجة تلك الانحرافات الاجتماعية لا تتم بشكلها الطبيعي ما لم يتواجد على تراب المجتمع الإسلامي عدالة قضائية تأخذ حقوق الضعفاء من سطوة الأقوياء. فالمحكمة الشرعية في المجتمع الديني تشكل واجهة من واجهات  العدالة القضائية.

العدالة القضائية:

ولاشك أن تطبيق الحدود بصورتها الكلية يستلزم تحقيق العدالة القضائية. بمعنى أن اختلاف إنزال العقوبات يجب أن يكون مرتبطاً فقط باختلاف القرائن الموضوعية والشروط والظروف التي تم فيها الانحراف.

والأصل، أن العقوبات تنـزل بجميع الجناة الذين ارتكبوا الانحراف فعلاً بنوايا مسبقة ومصممة لانزال الأذى بالآخرين. ومعنى هذا انه ليس هناك تمييز بين جاني وآخر في تطبيق العقوبة المفروضة. بل ان الاختلاف، لو حصل، إنما يتعلق بتباين الظروف الموضوعية التي أحاطت بالجناية. فعندما لا يعثر على الجاني فإنه يرجع إلى القسامة ضمن شروط معينة مثلاً.

وإذا لم تتحقق العدالة الاجتماعية، فلا يمكن قطع يد السارق الذي سرق لاطعام اسرته الجائعة. وما لم تمتد يد الفقيه وتُبسط في جميع أركان المجتمع، لا يمكن التحدث عن إنزال العقوبات الأخلاقية بالمنحرفين. وما لم تنشط الوسائل الاجرائية الخاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن التحدث عن النـزاهة الأخلاقية للأفراد.

وهذا التفكير يقودنا إلى فكرة مهمة وهي أن إنزال العقوبات بالمنحرفين تعني احترام الحياة الإنسانية للأبرياء، والاهتمام بالجماعة ونظافتها الأخلاقية. فكانت أهم نتائج نظام العقوبات الإسلامي هو تغيير السلوك الاجتماعي العام إلى مستوى تضييق الفجوة بين نيات الأفراد وبين أعمالهم، وتقريب دوافعهم الخيرة إلى مسافة قريبة من آمال الدين في تحقيق المجتمع الأخلاقي العادل.

الواجبات الدينية والأخلاقية:

فمن الطبيعي أن الحقوق الدينية والمدنية مرتبطة بالواجبات. ولكن الواجب لا يؤدى بشكله الشرعي الصحيح ما لم يتحقق على أرض الواقع أمران، الأول: وجود الوازع الذاتي عند الإنسان حيث يدفعه لأداء الواجب. والثاني: القانون الخارجي الذي يفرض على المكلف عقوبة إذا تماهل في أداء ذلك الواجب.

ولكن إذا مات الوازع الذاتي فإن العقوبة تكون الخط الفاصل بين الحقوق والواجبات الاجتماعية والجزائية. وإذا كان الدين يمنح حقوقاً أخلاقية للفقراء كحق استلام الصدقات والمساعدات الخيرية من الأثرياء، فإنه يفرض واجبات أخلاقية مشابهة فيما إذا تبدل وضع الفرد المالي وانتقل من الفقر إلى الثراء؛ ومصاديقها دفع الصدقات المستحبة والإحسان إلى الفقراء والمساكين. وتلك حقوق وواجبات إضافية غير الحقوق والواجبات الأساسية، كدفع الزكاة والخمس والصدقات الواجبة.

ومن خلال استقراء الأحكام الشرعية الخاصة بالأفراد والجماعة، فإننا نلمس اننا لا نملك خياراً غير عدم التفريط بالحقوق والواجبات في النظام الاجتماعي. فمقابل كل حق هناك واجب ضروري ينبغي أن يؤدى، أخلاقياً، على الأقل. فكما أن حقوق الأفراد في النظام الاجتماعي مصانة في الإسلام، فإن الواجبات المفروضة عليهم ينبغي أن يراعيها الأفراد أنفسهم. فالحقوق الممنوحة للأفراد في النظام الإسلامي مرتبطة بالإلزامات الاجتماعية والدينية التي فرضتها الرسالة الإلهية على المكلفين. فالقدرة على كتابة الوصية، والقدرة على نقل الملكية بالبيع، والقدرة على توكيل الوكيل كلها تعطينا صورة واضحة عن طبيعة الحقوق والواجبات من الزاوية الشرعية.

