|
(ص 56 - 110) ولاشك إنا نلمس إطلاق الأدلة على وجوب إقامة الحدود والتعزيرات، والقضاء، وأخذ الحقوق وتوزيعها، ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، والدفاع عن حياض الإسلام. وعدم وجود دليل على تفكيك تلك الأحكام أو توقف ذلك على زمن النص أو حضور المعصوم (ع) يعني أن تطبيق الإسلام من قبل المكلفين يمتد إلى يوم القيامة. ولكن تنفيذ تلك الأحكام يحتاج إلى مدير مجتهد لإدارة المجتمع على ضوء الشريعة، وأحكام الدين. والدليل العقلي هذا يكشف لنا الدليل الشرعي الذي صرح بالقول... (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض...)، (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، (ما كان لهم الخيرة)، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، (إن الحكم إلا لله...) ونحوها. 3 ـ ان عمومات الآية القرآنية التالية شاملة لجميع المكلفين بما فيهم الأنبياء والأوصياء (ع)، بان يحكموا بما انزل الله تعالى من أحكام: (... ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون... وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جائك من الحق... لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً... أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون). ودلالة هذه الآية الشريفة هو وجوب تطبيق أهل الانجيل بما أنزل الله تعالى من أحكام، ووجوب حكم رسول الله (ص) أيضاً بما أنزل الله عليه من أحكام. ولاشك أن المراد بإيتاء الحكم هو تشريع الأحكام في عالم الجعل، وجعلها تحت تصرفه (ص) كي تكون ملاك عمله وحكمه (ص). ولكن الأصل هو أن يحكم (ص) المكلفين بما أنزل الله تعالى، فلا يبقى ريب أن زمن الغيبة يفتح الباب للفقيه كي يرشد الناس إلى الأحكام الالهية ويساهم في تنفيذها. وهذه الآية واردة في رسول الله (ص)؛ وإنما يستفاد جريان الحكم في الأئمة المعصومين (ع) ومن بعدهم فقهاء أهل البيت من الأخبار فيما يتعلق بالولاية ووجوب الطاعة والتبعية لهم. ومن ذلك صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: "إن الله ـ عز وجل ـ ادب نبيه فاحسن أدبه. فلما أكمل له الأدب قال: (وانك لعلى خلق عظيم)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده فقال عز وجل: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فإنتهوا)". ومنها رواية عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرضا (ع): "بالامام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وامضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والاطراف. الامام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة". ومنها قوله (ع): "وان العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح له صدره لذلك، واودع قلبه ينابيع الحكمة والهمه العلم إلهاماً، فلم يعِ بعده بجواب ولا يحير فيه عن الصواب. فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد آمن من الخطايا والزلل والعثار. يخصه الله بذلك ليكون حجة على عباده وشاهده على خلقه. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم". 4 ـ ان اهمال البحث عن الولاية الشرعية للفقيه في الأوساط الفقهية قد يرجع في بعض جوانبه إلى اختلاف مباني الدولة القديمة عن الدولة الحديثة. فنشوء الدولة الحديثة في القرون الأخيرة من عمر الإنسانية كان قد أوجد حاجات جديدة لم تكن من مباني الدولة القديمة. فالتعليم الإلزامي، والتطبيب الواسع النطاق، والإدارة الاجتماعية المعقدة، والنظام الحديث للآلة لم يكن من مباني الدولة القديمة. بينما كانت الدولة القديمة تعيش على الزراعة وعلى شكل بسيط من الصناعة وطرق أولية في النقل. ولم تكن التجمعات السكانية في المدن بهذا التعقيد. وتلك الفجوة بين مباني الدولتين القديمة والحديثة تركت آثارها على الفقه. فولاية الفقيه بالنسبة لعصر الشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري تختلف من حيث المصاديق عنها في عصر القرن الخامس عشر الهجري. فإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، والقضاء، والتصرف في أموال الغائبين والقاصرين من أهم ولايات الفقيه في القرن الخامس الهجري. ولكن ولاية الفقيه اتخذت شكلاً آخر اليوم في قضايا الاقتصاد والاجتماع والزراعة والصناعة والنقل والدفاع والقضاء ونحوها. وهي بضميمة الثوابت في الأحكام والمواضيع تحتاج إلى انفتاح واسع على حاجات الأفراد وفهم متطلبات حياتهم الإنسانية. 5 ـ لا نستطيع استخدام أصالة البراءة هنا، لأن أصول المعاملات غير أصول العبادات. فإذا زعم أنه عند قيام الشك بشرعية ولاية الفقيه، فلابد من التمسك بالبرائة. ومع جريان اصالة البرائة إذن لا نحتاج إلى ولايته. هذا الرأي لا يمكن الأخذ به. لأن ذلك الأصل منتف بانتفاء الموضوع. فإننا لو طبقنا أصالة البراءة على المشاكل الاجتماعية لانحسر الإسلام عن المجتمع وعن نظامه السياسي. 6 ـ ان اصطلاحات مثل "الأعلمية المطلقة" و"الأعلمية الاضافية" و"المرجعية" لم يشر إلى اعتبارها في الأخبار الواردة عن أئمة أهل البيت (ع). ولو كانت موجودة في الروايات لوصلت إلينا يداً بيد، ولكنها غير موجودة. ولكن المتأخرين من الفقهاء استخدموها بسبب طرو حاجة ماسة أوجدها التغير الاجتماعي وتعقد الحياة الاجتماعية. فافرزت فكرة "وحدة الاطار" ومبدأ "عدم تفكيك التكاليف الدينية" آراءً حول ضرورة الرجوع إلى الفقيه الأعلم في زمن الغيبة لإدارة الأفراد في مجتمع المسلمين (وليس في دولة إسلامية). لأن إدارة الدولة الإسلامية يحتاج إلى فهم شامل لقضايا الحقوق والواجبات الخاصة بالفرد والجماعة، وهي مسؤولية أثقل من مسؤولية الفقيه المختص بالعبادات وجزء يسير من المعاملات. وهذا يفسر القول بعدم بسط يد الفقيه في العصور التي سبقت عصر الحكم الإسلامي في إيران سنة 1399هـ 1979م. واصطلاح "الأعلمية" ورد في بحوث "الاجتهاد والتقليد" من زاوية الرجوع إلى الأعلم. وهو مستمد من عملية عقلية تفصح عن رجوع الجاهل إلى العالم في أغلب شؤون الحياة ولا تقتصر على جانب معين. واصطلاح "المرجعية" ورد في بحوث المتأخرين من الفقهاء، كان قد فرضته فكرة "وحدة الاطار" في سبيل اصلاح النظم الاجتماعية لشيعة أهل البيت (ع) والرجوع إلى قائد علمي لديه الولاية الدينية الشرعية من أجل تنظيم أمورهم في غياب المرجعية السياسية. ودليله (... فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). وتلك الصفات إذا اضيفت إلى الولاية الشرعية للفقيه، بضميمة الشروط الأخرى، فلاشك انها تضفي على منصب الولاية بعداً عقلياً بالاضافة إلى بعدها الشرعي. لكنها تبقى صفات متممة ومكملة للقائد الديني زمن الغيبة. 