(ص 56 - 110)

ولاشك إنا نلمس إطلاق الأدلة على وجوب إقامة الحدود والتعزيرات، والقضاء، وأخذ الحقوق وتوزيعها، ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، والدفاع عن حياض الإسلام. وعدم وجود دليل على تفكيك تلك الأحكام أو توقف ذلك على زمن النص أو حضور المعصوم (ع) يعني أن تطبيق الإسلام من قبل المكلفين يمتد إلى يوم القيامة. ولكن تنفيذ تلك الأحكام يحتاج إلى مدير مجتهد لإدارة المجتمع على ضوء الشريعة، وأحكام الدين.

والدليل العقلي هذا يكشف لنا الدليل الشرعي الذي صرح بالقول... (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض...)، (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، (ما كان لهم الخيرة)، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، (إن الحكم إلا لله...) ونحوها.

3 ـ ان عمومات الآية القرآنية التالية شاملة لجميع المكلفين بما فيهم الأنبياء والأوصياء (ع)، بان يحكموا بما انزل الله تعالى من أحكام: (... ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون... وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جائك من الحق... لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً... أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون).

ودلالة هذه الآية الشريفة هو وجوب تطبيق أهل الانجيل بما أنزل الله تعالى من أحكام، ووجوب حكم رسول الله (ص) أيضاً بما أنزل الله عليه من أحكام. ولاشك أن المراد بإيتاء الحكم هو تشريع الأحكام في عالم الجعل، وجعلها تحت تصرفه (ص) كي تكون ملاك عمله وحكمه (ص). ولكن الأصل هو أن يحكم (ص) المكلفين بما أنزل الله تعالى، فلا يبقى ريب أن زمن الغيبة يفتح الباب للفقيه كي يرشد الناس إلى الأحكام الالهية ويساهم في تنفيذها. وهذه الآية واردة في رسول الله (ص)؛ وإنما يستفاد جريان الحكم في الأئمة المعصومين (ع) ومن بعدهم فقهاء أهل البيت من الأخبار فيما يتعلق بالولاية ووجوب الطاعة والتبعية لهم. ومن ذلك صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: "إن الله ـ عز وجل ـ ادب نبيه فاحسن أدبه. فلما أكمل له الأدب قال: (وانك لعلى خلق عظيم)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده فقال عز وجل: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فإنتهوا)".

ومنها رواية عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرضا (ع): "بالامام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وامضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والاطراف. الامام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة".

ومنها قوله (ع): "وان العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح له صدره لذلك، واودع قلبه ينابيع الحكمة والهمه العلم إلهاماً، فلم يعِ بعده بجواب ولا يحير فيه عن الصواب. فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد آمن من الخطايا والزلل والعثار. يخصه الله بذلك ليكون حجة على عباده وشاهده على خلقه. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".

4 ـ ان اهمال البحث عن الولاية الشرعية للفقيه في الأوساط الفقهية قد يرجع في بعض جوانبه إلى اختلاف مباني الدولة القديمة عن الدولة الحديثة. فنشوء الدولة الحديثة في القرون الأخيرة من عمر الإنسانية كان قد أوجد حاجات جديدة لم تكن من مباني الدولة القديمة. فالتعليم الإلزامي، والتطبيب الواسع النطاق، والإدارة الاجتماعية المعقدة، والنظام الحديث للآلة لم يكن من مباني الدولة القديمة. بينما كانت الدولة القديمة تعيش على الزراعة وعلى شكل بسيط من الصناعة وطرق أولية في النقل. ولم تكن التجمعات السكانية في المدن بهذا التعقيد. وتلك الفجوة بين مباني الدولتين القديمة والحديثة تركت آثارها على الفقه. فولاية الفقيه بالنسبة لعصر الشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري تختلف من حيث المصاديق عنها في عصر القرن الخامس عشر الهجري. فإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، والقضاء، والتصرف في أموال الغائبين والقاصرين من أهم ولايات الفقيه في القرن الخامس الهجري. ولكن ولاية الفقيه اتخذت شكلاً آخر اليوم في قضايا الاقتصاد والاجتماع والزراعة والصناعة والنقل والدفاع والقضاء ونحوها. وهي بضميمة الثوابت في الأحكام والمواضيع تحتاج إلى انفتاح واسع على حاجات الأفراد وفهم متطلبات حياتهم الإنسانية.