فالقدرة هنا تعني القابلية على تحمل المسؤولية الأخلاقية لنقل الحقوق وتبديل صورة الواجبات. أي أن المكلف يمتلك قدرة نفسية وجسدية على تحمل مسؤوليات الواجب الشرعي عندما يتطلب التكليف ذلك. ولديه قدرة أيضاً على تسليم الحق الذي بحوزته إلى مكلف آخر، عن طريق البيع أو التوكيل أو الوصية، إذا استدعى الموقف الشخصي أو الاجتماعي ذلك.

ومن هنا ندرك، كبشر، ان الحق لا يمنح مجاناً ما لم يتلازم مع صورة من صور الإلزام الأخلاقي بأداء الواجب. وتلك الفكرة بحد ذاتها تساهم في تنشيط الجانب الابداعي للأفراد في المجتمع. فليس في المجتمع الديني مقاعد خاصة بالأفراد الذين يستلمون الحقوق فقط دون أداء واجباتهم الاجتماعية. فالعامل له حق الأجر العادل وعليه واجب أداء العمل، والفلاح له حق الأجر العادل وعليه الانتاج، والفقيه له حق الفتوى وعليه طلب العلم وممارسة الاجتهاد، والولي له حق الطاعة وعليه الادارة الاجتماعية، وهكذا الأمر بالنسبة لجميع المكلفين. ويستثنى من ذلك المضطر والقاصر والمضطرب عقلياً ونحوها من الاستثناءات التي فصلتها المتون الفقهية.

ج- المشكلة التعبدية

إن الحقوق الدينية مرتبطة بالواجبات والتكاليف الشرعية. ومعنى أداء التكليف، أن المكلف ينبغي أن يؤديه بوازع ذاتي يدفعه لأداء ذلك الواجب. وإلى ذلك أشارت الكثير من الآيات القرآنية المجيدة مثل قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الألباب)، (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).

والمشهور أن ملاكات الأحكام التعبدية غير قابلة للفهم عند الفقهاء. ولذلك فإن العبادات ثابتة حكماً ولا تتغير موضوعاتها. والمعروف أن أحكام العبادات توقيفية، بمعنى أن صحتها تتوقف على النية لا على ما هو راجح عقلاً. والحقيقة المتشرعيه في المعنى العبادي إجمالاً يقينية واجماعية.

إن الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات مثلها مثل الثوابت المنطقية التي لا تتأثر بالمتغيرات ولا تقبل التبعيض أو التجزيء أو الالغاء. فهي توقيفية وثابتة بثبوت الجوهر والصفات؛ ولا نستطيع ادراك ملاك الأحكام التعبدية، بل لا نستطيع ادراك العلاقة بين الحكمين الشرعي والعقلي في العبادات. ولكننا نستطيع ادراك حقيقة وجوب أداء العبادات الجماعية والفردية. ولكن ما هي مسؤولية الفقيه وحدود ولايته في تعبيد الناس لله سبحانه؟ سؤال قد تتحدد الاجابة عليه عبر فهم قضيتين: القضية الموضوعية، والقضية الحكمية.

1 ـ القضية الموضوعية: وهي قضية تنمية الدوافع نحو أداء التكاليف. ولاشك أن الولاية الشرعية للفقيه تفتح أبواباً لتطبيق فكرة "وحدة الاطار" التي أشرنا إليها سابقاً. فعن طريق تطبيق الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتطهر المجتمع من الرذائل الأخلاقية ويلقي عن ذاته عباءة الآثام والذنوب. وعندها تنمو الدوافع الذاتية نحو أداء التكاليف الشرعية بما فيها من واجبات ومستحبات.

ولاشك أن الأصل في العمل التعبدي هو إيجاد نية القربة إلى الله تعالى في الأداء. فلولا النية لا يتحقق القصد إلى العبادة. فالتأثير على الأفراد من أجل استحداث نوايا خيرة لأداء التعبديات هو الذي يساهم في تنمية الدوافع الذاتية نحو تحقيق الاتصال بالله سبحانه وتعالى عبر الصلاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها. والاندفاع نحو تأدية الصلاة جماعة مثلاً لا يتم إلا بتنشيط الجانب العقلي الذي يمتثل للأمر المولوي المتحدث بلغة الفطرة الانسانية والداخل إلى أعماقها. فالفقيه يحاول، عبر الأمر بالمعروف، تنمية الدافع الذاتي نحو أداء الأعمال التعبدية. وبتعبير آخر أن الفقيه يستطيع أن يؤسس لعلاقة فلسفية بين جسد المكلف وعقله. فعندما تتحرك نوايا المكلفين لأداء العبادات ينجح الدين في بناء الجسر الموصل بين النية والعمل، والقلب والجسد، والقصد والواقع. فالدوافع التي يحركها الفقيه عند المكلفين إذن، هي دوافع امتثالية للأوامر الشرعية الإلهية.

وبكل