7 ـ ان القدر المتيقن من الولاية زمن الغيبة يشمل مساحة الإدارة الاجتماعية للفقيه. وهذا واضح لمن ذاق طعم الفقه وأدرك لحن الروايات. فالأمور الاجتماعية وإدارتها ترجع إلى الفقيه الجامع للشرائط، لأنه القدر المتيقن ممن يحتمل أن تكون له الولاية. فمن غير المحتمل أن يرخص الشارع لغير الفقيه بإدارة المجتمع بما فيه من أموال ونفوس وأعراض. ومن غير المحتمل أن يهمل جانب الإدارة الاجتماعية فيؤول الأمر إلى الفساد وانتهاك أصالة وجود الدين في حياة الإنسان. 8 ـ استلهام كليات الولاية الشرعية من عهدي رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) باعتبار أنهما كانا مبسوطي اليد وقاما بإدارة الدولة والإشراف على شؤون النظام الاجتماعي بشكل شامل. ومن تلك الكليات نعرض نموذجاً: أ) في معاني الولاية قال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين (ع) بذي قار وهو يخصف نعله. فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها! فقال (ع): (والله لهي أحب إلي من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً). ودلالتها إن الولاية مرآة المسؤولية الشرعية في إقامة الحق ودفع الباطل، ولكنها ليست إمرة تسلط وعدم انصاف. ب) في توزيع الثروة الاجتماعية عن الإمام أمير المؤمنين (ع): (فمن آتاه الله مالاً فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب، وابتغاء الثواب. فإن فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا، ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله). ويقول الإمام (ع) في خطبة له تشتمل على تهذيب الفقراء بالزهد: (أما بعد، فإن الأمر ينـزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان، فإن رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكونن له فتنة... وإن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام...). وتشتمل نفس الخطبة على تأديب الأغنياء بالشفقة، فيقول (ع): (ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه...). ودلالتها حسن توزيع الثروة الاجتماعية بين الأفراد، وعدم ادانة الغني في المجتمع إذا كان الغنى قد اكتسب بطريق مشروع. ج) في الحقوق والواجبات عنه (ع): (... فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل وجرت على إذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، أو أجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس). وعنه (ع) أيضاً: (أيها الناس إن لي عليكم حقا، ولكم عليّ حق: فاما حقكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين ادعوكم، والطاعة حين آمركم). ودلالتها ان الولاية تقتضي حسن التدبير من قبل الوالي، وحسن الطاعة من قبل المكلف. ولكن تلك الكليات العظيمة لا تستطيع فعل فعلها، ما لم توضع في مواضعها الصحيحة التي تتناسب مع روح الاطار والموضوع الذي جاءت من أجله. ولا يمكن تصور إدارة اجتماعية لمجتمع ديني دون ولي حكيم يستمد من مباني الشريعة الأحكام والقوانين التي يسنها لتنظيم شؤون الناس. ثانياً: الإمكان الفلسفي يتضمن الإمكان الفلسفي شروطاً لقيام الدولة، ومواصفات لشخصية الفقيه، والسلطة التي يتمتع بها. ولاشك أن الولاية الشرعية تعبر عن سيادة الدولة الدينية على تمام أراضيها بما يحفظ أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم. الدولة: وهي إن كانت اصطلاحاً دينياً أو علمانياً، فإنها تعبر عن المؤسسة السياسية وشبكاتها المتجسدة بالعلاقات السياسية. فـ"العلاقات" هنا هي المفتاح في فهم موضوع الدولة؛ بمعنى أن الدولة تنظم شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم من جهة، وبين المحكومين أنفسهم من جهة أخرى. ففي المجتمع الزراعي يرتبط الفلاح العامل على أرضه بعلاقة ما بمالك تلك الأرض. وفي المجتمع الصناعي يرتبط العامل الصناعي بعلاقة ما بصاحب الرأسمال. وفي المجتمع المدني يرتبط المواطن بعلاقة ما بالمدير الذي يتولى إدارة تلك المنطقة الإدارية. وتلك العلاقة بمجملها يفترض أن تنظم قضايا الحقوق والواجبات في المجتمع. ومنذ بزوغ شمس الرسالة الإسلامية بدأ التأثير الروحي والاجتماعي على الأفكار السياسية واضحاً. فقد أنشأ رسول الرحمة (ص) أول دولة دينية سماوية قامت على أساس الوحي والأحكام الشرعية. وكان الأمر في عهد أمير المؤمنين (ع) متطابقاً من حيث المحتوى والهدف مع دولة رسول الله (ص). فقد كان اهداف السلطة السياسية العامة للدولة الدينية تعلن عن صورة كاملة للحقوق والواجبات التعبدية والاجتماعية. وكان قائد الدولة من نبي أو إمام معصوم متفرغاً للادارة الاجتماعية وكان موكلاً لتنظيم تلك الحقوق والواجبات، من أجل تعبيد المكلفين للخالق عز وجل. وهذا المفهوم الديني للدولة يختلف عن مفهوم النظام الملكي، حيث يزعم الأخير، بأن الأمة تحمل استعداداً لمنح الملك حقوقاً سلطانية إضافية. وتلك الحقوق الإضافية الممنوحة من قبل الأمة تخول الملك صلاحيات الملك والسلطة. وهذا الزعيم يحتاج إلى الكثير من التبرير والتوضيح. لأننا لم نلحظ في حياتنا أن أمة قد منحت ـ باختيارها ـ المَلِك صلاحيات التسلط عليها. شخصية الدولة وشخصية الفقيه: ولو آمنا أن الإدارة الاجتماعية زمن غيبة المعصوم (ع) هي للفقيه المجتهد، فلابد ان نفهم طبيعة العلاقة السياسة بين الفقيه والإنسان الذي يعيش على أرض الدولة الدينية. فكيف تصاغ تلك العلاقة، على ضوء حقوق الدين والمواطنة؟ فمن حق الفقيه الولي أن يعاقب الجناة ويقتص منهم، ويحكم بين المتخاصمين، ومن واجبه أن يشيع الأخلاق والفضائل بين الناس، وينظم شؤون المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والسوق والمدرسة وثكنة الجيش والمستشفى ونحوها. ولكن ما هو الخط الفاصل بين الولاية الشرعية والدولة الحديثة؟ لاشك أن الولاية الشرعية تعني تحديد سياسة المؤسسات الاجتماعية التي نطلق عليها بـ"سياسة الدولة". فعندما نقول أن الدولة الشرعية قررت إنشاء المدارس لتعليم الأطفال نعني بذلك ان الفقيه المدبر قد استنبط حكماً شرعياً بحلية انشاء المدارس على أقل تقدير، أو بوجوب تعليم القاصرين. فاصبحت نظرية الفقيه في التعليم سياسة للدولة تنفق عليها بما يقتضي تحقيق أهدافها في نشر المعرفة بين الناس. ولكن هل هذا يعني أن فقيهاً واحداً، نعتبره ولياً، قد عكس تصرف كل الفقهاء؟ والجواب على ذلك يتم من وجهين: الأول: ان وحدة الولاية تعني وحدة التمثيل الفقهي لكن لا تعني وحدة المدارس الفقهية المختلفة. بمعنى أن كل ما يعنينا هو وحدة التمثيل الفقهي في الإدارة الاجتماعية. وبتعبير ثالث ان الولاية الشرعية لا يمكن تجزئتها بين عدة فقهاء، بل لابد من فقيه واحد كفوء يتصدى لقيادة الأمة. وهذا هو ما نفهمه من "وحدة التمثيل الفقهي". فالفقيه الولي يدرك مغزى الدليل الشرعي، وفي ضوء استنباطه لمسائل الإدارة الاجتماعية ومن وحي اجتهاده، يتصرف لإبراز الحكم الشرعي بما هو حكم إلزامي لجميع المكلفين. أما قضية توحيد المدارس الفقهية في رأي واحد فهذا من موارد الإستحالة العقلية لاختلاف الآراء والادراكات واختلاف الظروف التي صدرت فيها تلك الفتاوى والآراء الفقهية. الثاني: ان مهمة الفقيه الولي تكمن في صياغة العلاقات الشرعية بين الأفراد ضمن ضوابط دينية. فإذا كان قادراً على صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكان قادراً على الربط بين الحقوق والواجبات، وكان قادراً على تشخيص علاقة المكلف بربه فإنه قد حقق مهمة الدين في الحياة الإنسانية. وهذا هو تفسير الفقهاء القائلون بامتداد ولاية النبي (ص) والإمام (ع) إلى الفقيه الجامع للشرائط. فإن المهمة الأساسية للتبليغ وإقامة الدين هو صياغة تلك العلاقات الشرعية بين الأفراد، والفرق بين وظيفة المعصوم ووظيفة غير المعصوم في هذا النطاق هو في الدرجة لا في الرتبة. لأن إقامة الحدود، وتوزيع الثروة الاجتماعية، وأداء التكاليف تتم بوجود المعصوم (ع) أو الفقيه على حد سواء. ولكن تنحصر بعض الأحكام بحضور المعصوم (ع) كالجهاد الابتدائي ووجوب صلاة الجمعة والعيدين ونحوها. نعم إذا أخذنا الموضوع من زاوية العصمة وعدم العصمة أي من زاوية الواقع والظاهر، فإن الاختلاف يكمن في الرتبة. ولكننا نتحدث هنا عن تحقيق أهداف الدين في تعبيد الأفراد لله سبحانه وتعالى. وبكلمة، فإن شخصية الدولة الدينية تكمن في شخصية الفقيه الولي ودرجته العلمية في الإدارة الاجتماعية والفقهية. فالولاية هنا تهتم بشؤون المكلفين باعتبارهم أعضاء في المجتمع، تماماً كما تهتم بالمؤسسات الاجتماعية باعتبارها آلات لخدمة الناس ـ مكلفين كانوا أو قاصرين ـ وتسهيل مهمة معيشتهم من أجل عبادة المولى عز وجل. درجة الفقاهة ومقدار الولاية: وفي ضوء تلك الأفكار نتسائل: هل هناك رابط بين درجة الفقاهة ومقدار الولاية؟ أي هل هناك علاقة متوازية بين شخصية الفقيه ودرجة الإلزام الشرعي في الأحكام الولائية وغير الولائية؟ لاشك أن إدراك مباني الشريعة يحتاج إلى قدرة فائقة على الاستنباط الشرعي والعقلي. فكلما كانت قدرة الفقيه واسعة في الاستنباط كانت قدرته على إدراك مقاصد الشريعة أوسع وأكثر استيعاباً وشمولاً. والإلزام الشرعي بالأحكام من قبل المكلفين لا يولده الفقيه بقدر ما يولده الحكم الشرعي ذاته. فالأحكام الشرعية تخلق لدى المكلفين مسؤولية اخلاقية بضرورة الامتثال. ولكن درجة الفقاهة المطلوبة للإدارة الاجتماعية متلازمة مع درجة الكفاءة التي يتمتع بها ولي الأمر في تسيير شؤون الأمة. فالولاية تضع منهجاً اجرائياً محكماً للإدارة. أو بتعبير آخر أن الولاية الكفوءة قادرة على ترجمة التشريع الديني إلى قوانين عملية تنظم الحقوق والواجبات، وتكافئ وتعاقب، وتصل وتقطع. فالكفاءة العلمية الفقهية الإدارية إذن هي الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتحقق في شخصية الفقيه الولي. وإذا تحققت تلك الكفاءة اقترب الفقيه من الواقع الخارجي في إدراك الأحكام واستنباطها. أما درجة الإلزام عند المكلفين فهي قضية تعالج من طرق أخرى كالتعليم والتربية ونشر الوعي بينهم. فوظيفة الفقيه في حقل الولاية تعبر عن صورة كلية أو اطار شمولي لما يوصله علمه في الإدارة الاجتماعية، ولكن وظيفته في اسرته كأب أمر آخر متعلق بكفاءته الأسرية، ولا علاقة لها بوظيفته العلمية الاجتماعية. فقد يحابي ابنته على ابنه أو العكس، ولكن لا يستطيع فعل ذلك في حقل الولاية الاجتماعية. لأن الدليلين الشرعي والعقلي يغلقان أبواب المحاباة العاطفية لفرد دون آخر في المجتمع. أما المعصوم (ع) فوظيفته في كل الأحوال هي وظيفة الولاية والتبليغ وقد كان النبي (ص) (أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ولذلك فإنه (ص) إذا أكرم ابنته على زوجته، فإن ذلك التكريم يعني تكريماً إلهياً لا تكريماً أبوياً مجرداً. ومن هذا المنطلق نفهم مكانة أمير المؤمنين (ع) وفاطمة الزهراء (ع) من قلب رسول الله (ص)، بل نفهم مكانتهم في التشريع بشكل أعم. ان