5 ـ لا نستطيع استخدام أصالة البراءة هنا، لأن أصول المعاملات غير أصول العبادات. فإذا زعم أنه عند قيام الشك بشرعية ولاية الفقيه، فلابد من التمسك بالبرائة. ومع جريان اصالة البرائة إذن لا نحتاج إلى ولايته. هذا الرأي لا يمكن الأخذ به. لأن ذلك الأصل منتف بانتفاء الموضوع. فإننا لو طبقنا أصالة البراءة على المشاكل الاجتماعية لانحسر الإسلام عن المجتمع وعن نظامه السياسي.

6 ـ ان اصطلاحات مثل "الأعلمية المطلقة" و"الأعلمية الاضافية" و"المرجعية" لم يشر إلى اعتبارها في الأخبار الواردة عن أئمة أهل البيت (ع). ولو كانت موجودة في الروايات لوصلت إلينا يداً بيد، ولكنها غير موجودة. ولكن المتأخرين من الفقهاء استخدموها بسبب طرو حاجة ماسة أوجدها التغير الاجتماعي وتعقد الحياة الاجتماعية. فافرزت فكرة "وحدة الاطار" ومبدأ "عدم تفكيك التكاليف الدينية" آراءً حول ضرورة الرجوع إلى الفقيه الأعلم في زمن الغيبة لإدارة الأفراد في مجتمع المسلمين (وليس في دولة إسلامية). لأن إدارة الدولة الإسلامية يحتاج إلى فهم شامل لقضايا الحقوق والواجبات الخاصة بالفرد والجماعة، وهي مسؤولية أثقل من مسؤولية الفقيه المختص بالعبادات وجزء يسير من المعاملات. وهذا يفسر القول بعدم بسط يد الفقيه في العصور التي سبقت عصر الحكم الإسلامي في إيران سنة 1399هـ 1979م.

واصطلاح "الأعلمية" ورد في بحوث "الاجتهاد والتقليد" من زاوية الرجوع إلى الأعلم. وهو مستمد من عملية عقلية تفصح عن رجوع الجاهل إلى العالم في أغلب شؤون الحياة ولا تقتصر على جانب معين.

واصطلاح "المرجعية" ورد في بحوث المتأخرين من الفقهاء، كان قد فرضته فكرة "وحدة الاطار" في سبيل اصلاح النظم الاجتماعية لشيعة أهل البيت (ع) والرجوع إلى قائد علمي لديه الولاية الدينية الشرعية من أجل تنظيم أمورهم في غياب المرجعية السياسية. ودليله (... فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

وتلك الصفات إذا اضيفت إلى الولاية الشرعية للفقيه، بضميمة الشروط الأخرى، فلاشك انها تضفي على منصب الولاية بعداً عقلياً بالاضافة إلى بعدها الشرعي. لكنها تبقى صفات متممة ومكملة للقائد الديني زمن الغيبة.

7 ـ ان القدر المتيقن من الولاية زمن الغيبة يشمل مساحة الإدارة الاجتماعية للفقيه. وهذا واضح لمن ذاق طعم الفقه وأدرك لحن الروايات. فالأمور الاجتماعية وإدارتها ترجع إلى الفقيه الجامع للشرائط، لأنه القدر المتيقن ممن يحتمل أن تكون له الولاية. فمن غير المحتمل أن يرخص الشارع لغير الفقيه بإدارة المجتمع بما فيه من أموال ونفوس وأعراض. ومن غير المحتمل أن يهمل جانب الإدارة الاجتماعية فيؤول الأمر إلى الفساد وانتهاك أصالة وجود الدين في حياة الإنسان.

8 ـ استلهام كليات الولاية الشرعية من عهدي رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) باعتبار أنهما كانا مبسوطي اليد وقاما بإدارة الدولة والإشراف على شؤون النظام الاجتماعي بشكل شامل. ومن تلك الكليات نعرض نموذجاً:

أ) في معاني الولاية قال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين (ع) بذي قار وهو يخصف نعله. فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها! فقال (ع): (والله لهي أحب إلي من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً). ودلالتها إن الولاية مرآة المسؤولية الشرعية في إقامة الحق ودفع الباطل، ولكنها ليست إمرة تسلط وعدم انصاف.

ب) في توزيع الثروة الاجتماعية عن الإمام أمير المؤمنين (ع): (فمن آتاه الله مالاً فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب، وابتغاء الثواب. فإن فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا، ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله). ويقول الإمام (ع) في خطبة له تشتمل على تهذيب الفقراء بالزهد: (أما بعد، فإن الأمر ينـزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان، فإن رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكونن له فتنة... وإن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام...). وتشتمل نفس الخطبة على تأديب الأغنياء بالشفقة، فيقول (ع): (ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه...). ودلالتها حسن توزيع الثروة الاجتماعية بين الأفراد، وعدم ادانة الغني في المجتمع إذا كان الغنى قد اكتسب بطريق مشروع.

ج) في الحقوق والواجبات عنه (ع): (... فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل وجرت على إذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، أو أجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس). وعنه (ع) أيضاً: (أيها الناس إن لي عليكم حقا، ولكم عليّ حق: فاما حقكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين ادعوكم، والطاعة حين آمركم). ودلالتها ان الولاية تقتضي حسن التدبير من قبل الوالي، وحسن الطاعة من قبل المكلف.

ولكن تلك الكليات العظيمة لا تستطيع فعل فعلها، ما لم توضع في مواضعها الصحيحة التي تتناسب مع روح الاطار والموضوع الذي جاءت من أجله. ولا يمكن تصور إدارة اجتماعية لمجتمع ديني دون ولي حكيم يستمد من مباني الشريعة الأحكام والقوانين التي يسنها لتنظيم شؤون الناس.

  ثانياً: الإمكان الفلسفي

يتضمن الإمكان الفلسفي شروطاً لقيام الدولة، ومواصفات لشخصية الفقيه، والسلطة التي يتمتع بها. ولاشك أن الولاية الشرعية تعبر عن سيادة الدولة الدينية على تمام أراضيها بما يحفظ أموال الناس وأنفسهم وأعراضهم.

الدولة:

وهي إن كانت اصطلاحاً دينياً أو علمانياً، فإنها تعبر عن المؤسسة السياسية وشبكاتها المتجسدة بالعلاقات السياسية. فـ"العلاقات" هنا هي المفتاح في فهم موضوع الدولة؛ بمعنى أن الدولة تنظم شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم من جهة، وبين المحكومين أنفسهم من جهة أخرى. ففي المجتمع الزراعي يرتبط الفلاح العامل على أرضه بعلاقة ما بمالك تلك الأرض. وفي المجتمع الصناعي يرتبط العامل الصناعي بعلاقة ما بصاحب الرأسمال. وفي المجتمع المدني يرتبط المواطن بعلاقة ما بالمدير الذي يتولى إدارة تلك المنطقة الإدارية. وتلك العلاقة بمجملها يفترض أن تنظم قضايا الحقوق والواجبات في المجتمع.

ومنذ بزوغ شمس الرسالة الإسلامية بدأ التأثير الروحي والاجتماعي على الأفكار السياسية واضحاً. فقد أنشأ رسول الرحمة (ص) أول دولة دينية سماوية قامت على أساس الوحي والأحكام الشرعية. وكان الأمر في عهد أمير المؤمنين (ع) متطابقاً من حيث المحتوى والهدف مع دولة رسول الله (ص). فقد كان اهداف السلطة السياسية العامة للدولة الدينية تعلن عن صورة كاملة للحقوق والواجبات التعبدية والاجتماعية. وكان قائد الدولة من نبي أو إمام معصوم متفرغاً للادارة الاجتماعية وكان موكلاً لتنظيم تلك الحقوق والواجبات، من أجل تعبيد المكلفين للخالق عز وجل.