فلسفة الدولة بالمعنى الحديث تستدعي خضوع كل مواطن يعيش على أرضها للقوانين والأحكام التي تحكمها. فالمواطنة على ارض الدولة تعني المشاركة الفعالة في رفد المجتمع بالعمل والرأي والانتاج، والى ذلك أشار أمير المؤمنين (ع) "ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم". ومن أهم ثمار تلك المشاركة الفعالة هو إطاعة الدولة الشرعية اطاعة تامة. واطاعة الدولة تعني بالدلالة التضمنية، اطاعة ولاية الأمر بفضيلة انطباق شخصية الدولة على شخصية الولاية. ولاية افلاطون وولاية الفقيه: وإذا كان افلاطون قد نادى في كتابه "الجمهورية" بفكرة "الفيلسوف ـ الحاكم"، فإنه قد نادى ـ في الواقع ـ باستثمار الدليل العقلي في الإدارة الاجتماعية. فكان يحاول تجنيب المجتمع المثالي اسقاطات صراع المصالح المتضاربة بطريق "وحدة الرؤية العقلية" التي تنور عقل الفيلسوف وتمنع صراع المصالح. ولكننا نرى ان نظرية افلاطون قاصرة عن مجاراة النظرية الإمامية في الإدارة الاجتماعية. فالفقيه الولي يستطيع إدارة المجتمع عن طريق استثمار الدليلين الشرعي والعقلي. وهما أوسع وأكمل من الدليل العقلي المجرد الذي نادى به افلاطون. وهو دليل قد يخطئ وقد يصيب. بينما نحن نؤمن بأن الدليل الشرعي لا يخطئ أبداً لأنه صادر من مصدر الكمالات في الوجود وهو الله سبحانه وتعالى. وبذلك، فإن إدارة الفقيه الولي للمجتمع في كل زمان ومكان أفضل من إدارة الفيلسوف الحاكم للأسباب التالية: 1 ـ كمال الدليل الشرعي الذي يستخدمه الفقيه من أجل الإدارة الاجتماعية. فالحقوق والواجبات، والعقوبات والمكافئات على ضوء النظرية الدينية لا تحتاج إلى تعديل أو تغيير أو اعادة نظر لأنها وردت من قبل الحاكم المطلق وهو الخالق عز وجل. 2 ـ ان الدليل العقلي الذي يستخدمه الفقيه الولي يفوق الدليل العقلي الذي يستخدمه الفيلسوف الحاكم، لأن الدليل السابق كاشف عن الدليل الشرعي. فالعقل في الفقه يتحرك ضمن دائرة الشريعة، فلا يتجاوزها. بينما يتحرك العقل في حقل الفلسفة بما يناسب توجهات الفيلسوف وذوقه الشخصي في النظرة للحياة والواقع الخارجي. 3 ـ ان الدولة التي دعا لها افلاطون في كتابه المشهور "الجمهورية" هي دولة مثالية يحكمها الفيلسوف، بينما نلمس أن الدولة التي يدعو لها الدين هي دولة واقعية يحكمها الفقيه. ويكمن الفرق بين الفقاهة والفلسفة في نكتة مهمة وهي أن الفقه تناولَ الجانب الواقعي من حياة الإنسان وعلاقته بربه وبابناء جلدته، بينما تناولت الفلسفة الجانب التحليلي الذهني حيث لا يمكن ضمان هداية طريقها في كل الأحوال. 4 ـ ان فكرة إطاعة الدولة من قبل المكلفين في النظرية الإسلامية تعد أكثر انسجاماً مع رسالة الدين من فكرة اطاعة الفيلسوف في الدولة الافلاطونية. فالفيلسوف قد يستطيع اقناع شريحة من الأفراد بالطاعة ولكنه لا يستطيع اقناع الكل. وإذا اتخذ العقوبة كبديل للاقناع، فما هو المبرر لإنزال تلك العقوبة بالمخالفين؟ ولكن فكرة الإلزام الشرعي في الرسالة الدينية مستمدة من فكرة مرضاة الخالق عز وجل. وفي ذلك ثواب اخروي يقنع الإنسان بالأداء. بينما لا يستطيع الفيلسوف أن يقدم أكثر من مبرر "حسن النظام" كمورد للطاعة. فنستخلص من ذلك أن اطاعة الفقيه الولي في دولة دينية هو أكثر انسجاماً مع إيمان الفرد من اطاعة الفيلسوف في دولة مثالية. ولاية الفقيه والتعبير عن المشاعر: ان كليات ولاية الفقيه تنطبق على المجتمع إن كان مجتمعاً صغيراً يعرف فيه الناس نظائرهم وجهاً لوجه كالمجتمع الزراعي ومجتمع القرية أو المدينة الصغيرة، أو كان مجتمعاً كبيراً واسعاً كما هو الحال في مجتمعات المدينة الكبيرة اليوم. فالإدارة الاجتماعية الدينية أكثر تعقيداً للمجتمع المعاصر بالمقارنة مع المجتمعات البدائية. ولكن لو نظرنا إلى الحاجات الإنسانية التي تحتاج إلى إدارة، للزمنا القول بأن الحاجات الثابتة كالسكن والتزاوج والبيع والشراء أكثر من الحاجات المتغيرة كالتطبيب والتعليم ونحوها. والأصل في ذلك أن الكليات واحدة في الرتبة، والفروع متغيرة في الدرجات. لكن يبقى سؤال مهم يحتاج إلى بحث وهو: هل ان الولاية الشرعية للفقيه كافية لاشباع مشاعر الناس بحيث يستطيعوا التعبير عن الفضائل والامتيازات الإنسانية؟ والجواب على ذلك: نعم بالتأكيد. لأن الشعور بالحرية في المجتمع الديني وممارسة العبودية لله ـ سبحانه ـ يفتحان الطريق نحو الإبداع والصعود في السلم الأخلاقي نحو درجات الكمال. ولاشك أن الاشتراك مع الآخرين في العبودية المطلقة لله ـ عز وجل ـ ترفع المكلف من ضيق المصلحة الشخصية إلى افق المصلحة العامة في التعاون والتعاضد، وبذلك يصبح الإنسان في المجتمع الديني إنساناً اخلاقياً يفكر بمصلحة المجموع قبل أن يفكر بمصلحته الخاصة. ومن هنا كان الامتثال لولي الأمر معبراً عن الآثار الأخلاقية لنشاط المؤمن في طهارة الروح وقوة العقل. لأن الغرض في الامتثال هو عبادة الله ـ عز وجل ـ وفي ذلك نكتة مهمة وهي أن القوانين الصالحة تصلح شأن الإنسان، بينما تفسد القوانين الفاسدة شأن الإنسان والمحيط الموجود حوله. فإذا كانت القوانين تدعو إلى الخير والمحبة والعدالة والسلام. فإن النمط الحياتي للناس سيرفل بثوب المحبة والتعاون والاخاء الاجتماعي والإيثار ونبذ التنافس المحموم الذي يؤدي إلى صراع المصالح. وإذا كانت القوانين تدعو إلى الجور والقهر والحرب، فإن النمط الحياتي للناس سيتشح بالظلم والقطيعة وصراع المصالح. ومع هذا الوضوح العقلي لطبيعة المشاعر الإنسانية تجاه الولاية العادلة التي تفصل القوانين الصالحة عن القوانين الفاسدة، إلا أن الاتجاه العلماني الفلسفي لم يدرك لحد الآن قيمة تلك المشاعر. فقد حاول افلاطون وجاك ـ روسو ان يرفعا فكرة "الدولة" إلى مصاف التعبير عن الكمال الإنساني، ولذلك فقد اعتبر "صراع المصالح" من قبيل الحالة المرضية التي ينبغي القضاء عليها. لكن "صراع المصالح" كان حالة طبيعية في نظر ميكافيلي، وتوماس هوبس، وجيرمي بنثام، لأن الدولة عندهم ما كانت إلا تعبيراً عن حالة تنظيم المنافسة الاقتصادية والاجتماعية بين الناس. وقد حاولت تلك الآراء ابعاد الدين عن دوره الحقيقي في الحياة الاجتماعية. ونحن نخالفهم في ذلك الاتجاه تماماً، لأننا نؤمن بأن الإسلام يوفر أجواء عظيمة للانسجام الاجتماعي عبر تقليل المنافسة الاجتماعية على حطام الدنيا. وهو نفس الحطام الذي يدفع الأفراد نحو الصراع الاجتماعي. فالدين يدعو إلى الخير والابتعاد عن الشر. ودعوة كهذه، تحت ظل قيادة رشيدة كقيادة الفقيه الكفوء، تنشر الخير وتحسر الشر. فهي تدعو إلى تنافس مشروع في مجالات الخير، ولا يمكن وصف التنافس المشروع بصراع المصالح بل لابد من التعبير عنه بالمنافسة الأخلاقية الشريفة على الكسب المشروع. والفقيه الولي، عبر ادراكه لحن الروايات ومذاق الشارع، يستطيع تغيير صورة الصراع الاجتماعي وشروطه عبر توزيع الثروة الاجتماعية توزيعاً عادلاً، والغاء النظام الطبقي، واشباع الفقراء، والتذكير بالآخرة، والتذكير بمخافة الله ـ سبحانه ـ وهذا بمجمله يؤدي إلى انسجام المصالح وتناغمها بدل صراعها وتشابكها. وبهذه الصورة المتكاملة لادارة الدولة والمجتمع لا تصبح الدولة اطاراً للذنوب كما زعم أوغستين، ولا تصبح اطاراً لصراع الطبقات كما زعم كارل ماركس. بل تصبح دولة إيمان وجهد وعمل من أجل عبادة الخالق ـ عز وجل ـ كما يدعو لها الإسلام. ويمكننا أن ننظر إلى المشاعر الإنسانية تحت ظل ولاية الفقيه من زاوية ثالثة، وهي: أن المجتمع المدني يحتاج إلى فقيه مدبر من أجل المحافظة على الحقوق التكوينية والاعتبارية للأفراد. وطالما كان العقل يحث الإنسان على الإيمان بالله سبحانه، فإنه يحثه أيضاً على إطاعة الموكول بإدارة تلك الدولة التي يعيش تحت لوائها. فالإنسان يستطيع العيش بسلام مع ضميره ونفسه اللوامة وهو في دائرة الطاعة للفقيه الولي. لأن تلك الطاعة لا تنتهك طاعة المولى عز وجل، بل هي مقدمة موصلة لطاعة المولى سبحانه. وإذا تم ذلك فإن شروط الصراع الاجتماعي ستتغير، ويتحول ذلك الصراع إلى انسجام نفسي وروحي واجتماعي مع الآخرين، كما المحنا إلى ذلك آنفاً. وبذلك تصبح نظرية "الأمان" التي تقدمها الدولة الشرعية على النفس والمال والعرض محور عمل الفقيه الولي. فإذا كان الإنسان هو محور عمل الدولة على ضوء قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر...)، فإن تحقيق "الأمان" على النفس والمال والعرض حتى يعبد الله تعالى هو محور عمل الفقيه الذي تثنى له وسادة الولاية الشرعية. وبذلك تصبح قوانين الملكية والعقود والعقوبات والضمان في خدمة الإنسان، لا أن يكون الإنسان عبداً خادماً للدولة، كما هو المعمول به في بعض المجتمعات. وفي النهاية، فإنه سيشعر بأنه إنما يقوم بوظيفته الاجتماعية لا من أجل خدمة غيره فقط، بل من أجل خدمة نفسه والآخرين أيضاً. الفرق بين الولاية والسلطة: ان الولاية الفقهية تعني القدرة الشرعية التي يتمتع بها الفقيه في اجراء الحدود، وإقامة العدالة القضائية، وتعيين الحقوق وفرض الواجبات. فسلطنة الفقيه لا تتم ما لم تكن لديه الولاية ـ لا مجرد التصرف ـ على الأموال والنفوس والأعراض. والولاية تختلف عن السلطة المجردة، لأن في الولاية عدلاً يطمح لتحقيقه بينما يظن أن في السلطة ظلماً يراد فرضه. والفرق بين الولاية الشرعية والسلطة المجردة كالفرق بين الإمام العادل وقاطع الطريق. والأفراد يذعنون لكليهما، ولكنهم يذعنون للأول بالاختيار ويذعنون للثاني بالإكراه. فالأفراد يذعنون بالاختيار إلى الولاية الشرعية، لأن سلطنة الفقيه عليهم سلطنة شرعية عادلة. ولكنهم يذعنون بالإكراه لسلطة قاطع الطريق ويسلمونه أموالهم، لأنه تسلط بقوة السيف. والفارق هنا بين الإذعان للولاية والإذعان لسلطة قاطع الطريق هو الفارق بين الولاية الشرعية العادلة والسلطة غير الشرعية للظالم. ومن هنا نفهم أن ولاية الفقيه، على الصعيد الشرعي، تعني قدرته على التأثير على سلوك الآخرين، والمكلفين بالخصوص. ولكن ذلك التأثير تأثير على طريق الخير، ولذلك جاء الاختيار في الاذعان. على عكس المتسلط الذي يكره الآخرين على الإذعان لسلطته، فهو اذعان على طريق الشر. وبمعنى آخر، ان الولاية تستبطن لوناً من المسؤولية في رعاية الآخرين وضمان حقوقهم الشخصية والاجتماعية. وتستبطن أيضاً لوناً من السلطة الأخلاقية التي تستيطع اجراء الحدود وارجاع الحقوق وردع الباطل. بينما لا تستبطن السلطة المجردة إلا ابتزاز حقوق الناس وانتهاك حرماتهم. وبالاجمال، فإن للولاية منشأ شرعي، بينما لا تمتلك السلطة المجردة ذلك. والقيد في السلطة الشرعية ان تكون نابعة من الولاية الممنوحة للفقيه في النصوص الشرعية. وفي ضوء هذه الأفكار نستطيع أن نقسم السلطات إلى ثلاث أنواع: 1 ـ الولاية الشرعية للمعصوم (ع). وتستبطن عدالة واقعية. 2 ـ الولاية الشرعية للفقيه. وتستبطن عدالة ظاهرية. 3 ـ السلطة المطلقة لغير الفقيه، ظالماً كان أو جاهلاً. وإذا حذفنا سلطة غير الفقيه من القاموس الديني، باعتبار أنه لا يمكن الرجوع ـ في الإدارة الاجتماعية ـ إلى الجاهل بالأحكام الشرعية أو العقلية. فإن الخيار ينحصر في القسمين الأولين. ولكن العلاقة بالمعصوم (ع) لا تتحقق في كل الأحوال. فتكون الولاية الشرعية للفقيه، القدر المتيقن لتحقيق عدالة ظاهرية بين الأفراد في مجتمع الغيبة. ومن الطبيعي، فإن سلطنة الفقيه على المكلفين أمر ممكن فلسفياً، لأنه يستطيع الجزم بانقيادهم له. فهو لا يستهلك طاقته بدفعهم نحو الامتثال، بل يصبّ اهتمامه في استثمار الصلاحيات الممنوحة له بحكم التشريع وتوظيفها بقصد تنظيم شؤونهم العبادية والحقوقية والفكرية. بمعنى أن الفقيه يصدر الأحكام والتعليمات الشرعية، بينما تقوم الأجهزة الإدارية التي يشرف عليها بتنمية دوافع الناس نحو الطاعة وأداء التكاليف