         وهذا المفهوم الديني للدولة يختلف عن مفهوم النظام الملكي، حيث يزعم الأخير،  بأن الأمة تحمل استعداداً لمنح الملك حقوقاً سلطانية إضافية. وتلك الحقوق الإضافية الممنوحة من قبل الأمة تخول الملك صلاحيات الملك والسلطة. وهذا الزعيم يحتاج إلى الكثير من التبرير والتوضيح. لأننا لم نلحظ في حياتنا أن أمة قد منحت ـ باختيارها ـ المَلِك صلاحيات التسلط عليها.

 شخصية الدولة وشخصية الفقيه:

ولو آمنا أن الإدارة الاجتماعية زمن غيبة المعصوم (ع) هي للفقيه المجتهد، فلابد ان نفهم طبيعة العلاقة السياسة بين الفقيه والإنسان الذي يعيش على أرض الدولة الدينية. فكيف تصاغ تلك العلاقة، على ضوء حقوق الدين والمواطنة؟ فمن حق الفقيه الولي أن يعاقب الجناة ويقتص منهم، ويحكم بين المتخاصمين، ومن واجبه أن يشيع الأخلاق والفضائل بين الناس، وينظم شؤون المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والسوق والمدرسة وثكنة الجيش والمستشفى ونحوها. ولكن ما هو الخط الفاصل بين الولاية الشرعية والدولة الحديثة؟ لاشك أن الولاية الشرعية تعني تحديد سياسة المؤسسات الاجتماعية التي نطلق عليها بـ"سياسة الدولة". فعندما نقول أن الدولة الشرعية قررت إنشاء المدارس لتعليم الأطفال نعني بذلك ان الفقيه المدبر قد استنبط حكماً شرعياً بحلية انشاء المدارس على أقل تقدير، أو بوجوب تعليم القاصرين. فاصبحت نظرية الفقيه في التعليم سياسة للدولة تنفق عليها بما يقتضي تحقيق أهدافها في نشر المعرفة بين الناس. ولكن هل هذا يعني أن فقيهاً واحداً، نعتبره ولياً، قد عكس تصرف كل الفقهاء؟ والجواب على ذلك يتم من وجهين:

الأول: ان وحدة الولاية تعني وحدة التمثيل الفقهي لكن لا تعني وحدة المدارس الفقهية المختلفة. بمعنى أن كل ما يعنينا هو وحدة التمثيل الفقهي في الإدارة الاجتماعية. وبتعبير ثالث ان الولاية الشرعية لا يمكن تجزئتها بين عدة فقهاء، بل لابد من فقيه واحد كفوء يتصدى لقيادة الأمة. وهذا هو ما نفهمه من "وحدة التمثيل الفقهي". فالفقيه الولي يدرك مغزى الدليل الشرعي، وفي ضوء استنباطه لمسائل الإدارة الاجتماعية ومن وحي اجتهاده، يتصرف لإبراز الحكم الشرعي بما هو حكم إلزامي لجميع المكلفين. أما قضية توحيد المدارس الفقهية في رأي واحد فهذا من موارد الإستحالة العقلية لاختلاف الآراء والادراكات واختلاف الظروف التي صدرت فيها تلك الفتاوى والآراء الفقهية.

الثاني: ان مهمة الفقيه الولي تكمن في صياغة العلاقات الشرعية بين الأفراد ضمن ضوابط دينية. فإذا كان قادراً على صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكان قادراً على الربط بين الحقوق والواجبات، وكان قادراً على تشخيص علاقة المكلف بربه فإنه قد حقق مهمة الدين في الحياة الإنسانية. وهذا هو تفسير الفقهاء القائلون بامتداد ولاية النبي (ص) والإمام (ع) إلى الفقيه الجامع للشرائط. فإن المهمة الأساسية للتبليغ وإقامة الدين هو صياغة تلك العلاقات الشرعية بين الأفراد، والفرق بين وظيفة المعصوم ووظيفة غير المعصوم في هذا النطاق هو في الدرجة لا في الرتبة. لأن إقامة الحدود، وتوزيع الثروة الاجتماعية، وأداء التكاليف تتم بوجود المعصوم (ع) أو الفقيه على حد سواء. ولكن تنحصر بعض الأحكام بحضور المعصوم (ع) كالجهاد الابتدائي ووجوب صلاة الجمعة والعيدين ونحوها. نعم إذا أخذنا الموضوع من زاوية العصمة وعدم العصمة أي من زاوية الواقع والظاهر، فإن الاختلاف يكمن في الرتبة. ولكننا نتحدث هنا عن تحقيق أهداف الدين في تعبيد الأفراد لله سبحانه وتعالى.