الشرعية، اجتماعية كانت أو شخصية محضة. ولأن الفقيه يستمد فتاواه وأحكامه من أحكام الشريعة، فإن ذلك يعتبر صمام أمان من التعدي عن الحدود التي رسمتها له الشريعة. أي لما كانت الشريعة تدعو إلى اصالة العدالة بين الناس، فإن ذلك يمنع العالِم بأحكام الشريعة من أي استبداد بالسلطة لأن الاستبداد ينافي العدالة. وعلى أي تقدير، فإن الفقيه الذي يتولى أمر الأمة ويقودها، يكون له الحق في الإدارة الاجتماعية حتى لو انكرت اقلية من الناس ذلك. فقد أنكرت مجموعة من الأفراد التي دخلت الإسلام حديثاً، على رسول الله (ص)، بعضاً من ولايته. وأنكرت مجموعة أخرى على أمير المؤمنين (ع) بعضاً من ولايته وخرجت عنها. وقد ادان القرآن الكريم الفئة الأولى ووصمها بالنفاق، وأدان أمير المؤمنين (ع) الفئة الثانية وقاتلها لأنها خرجت عن الولاية الشرعية وسميت بالخوارج. ومن كل ما ذكرناه نستنتج أن الولاية الشرعية تستطيع تحقيق أهدافها إذا توفرت لها ثلاث عوامل أساسية تنتشر على مساحة الأمة الإسلامية. وهي: 1 ـ السلطنة الشرعية للفقيه. 2 ـ الكفاءة العلمية والاجتماعية للفقيه. 3 ـ اذعان الأمة وتسليمها لولايته. وهذه العوامل متشابكة إلى درجة كبيرة، بحيث ان أي خلل في مبانيها الفكرية يحدث خلل في الرابطة المحكمة بين الطاعة والأوامر الدينية. ان أهم ما يتمتع به الفقيه من امتيازات الإدارة الاجتماعية، هو أن ولايته مسددة من قبل الدين؛ بمعنى أنه يحكم المجتمع، وفي ضميره راحة وطمأنينة بأنه يقوم بمسؤوليته الشرعية والعقلية على أتم نطاق. أما على نطاق المكلف المتدين، فإن الطاعة للسلطنة الشرعية للفقيه تعني تربية ذاتية لإطاعة الدين. وليس لأي فرد الحق في مخالفة الدولة الشرعية، لأنها دولة مبنية على الإلزام الديني والمسؤولية الشخصية أمام الله سبحانه وتعالى. وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بالقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم). واذعان المكلف لسلطنة الفقيه المفكر خير من اذعانه لسلطة "العصبية" التي ادعاها ابن خلدون، أو خضوعه لسلطة "الأكثرية" التي زعمها "جون لوك"، أو خضوعه لسيادة الدولة التي ادعاها "توماس هوبز"، أو خضوعه لـ"الإرادة العامة" التي ادعاها "جان جاك روسو". ففي ذلك الإذعان للعصبية، والأكثرية، والسيادة، والإرادة العامة، خضوع للقوة لا للحكمة.بينما نلمس من اطاعة المكلف للفقيه إذعان للحكمة المستمَدة من الحكمة الآلهية. لأن مبادئ الدين التي ترفض الإكراه والقسر، هي التي تحكم المكلفين في الإدارة الاجتماعية. أي أن الولاية الشرعية ـ بعد أن تتوضح مطالبها ـ لها تبرير أخلاقي يتمثل في حرمة الإكراه والقسر {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}. فالطاعة هنا تعني التحرك اخلاقياً لقبول أحكام الدين والاذعان لسلطنة الفقيه وولايته الشرعية. الشخصية السياسية للفقيه: ان الشخصية السياسية للفقيه تتركب من أربعة أركان جوهرية، وهي: الأولى: الدوافع التي تدفعه نحو تطبيق الإسلام والأحكام الشرعية في المجتمع. فالفقيه الذي يمتلك دوافع أقوى نحو تطبيق الإسلام، يتحرك بصورة أكثر فاعلية من نظيره الذي لا يمتلك تلك الدوافع نحو التطبيق. الثانية: الدليل الشرعي الذي يلزمه بالإدارة الاجتماعية. وقد شرحنا ذلك آنفاً. الثالثة: الدليل العقلي الذي يرشده إلى الأحكام الشرعية. فالفقيه الذي تتراكم في ذهنه كمية هائلة من المعلومات، يحاول تحليلها ذهنياً من أجل كشف الأحكام الشرعية المتعلقة بمواضيع الإدارة الاجتماعية. الرابعة: الميل نحو ترجمة الفقه إلى قوانين شرعية في المجتمع. وما يترتب على ذلك من علاقات أخلاقية وسلوك مع الآخرين. ومن الطبيعي فإن أهم ما يفترض أن يحمله الفقيه في الإدارة الاجتماعية هو التحمل والصبر على مشاق الإدارة. وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين (ع) في عهده إلى مالك الأشتر النخعي: (وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع. وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة...). بمعنى أن الشخصية السياسية للفقيه يفترض أن تتشكل من مزيج خاص من العواطف القوية والأفكار المحكمة، بحيث انها تصمد أمام الهزات الاجتماعية المتوالية لفترة مديدة من الزمن. وبكلمة، فإن الشخصية السياسية للفقيه يفترض أن تكون شخصية اجتماعية وعلمية نموذجية. بحيث ان الأمة تتوقع منه سلوكاً فقهياً واجتماعياً يعبر عن وظيفته الشرعية. فمن أجل ان نميز بين شخصية الإنسان ووظيفته الاجتماعية علينا أن نلحظ الفوارق عند إنسان يتصرف كأب في بيته وكمحاسب مالي في دائرته الحكومية مثلاً. فسلوكه كأب في أسرة سعيدة إنما يعبر عن شخصيته الفردية، أما وجوده في الدائرة الحكومية كمحاسب مالي فإنما يعبر عن وظيفته الاجتماعية. وكذلك الفقيه، فله شخصية سياسية وله وظيفة اجتماعية علمية. فشخصيته السياسية تعبير عن حكم المعرفة التي يمتلكها ومقدار العدالة التي يمارسها. ووظيفته الاجتماعية العلمية هو تعبير عن السلوك المتوقع ان يسلكه مع الأمة في اصدار التعليمات والفتاوى والأوامر. وبالاجمال، فإن الشخصية السياسية للفقيه تعني حجم المعلومات الفقهية التي يستثمرها من أجل حل مشاكل الإدارة الاجتماعية في التعليم والقضاء والحقوق. وتعني أيضاً مقدار الثقافة السياسية التي يحملها من أجل فهم متطلبات التغيير الاجتماعي وعلاقتها بتركيبة الدولة وسياستها الدينية والاجتماعية. ثالثاً: الإمكان الاجتماعي تحدثنا آنفاً عن الجانبين الشرعي والفلسفي في الولاية الشرعية، ونتحدث الآن عن الإمكان الاجتماعي. والإمكان الاجتماعي يعني قدرة الفقيه على معالجته المشاكل الاجتماعية المتمثلة بالمشكلة الحقوقية، والأخلاقية، والتعبدية، والفكرية. أ- المشكلة الحقوقية: إن المشكلة الحقوقية تبقى أهم شاغل يشغل الإنسان مادام يعيش ويعمل على وجه هذه الأرض. ولما كانت هذه المشكلة خطيرة على الصعيد الاجتماعي، كان لابد من مناقشتها على المستويين النظري والمصداقي: 1 ـ على المستوى النظري: إن المشكلة الحقوقية عالجها القرآن الكريم في معرض حديثه عن الثروة الاجتماعية بالقول: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها...)، (يا أيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم)، (اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوى الله)، (واوفوا الكيل والميزان بالقسط)، (ولا تنقصوا المكيال والميزان أني أراكم بخير...). ولا نريد أن نعرض الآيات القرآنية الكريمة عرضاً مجرداً من المعاني والدلالات، بل ما نريده هو فهم دلالات الآيات المجيدة ضمن فكرة "وحدة الاطار". فهنا لابد أن ندرك ـ من خلال تلك الآيات ـ بان المشكلة الحقوقية لا ترتبط فقط بالنشاطات الخيرية التي يقوم بها الأفراد بدافع الكرم أو الاستحباب بل اننا نفهم أن الدين قد صمم حقاً ثابتاً للفقراء في أموال الأغنياء. وهذا الحق الثابت يجب دفعه وجوباً شرعياً من قبل الأغنياء. وبتعبير آخر، ان الإسلام أراد بالانفاق وعدالة الأجور وعدم بخس الميزان تثبيت الحقوق واعادة توزيع الثروة الاجتماعية التي خلقها من البداية التفاضل التكويني أو الاجتماعي بين الأفراد. فالعدالة الاقتصادية تعني ثلاثة أمور: الأول: الأجر العادل، وهو الذي نطقت به الآيات القرآنية الكريمة: (اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوى الله)، (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان)، (ان خير من استأجرت القوي الأمين). ونفهم من ذلك حرمة الإجحاف بأجر العامل، بل حرمة ظلمه على الإطلاق. ويلحظ في الأجر العادل الجهد المبذول على إنجاز العمل، ومهارة العامل، ومسؤولية المالك. فالمهارة تستحق أجراً متميزاً، والمسؤولية المتمثلة بالإشراف تستحق أجراً. والإبداع والعبقرية التي نلحظها عند القلة النادرة من الأفراد تستحق أجراً متميزاً أيضاً، وهكذا. وعدالة الأجور تعني ببساطة استلام كل ذي حق حقه بمقدار متناسب مع الجهد المبذول. الثاني: عدم بخس الميزان. والميزان لا يعني الآلة فحسب، بل يعني ـ مفهوماً ـ السعر أو القيمة العادلة للأشياء. وقد نطقت به الآية القرآنية: (واوفوا الكيل والميزان بالقسط). ونفهم من ذلك حرمة القيمة الظالمة للحاجات والبضائع. والحاجات التي تباع في السوق اليوم، تخضع لنظام تصنيع دقيق. فهي تقيم من قبل النظام الاقتصادي وتسعر نسبة إلى المهارة التي وضعت فيها، والمسؤولية التي بذلت من أجل تصنيعها وإيصالها إلى السوق. الثالث: الانفاق في سبيل الله، على سبيل الاستحباب كالصدقة المستحبة وصلة الرحم والهدية، أو على سبيل الوجوب كالزكاة الواجبة والخمس وبقية الفرائض المالية. وفلسفة الإنفاق تعكس فكرة ضرورة تضييق الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء. فالمسؤولية المالية في زحزحة الثروة من يد إلى يد أصبحت ـ على ضوء الدين ـ مسؤولية شرعية. وهذه المسؤولية الشرعية لم تنكر دور بذل الجهد في تحقيق الأرباح والإثراء المشروع. بل انها أكدت على ذلك وبررت وجود الأغنياء في المجتمع. ولاشك أن الإنفاق هو المساعدة على تشغيل العامل، أو اشباع اليتيم، أو سد حاجات الأرامل والقاصرين والمرضى. والأصل في الفكرة الاجتماعية حول المال هو ان الإنسان لو كان يعمل ويربح من عمله بالمقدار المشروع لما تأسس النظام الطبقي. لأن الأصل في الطبقية هو الثراء الفاحش الذي يستنـزف واردات الطبقة الفقيرة في المجتمع. وهو الذي يؤدي إلى حرمان أكبر في ذلك الطرف الاجتماعي. وبالاجمال، فإن فكرة الإنفاق إنما يراد منها ـ على الصعيد الديني ـ سد الفوارق الطبقية واعطاء الفقراء فرصة للعيش الكريم والعمل الشريف. وهذا يمهد المجتمع إلى الوصول إلى طبقة اجتماعية واحدة مختلفة في الدرجات لا في الرتب. الرابع: التبادل الاقتصادي الأخلاقي بين الأفراد. وهو التبادل الناتج عن ارجاع المنفعة التي يحصل عليها الفرد بطريق من الطرق الشرعية، من أجل اشباع حاجاته الأخرى. وهذا التبادل الأخلاقي يجمع العناصر الثلاثة السابقة. فعن طريق استلام الأجر العادل يستطيع العامل سد حاجاته المعيشية. وعن طريق القيمة العادلة للأشياء في السوق يستطيع الأفراد الاطمئنان على سلأمة البيع والشراء واجراء العقود. وعن طريق الإنفاق الشرعي يشبع الفقراء الذين تقطعت بهم الحيل للكسب الشريف. ولاشك ان الفقيه يفهم يوصله إلى حل المشكلة الحقوقية التي يعاني منها الأفراد. فلا يمكن إدارة المجتمع الإسلامي زمن الغيبة من دون تصور واضح لفلسفة العدالة الحقوقية والاجتماعية في الإسلام. مبادئ العدالة الحقوقية: والعدالة الحقوقية لا تستدعي المساواة التامة بين الأفراد لأن الأفراد يختلفون في القابليات والقدرات على أداء التكاليف والواجبات. فهناك، إذن، نطاق مرسوم للتفاضل الحقوقي بينهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بالقول: (وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أيما يوجهه لا يأت بخير. هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم). ولكن ذلك التفاضل لا ينتهك طبيعة العدالة الحقوقية الدينية. فالحد الأدنى في القضية الحقوقية هو اشباع حاجات الإنسان حتى يتفرغ لعبادة خالقه عز وجل. وما يطرحه التفاضل الحقوقي من زيادة لا يزعزع طبيعة اشباع تلك الحاجات الأساسية. ولم نجد في المصادر الشرعية ما يعارض اختلاف الأجور تبعاً لإختلاف المهارات والكفاءات، بل أوكل ذلك إلى العرف والارتكاز العقلائي. لأن المساواة المطلقة في الأجور قد تخلق وضعاً معيشياً ظالماً بسبب اختلاف قدرات الأفراد العقلية والجسدية. ومن أجل تحقيق العدالة الحقوقية، فقد أعلن الإسلام عن ثلاثة مبادئ على درجة عظيمة من الأهمية. المبدأ الأول: أن الاختلافات التكوينية بين الأفراد هي حقيقة واقعية لا يمكن انكارها أو تجاهلها. ولذلك فإن "المساواة" التي تنادي بها النظريات الاجتماعية تصدق في أمرين: الأول: "المساواة" في اتاحة الفرصة لجميع الأفراد باستثمار خيرات النظام الاجتماعي. والثاني: "المساواة" في العطاء من بيت المال للفقراء والمحتاجين من أجل سد حاجاتهم الأساسية. وفي غير ذلك يستحيل خلق المساواة التكوينية بين الأفراد. فالذي يخلق أبكماً في بطن امه تختلف قدراته وقابلياته عن الفرد السليم الذي يشق طريقه في الحياة. ولذلك فإن فكرة "العدالة الاجتماعية" التي يطرحها الإسلام إنما تجبر الاختلافات التكوينية التي خلقت أصلاً مع الأفراد دون إرادتهم. والمسؤول عن تحقيق العدالة الحقوقية بين الناس ضمن الإمكانيات المتاحة هو الفقيه الولي. فهو الذي يشرف على مؤسسات الدولة في الاقتصاد والسياسة والقضاء والتعليم ونحوها. المبدأ الثاني: لما كان تحقيق المساواة العقلية بين الأفراد مستحيلاً في الواقع الخارجي، أصبح تحقيق المساواة العرفية من واجبات الفقيه. والمساواة العرفية نعني بها العدالة الحقوقية التي يمكن تحقيقها عن طريق مطلق العدل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط)، وعن طريق الميزان باعتباره أداةً من أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها)، (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون...). والروايات الواردة عن أهل البيت (ع) حول تحقيق العدل أكثر من أن تحصى، ولعل المأثور عن الإمام أمير المؤمنين (ع): "العدل نظام الامر" يجمعها في أقل الكلمات وأعمق المعاني. المبدأ الثالث: ان الاختلاف بين الفاضل والمفضول في الشريعة يعكس الاختلاف في القدرات العقلية والجسدية بين الأفراد. ويشير القرآن الكريم إلى ذلك: (وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم)، (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمنّ لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون). ولاشك أن التفاضل في الرزق، والتفاوت في القدرة على التصرف بالمال يعتبران من السنن التكوينية كما أشار تعالى إلى ذلك: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم). واشار امير المؤمنين(ع) بالقول: "وقدر الأرزاق فكثرها وقللها، قسمها على الضيق والسعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد، بميسورها ومعسورها. وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها". إلا أن هذا التفاضل التكويني لا يترك آثاره الاجتماعية إلا على صعيد ترجمة ذلك التفاضل إلى منفعة يقدمها الفاضل للمفضول. بمعنى أن الرزق ـ الذي منحه الخالق عز وجل إلى الفاضل ـ إذا لم يخرج منه الحق الشرعي ولم يسلمه للمفضول، أصبح ذلك الرزق نقمة إلهية على الفاضل بعد ان كان نعمة فضيلة عليه. وعلى ضوء ما ذكرناه، فإن التفاضل التكويني، والاختلاف في القدرات العقلية والجسدية إنما يؤديان ثمارهما العملية على الصعيد الاجتماعي، إذا التزم الأفراد بتطبيق مفردات الشريعة الإسلامية فحسب؛ وإلا أصبحت تلك الاختلافات من موارد انعدام العدالة الاجتماعية. 2 ـ على المستوى المصداقي: ان قلة تخصيصات قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" التي نوقشت من قبل الفقهاء باسهاب، وشمولها لقضايا اجتماعية واسعة يدعونا للتأمل في مناقشة الحقوق الاجتماعية للأفراد في المجتمع الإسلامي. فمع ان قضية عذق "سمرة بن جندب"، ومنع فضل الماء، والشفعة، وهدم الجدار الساتر بينه وبني الجار ونحوها من القضايا التي وردت ضمن سياق قاعدة نفي الضرر كانت كلها قد تناولت مشاكل جزئية، إلا أن تعليلها كان مندرجاً تحت كبرى قاعدة "لا ضرر ولا ضرار". فكانت القاعدة الكلية في نفي الضرر تقدم مصاديق عملية لفكرتها القائلة بأن نفي حقوق الأفراد في الأمان البيتي، والثروة الحيوانية، والشفعة، والجيرة ونحوها يسبب إضراراً لهم. وعرض القاعدة الكلية في نفي الضرر بهذا الشكل الواسع، يدعونا للتفتيش عن طبيعة حقوق الفرد في النظام الاجتماعي حيث يفترض حرمة إنتهاكها أو إلحاق الضرر بها. فلاشك أن حقوق الأفراد بصفتهم الفردية، ووضع الجماعة بصفتها التوفيقية ليستا مرتبطتين بالعادات والتقاليد بقدر ما انهما مرتبطتان بالإختيار والتغير الاجتماعي المصاحب للتغيير في طبيعة الحياة البشرية وحاجاتها على الصعيدين الوظيفي والحقوقي. وفي ضوء ذلك فإننا نفترض ان لكل فرد يعيش على الأرض الاجتماعية حقوقاً نستلهمها من إستقراء مصاديق قاعدة نفي الضرر. فنستطيع ـ نظرياً ـ إدراج أربعة حقوق لكل فرد يعيش في مجتمع الإسلام، وهي: أ) الحقوق الأساسية: وهي الحقوق المتعلقة بالقواعد الأساسية للعيش وفيها: 1 ـ حق الأجر أو الدخل الكافي للمعيشة. 2 ـ حق إمتلاك السكن. 3 ـ حق التعليم. 4 ـ حق التطبيب والعلاج. وهذه الحقوق تشتد إليها الضرورة لأن الإنسان مدني بالطبع لابد له من أجرٍ كاف، ومسكن يأوي إليه، وحق في التعليم، وحق في العلاج. ولو لم تشرع تلك الحقوق لزم الحرج العظيم وتكليف ما لا يطاق، بل لزم الإضرار بشخصيته ومكانته الاجتماعية والدينية بين الأفراد. ب) الحقوق الشخصية: وهي الحقوق المعنوية المتعلقة بكرامة الفرد في البيت والشارع، ومنها: 1 ـ حق حماية الفرد من الأذى الجسدي والنفسي الذي قد يتعرض له من قبل الآخرين عدواناً. 2 ـ حق حماية الفرد من التمييز العرقي أو المذهبي. 3 ـ حق الامان في البيت والشارع. ج) الحقوق الاقتصادية:وهي الحقوق المتعلقة بطبيعة التكسب المشروع، ومنها: 1 ـ حق التملك. 2 ـ حق البيع والشراء دون إكراه. 3 ـ حق إجراء العقود. 4 ـ حق التكسب الوظيفي بكافة أشكاله وصوره المقبولة لدى الأفراد، ضمن اطار الشريعة. د) الحقوق السياسية: وهي الحقوق المتعلقة بالمشاركة في إدارة الدولة. وتلك الحقوق متلازمة بطبيعتها مع الواجبات التي تفرضها العملية السياسية، ومنها: 1 ـ حق النشاط السياسي والإدارة. 2 ـ حق الشورى والتوكيل السياسي. (نهاية ص 110)
|