وبكلمة، فإن شخصية الدولة الدينية تكمن في شخصية الفقيه الولي ودرجته العلمية في الإدارة الاجتماعية والفقهية. فالولاية هنا تهتم بشؤون المكلفين باعتبارهم أعضاء في المجتمع، تماماً كما تهتم بالمؤسسات الاجتماعية باعتبارها آلات لخدمة الناس ـ مكلفين كانوا أو قاصرين ـ وتسهيل مهمة معيشتهم من أجل عبادة المولى عز وجل.

  درجة الفقاهة ومقدار الولاية:

وفي ضوء تلك الأفكار نتسائل: هل هناك رابط بين درجة الفقاهة ومقدار الولاية؟ أي هل هناك علاقة متوازية بين شخصية الفقيه ودرجة الإلزام الشرعي في الأحكام الولائية وغير الولائية؟

لاشك أن إدراك مباني الشريعة يحتاج إلى قدرة فائقة على الاستنباط الشرعي والعقلي. فكلما كانت قدرة الفقيه واسعة في الاستنباط كانت قدرته على إدراك مقاصد الشريعة أوسع وأكثر استيعاباً وشمولاً. والإلزام الشرعي بالأحكام من قبل المكلفين لا يولده الفقيه بقدر ما يولده الحكم الشرعي ذاته. فالأحكام الشرعية تخلق لدى المكلفين مسؤولية اخلاقية بضرورة الامتثال.

ولكن درجة الفقاهة المطلوبة للإدارة الاجتماعية متلازمة مع درجة الكفاءة التي يتمتع بها ولي الأمر في تسيير شؤون الأمة. فالولاية تضع منهجاً اجرائياً محكماً للإدارة. أو بتعبير آخر أن الولاية الكفوءة قادرة على ترجمة التشريع الديني إلى قوانين عملية تنظم الحقوق والواجبات، وتكافئ وتعاقب، وتصل وتقطع. فالكفاءة العلمية الفقهية الإدارية إذن هي الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتحقق في شخصية الفقيه الولي. وإذا تحققت تلك الكفاءة اقترب الفقيه من الواقع الخارجي في إدراك الأحكام واستنباطها. أما درجة الإلزام عند المكلفين فهي قضية تعالج من طرق أخرى كالتعليم والتربية ونشر الوعي بينهم. فوظيفة الفقيه في حقل الولاية تعبر عن صورة كلية أو اطار شمولي لما يوصله علمه في الإدارة الاجتماعية، ولكن وظيفته في اسرته كأب أمر آخر متعلق بكفاءته الأسرية، ولا علاقة لها بوظيفته العلمية الاجتماعية. فقد يحابي ابنته على ابنه أو العكس، ولكن لا يستطيع فعل ذلك في حقل الولاية الاجتماعية. لأن الدليلين الشرعي والعقلي يغلقان أبواب المحاباة العاطفية لفرد دون آخر في المجتمع. أما المعصوم (ع) فوظيفته في كل الأحوال هي وظيفة الولاية والتبليغ وقد كان النبي (ص) (أولى بالمؤمنين من أنفسهم) ولذلك فإنه (ص) إذا أكرم ابنته على زوجته، فإن ذلك التكريم يعني تكريماً إلهياً لا تكريماً أبوياً مجرداً. ومن هذا المنطلق نفهم مكانة أمير المؤمنين (ع) وفاطمة الزهراء (ع) من قلب رسول الله (ص)، بل نفهم مكانتهم في التشريع بشكل أعم.

ان فلسفة الدولة بالمعنى الحديث تستدعي خضوع كل مواطن يعيش على أرضها للقوانين والأحكام التي تحكمها. فالمواطنة على ارض الدولة تعني المشاركة الفعالة في رفد المجتمع بالعمل والرأي والانتاج، والى ذلك أشار أمير المؤمنين (ع) "ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم". ومن أهم ثمار تلك المشاركة الفعالة هو إطاعة الدولة الشرعية اطاعة تامة. واطاعة الدولة تعني بالدلالة التضمنية، اطاعة ولاية الأمر بفضيلة انطباق شخصية الدولة على شخصية الولاية.

ولاية افلاطون وولاية الفقيه:

وإذا كان افلاطون قد نادى في كتابه "الجمهورية" بفكرة "الفيلسوف ـ الحاكم"، فإنه قد نادى ـ في الواقع ـ باستثمار الدليل العقلي في الإدارة الاجتماعية. فكان يحاول تجنيب المجتمع المثالي اسقاطات صراع المصالح المتضاربة بطريق "وحدة الرؤية العقلية" التي تنور عقل الفيلسوف وتمنع صراع المصالح. ولكننا نرى ان نظرية افلاطون قاصرة عن مجاراة النظرية الإمامية في الإدارة الاجتماعية. فالفقيه الولي يستطيع إدارة المجتمع عن طريق استثمار الدليلين الشرعي والعقلي. وهما أوسع وأكمل من الدليل العقلي المجرد الذي نادى به افلاطون. وهو دليل قد يخطئ وقد يصيب. بينما نحن نؤمن بأن الدليل الشرعي لا يخطئ أبداً لأنه صادر من مصدر الكمالات في الوجود وهو الله سبحانه وتعالى. وبذلك، فإن إدارة الفقيه الولي للمجتمع في كل زمان ومكان أفضل من إدارة الفيلسوف الحاكم للأسباب التالية:

1 ـ كمال الدليل الشرعي الذي يستخدمه الفقيه من أجل الإدارة الاجتماعية. فالحقوق والواجبات، والعقوبات والمكافئات على ضوء النظرية الدينية لا تحتاج إلى تعديل أو تغيير أو اعادة نظر لأنها وردت من قبل الحاكم المطلق وهو الخالق عز وجل.

2 ـ ان الدليل العقلي الذي يستخدمه الفقيه الولي يفوق الدليل العقلي الذي يستخدمه الفيلسوف الحاكم، لأن الدليل السابق كاشف عن الدليل الشرعي. فالعقل في الفقه يتحرك ضمن دائرة الشريعة، فلا يتجاوزها. بينما يتحرك العقل في حقل الفلسفة بما يناسب توجهات الفيلسوف وذوقه الشخصي في النظرة للحياة والواقع الخارجي.

3 ـ ان الدولة التي دعا لها افلاطون في كتابه المشهور "الجمهورية" هي دولة مثالية يحكمها الفيلسوف، بينما نلمس أن الدولة التي يدعو لها الدين هي دولة واقعية يحكمها الفقيه. ويكمن الفرق بين الفقاهة والفلسفة في نكتة مهمة وهي أن الفقه تناولَ الجانب الواقعي من حياة الإنسان وعلاقته بربه وبابناء جلدته، بينما تناولت الفلسفة الجانب التحليلي الذهني حيث لا يمكن ضمان هداية طريقها في كل الأحوال.

4 ـ ان فكرة إطاعة الدولة من قبل المكلفين في النظرية الإسلامية تعد أكثر انسجاماً مع رسالة الدين من فكرة اطاعة الفيلسوف في الدولة الافلاطونية. فالفيلسوف قد يستطيع اقناع شريحة من الأفراد بالطاعة ولكنه لا يستطيع اقناع الكل. وإذا اتخذ العقوبة كبديل للاقناع، فما هو المبرر لإنزال تلك العقوبة بالمخالفين؟ ولكن فكرة الإلزام الشرعي في الرسالة الدينية مستمدة من فكرة مرضاة الخالق عز وجل. وفي ذلك ثواب اخروي يقنع الإنسان بالأداء. بينما لا يستطيع الفيلسوف أن يقدم أكثر من مبرر "حسن النظام" كمورد للطاعة. فنستخلص من ذلك أن اطاعة الفقيه الولي في دولة دينية هو أكثر انسجاماً مع إيمان الفرد من اطاعة الفيلسوف في دولة مثالية.

  ولاية الفقيه والتعبير عن المشاعر: