|
(ص 1 -55) الفقيه والادارة الاجتماعية
السيد زهير الاعرجي ------------------------------------------------- من الذي يمتلك المبرر الشرعي والفلسفي لإدارة الدولة عند غياب المعصوم (ع)؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في عالم اليوم، خصوصاً ونحن نعيش ازدحاماً للنظريات والفرضيات العالمية في الادارة الاجتماعية. ولم تغب عن النظرية الاسلامية مشكلة الادارة الاجتماعية في العصور المتلاحقة ابتداءً من عصر النص وحتى آخر لحظة يعيشها الإنسان على وجه هذه البسيطة. فقدمت فكرة الإمامة التي يشرف عليها المعصوم (ع)، وفكرة الولاية التي يشرف عليها الفقيه حيث انيطت له النيابة العامة عن المعصوم (ع). وفكرة ولاية الفقيه مثيرة للجدل لأنها تمس جوهر الصراع الاجتماعي الدائر بين قوى الخير والشر وقوى الحق والباطل. فكان لابد من مناقشتها مناقشة علمية على أصعدة: الإمكان الشرعي، والفلسفي، والاجتماعي، والعملي. وقبل ذلك نقدم مقدمة تأريخية للموضوع. مقدمة تأريخية عاشت الأمة الإسلامية وضعاً استثنائياً صعباً بعد انتهاء عصر النصوص الشرعية. وكانت المدرسة الإمامية قد قاست من ظروف سياسية واجتماعية خانقة خلال فترة الغيبة الصغرى أيضاً، وهي الفترة التي لم ينته فيها عصر النص عند الشيعة الإمامية. فقد بدأت الغيبة الصغرى بغيبة الإمام المهدي (عج) عام 620هـ في وقت كان الحكام العباسيون يطلبون ذلك الإمام الثاني عشر لعلمهم بأنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. وكانت الروايات المتضافرة التي تناولتها المدرستان السنية والشيعية الإمامية بشأن ظهور ذلك الموقف بالقول: "...وخلف [يعني الإمام العسكري] ابنه المنتظر لدولة الحق [عام 255هـ]، وكان قد أخفى مولده، وستر أمره، لصعوبة الوقت، وشدة طلب سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره. ولما شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه، وعرف من انتظارهم له، لم يظهر ولده ـ عليه السلام ـ في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته، وتولى جعفر بن علي (أخو أبي محمد) أخذ تركته. وسعى في حبس جواري أبي محمد ـ عليه السلام ـ واعتقال حلائله، وشنع على أصحابه بانتظارهم ولده، وقطعهم بوجوده، والقول بامامته، وأغرى القوم حتى أخافهم وشردهم. وجرى على مخلفي أبي محمد ـ عليه السلام بسبب ذلك كل عظيمة، من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذل... ولم يظفر السلطان منهم بطائل". ولاشك أن اختناق الجو السياسي والاجتماعي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وغياب المعصوم (ع) عن الساحة الاجتماعية، كانا قد مهدا الطريق لتربية الأمة على النظر إلى الفقهاء باعتبارهم الامتداد الطبيعي في النيابة عن الإمام (ع). وقد كان تأكيد الإمام القائم (ع) على دور الفقيه الجامع للشرائط في قيادة الأمة زمن الغيبة يعبر عن عمق الحاجة التي كانت تحسها الأمة بفقدان قائدها المعصوم (ع)، خصوصاً في قضايا احقاق الحقوق وإقامة الحدود وإدارة أمور النظام الاجتماعي. وبطبيعة الحال، فإن الحاجة إلى صياغة نظرية اجتماعية في عصر الغيبة تشتد وتتعمق بقدر متساوٍ مع تغير طبيعة الحقوق والواجبات في المجتمع الإسلامي. أما في عصر الحضور فإن الإمام المعصوم (ع) هو الذي يتولى تحقيق العدالة الاجتماعية والحقوقية بمعناها الواقعي الواسع الرحيب.
ولاشك، فعندما نناقش النظرية الاجتماعية وقائدها الفقيه الجامع لشروط القيادة في عصر الغيبة، فإننا نناقشها من زاويا الاطار الشرعي والفلسفي والاجتماعي والعملي. بمعنى أن النظرية تبحث على أصعدة الإلزام الشرعي والإمكان الفلسفي والإمكان الاجتماعي والعملي. أما ما نوقش في مسألة هل إن القدرة على إقامة مجتمع إسلامي لدى إحراز الملاك هل يوجب البراءة أو الاحتياط؟ وهل إن القدرة هي شرط للوجوب أم شرط للواجب؟ فهذا خارج عن صلب بحثنا، وربما بحثناه في مناسبة أخرى بإذن الله تعالى. وسوف نناقش الآن طبيعة المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة. المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة وقد واجهت المجتمع الإسلامي في عصر الغيبة وبعد الابتعاد عن عصر النص، أربع مشكلات اساسية بحاجة إلى حلول مصيرية وهي: المشكلة الحقوقية، والمشكلة الأخلاقية، والمشكلة التعبدية، والمشكلة الفكرية. والمجتمع الاسلامي زمن الغيبة لا يختلف عن بقية المجتمعات البشرية في حاجته للنظام الاجتماعي القادر على تحقيق لون من ألوان العدالة الاجتماعية عبر توزيع الثروة الاجتماعية وحفظ أمن الأفراد. فأي تعطيل للأحكام الشرعية يؤدي إلى إخلال في الحقوق والواجبات التي يهتم بها كل أفراد المجتمع على السواء. أصالة معالجة المشاكل الاجتماعية: وطالما كانت المشكلة الاجتماعية قائمة، حقوقية كانت أو أخلاقية أو تعبدية أو فكرية، كانت الأمة تنتظر من الرسالة الإلهية حلولاً لمواجهة مشكلتها. ولاشك أن المشكلة الحقوقية لا تعالج إلا بإقامة نظام العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الاجتماعية، وإقامة نظام عادل في القضاء وحل الخصومات بين الأفراد. والمشكلة الاخلاقية لا تعالج إلا بإقامة الحدود وتنفيذ نظام العقوبات الجسدية والمعنوية التي جاء بها الإسلام. والمشكلة التعبدية لا تعالج إلا بتثبيت الأمن الجماعي ورفع كل لون من العوائق الاجتماعية التي تمنع المكلفين من التوجه نحو خالقهم العظيم، وتربية الأفراد وتثقيفهم على أداء التكاليف العبادية. والمشكلة الفكرية لا تعالج إلا بانشاء نظام ثقافي إسلامي طاهر نزيه يحمل على عاتقه تربية الأمة على فهم معاني الخلق والتكوين والجمال والقيم الأخلاقية. وليس هناك من دليل شرعي أو عقلائي يدعو إلى إهمال المشكلة الاجتماعية بما في آثار إهمالها من ظلم وإجحاف وإفساد. وقد التفت إلى ذلك جملة من فقهاء الامامية كالفيض الكاشاني (ت 1091هـ) والشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266هـ)، والسيد البروجردي (ت 1380هـ)، والشيخ محمد رضا المظفر (ت 1384هـ) وبعض المتأخرين. وفيما يلي بعض النفحات من أفكارهم الزكية، حسب ما يقتضيه تسلسل الأفكار: 1) يقول الشيخ المظفر (ت 1384هـ): "ومما يجدر أن نعرفه في هذا الصدد: ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ (المهدي)، أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر... بل المسلم أبداً مكلف بالعمل بما انزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ما تمكن من ذلك وبلغت إليه قدرته "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". ولا يجوز له التأخير عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي والمبشر الهادي، فإن هذا لا يسقط تكليفاً، ولا يؤجل عملاً، ولا يجعل الناس هملاً كالسوائم. 2) بينما يصرح صاحب "منتخب الأثر: "وليعلم أن معنى الانتظار ليس تخلية سبيل الكفار والأشرار، وتسليم الأمور إليهم، والمراهنة معهم. وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاقدامات الاصلاحية. فإنه كيف يجوز إيكال الأمور إلى الأشرار مع التمكن من دفعهم عن ذلك، والمراهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من المعاصي التي دلّ عليها العقل والنقل وإجماع المسلمين؟ ولم يقل أحد من العلماء وغيرهم بإسقاط التكاليف قبل ظهوره (أي الإمام المهدي)، ولا يرى منه عين ولا أثر في الأخبار... نعم، تدل الآيات والأحاديث الكثيرة على خلاف ذلك، بل تدل على تأكيد الواجبات والتكاليف والترغيب إلى مزيد الاهتمام في العمل بالوظائف الدينية كلها في عصر الغيبة. فهذا توهم لا يتوهمه إلا من لم يكن له قليل من البصيرة والعلم بالأحاديث والروايات". ويستنتج من هذا الرأي أن معنى الانتظار يحمل وجوباً في التمهيد والتوطئة لظهور الإمام القائم (عج). فوجوب قيام مجتمع إسلامي زمن الغيبة من ضروريات الدين التي يقرها العقل ويؤيدها الدليل. 3) وهو ما صرح به الفيض الكاشاني (ت 1091هـ) فقال بأن: "وجوب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، والافتاء، والحكم بين الناس بالحق، وإقامة الحدود والتعزيرات، وسائر السياسات الدينية، من ضروريات الدين. وهو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذي ابتعث الله له النبيين. ولو تُركت لعُطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفتنة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وخربت البلاد، وهلك العباد...". ويقول (قده) بخصوص كون الفقيه العادل حاكماً على المسلمين من قبل الأئمة (ع): "... وكذا إقامة الحدود والتعزيرات وسائر السياسات الدينية، فإن للفقهاء المؤمنين إقامتها في الغيبة بحق النيابة عنه (ع)... لأنهم مأذونون من قبلهم (ع) في أمثالها كالقضاء والافتاء وغيرها... ولإطلاق أدلة وجوبها، وعدم دليل على توقفه على حضوره عليه السلام". 4) بينما نلمس من محاضرات السيد البروجردي (ت 1380هـ) أنه كان ـ رضوان الله عليه ـ مرجعاً إسلامياً اجتماعياً في أفكاره، قال ـ قدس سره ـ "لا يبقى شك لمن تتبع قوانين الإسلام وضوابطه، في أنه دين سياسي اجتماعي، وليست أحكامه مقصورة على العبادات المحضة المشروعة لتكميل الأفراد، وتأمين السعادة في الآخرة، بل تكون أكثر أحكامه، مربوطة بسياسة المدن، وتنظيم الاجتماع، وتأمين سعادة هذه النشأة، أو جامعة للحسنيين، ومرتبطة بالنشأتين، وذلك كأحكام المعاملات والسياسات من الحدود والقصاص والديات والأحكام القضائية المشروعة لفصل الخصومات، والأحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليات التي يتوقف عليها حفظ دولة الإسلام كالأخماس والزكوات ونحوها... ولأجل ذلك اتفق الخاصة والعامة على أنه يلزم في محيط الإسلام وجود سائس وزعيم يدبر أمور المسلمين، بل هو من ضروريات الإسلام". وفي موضع آخر: "إن في الاجتماع أموراً لا تكون من وظائف الأفراد ولا ترتبط بهم، بل تكون من الأمور العامة الاجتماعية التي يتوقف عليها حفظ نظام الاجتماع، مثل القضاء، وولاية الغيّب والقصّر، وبيان مصرف اللقطة والمجهول المالك، وحفظ الانتظامات الداخلية، وسد الثغور، والأمر بالجهاد والدفاع عند هجوم الاعداء، ونحو ذلك مما يرتبط بسياسة المدن. فليست هذه الأمور مما يتصدى لها كل أحد، بل تكون من وظائف قيم الاجتماع، ومن بيده أزمة الأمور الاجتماعية، وعليه أعباء الرياسة والخلافة". 5) أما الشيخ النجفي (ت 1266هـ) فقد صرح في "جواهر الكلام" بخصوص إقامة المجتمع الإسلامي زمن الغيبة قائلاً: "وبالجملة، فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة". وقال (قده) في الاستدلال على وجوب إقامة الحدود من قبل الفقهاء: "إن المتيقن لإقامة الحد قائم في صورتي حضور الإمام وغيبته، وليست الحكمة عائدة إلى مقيمه (أي الإمام) قطعاً، فتكون عائدة إلى مستحقه، وإلى نوع المكلفين... وعلى التقديرين لابد من إقامته مطلقاً. وثبوت النيابة لهم (يعني الفقهاء) في كثير من المواضع على وجه يظهر منه عدم الفرق بين مناصب الإمام أجمع. بل يمكن دعوى المفروغية منه بين الأصحاب، فإن كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم، المراد به نائب الغيبة في سائر المواضع... قال المحقق الكركي، في المحكي من رسالته التي ألفها في صلاة الجمعة: اتفق أصحابنا على أن الفقيه العادل الأمين الجامع لشرائط الفتوى ـ المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية ـ نائب من قبل أئمة الهدى في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل". وبكلمة، فإن هؤلاء الفقهاء من الإمامية لاحظوا ببصيرتهم الثاقبة ضرورة قيام مجتمع إسلامي تطبق فيه أحكام الشريعة في عصر الغيبة. وفلسفة الانتظار تستبطن وجوباً في بناء المجتمع الرباني العادل الممهد لقيام القائم (عج) لإنشاء دولته الإسلامية العظمى التي تستوعب الأرض ومن فيها. ولكن استعراض تلك الآراء لا يستظهر دليلاً شرعياً، فلابد من البحث عن الحجية الشرعية عبر الدليل. قواعد الولاية الشرعية إن نظرية "ولاية الفقيه" شأنها شأن النظريات الأخرى تحتاج إلى تأسيس شرعي وفلسفي. ونقصد بالتأسيس الفلسفي: التأسيس العقلي، ونقصد بالتأسيس الشرعي: البحث عن الديل الشرعي الذي يوصلنا إلى شرعية تلك الولاية. فكان لابد من قواعد تحكم موضوع البحث. وقد حاولنا التفتيش في هذا الموضوع عن سبل امكانية تحقيق تلك النظرية. فكان البحث منصبّاً على الإمكان الشرعي، والفلسفي، والاجتماعي، والعملي. أولاً: الإمكان الشرعي لم يكن النقاش بين الفقهاء حول طبيعة المجتمع الإسلامي عصر الغيبة دائراً حول النظرية الاجتماعية، بل كان يدور حول طبيعة الولاية الشرعية للفقيه. فهل إن الولاية الممنوحة للنبي (ص) والإمام (ع) على الأموال والنفوس قد مُنحت للفقيه؟ أو أن ولاية الفقيه في غيبة المعصوم (ع) لا تتعدى الأمور الحسبية؟ وإذا كانت الولاية محصورة في الأمور الحسبية، فهل هي ولاية بالمعنى الحقيقي للكلمة أو أنها مجرد إذن في التصرف؟ وقد كان عدم ابتلاء الفقهاء بقضايا الحكم والسلطة مئات السنين باعثاً على اختلاف واسع في وجهات النظر الفقهية. ويمكننا تقسيم آراء فقهاء الإمامية حول ولاية الفقيه إلى ثلاث نظريات، وهي: نظرية إنكار الولاية للفقيه، ونظرية الولاية المحدودة، ونظرية الولاية المطلقة. النظريات الفقهية حول الولاية وتلك النظريات الثلاث لم تكن وليدة يوم أو ليلة وإنما كانت جهداً مشتركاً لمجموعة متضافرة من فقهاء الإمامية على مر القرون التي لحقت عصر الغيبة. وهذه النظريات هي: 1 ـ نظرية إنكار الولاية للفقيه وهذه النظرية تؤمن بتجريد الفقيه من الولاية المطلقة، مع الاقرار بنفوذ تصرفاته في الأمور الحسبية. فأشار صاحب "التنقيح" ـ قدس سره ـ إلى أن له جواز التصرف ببعض الحقوق والأمور الحسبية، ولكن ليست له ولاية على الآخرين. وذلك لقصور الأدلة عن إثبات أية ولاية للفقيه إطلاقاً. قال في "التنقيح": "إن الولاية تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة المعصومين (ع). بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه. وليس له التصرف في أموال القصّر أو غير ذلك مما هو من شؤون الولاية، إلا في الأمر الحسبي. فإن الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى، بل بمعنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته. وذلك من باب الأخذ بالقدر المتيقن، لعدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه. كما أن الأصل عدم نفوذ تصرفاته. إلا أنه لما كان من الأمور الحسبية ولم يكن بد من وقوعها في الخارج، كشف ذلك كشفاً قطعياً عن رضى المالك الحقيقي وهو الله تعالى. والقدر المتيقن ممن رضي المالك الحقيقي بتصرفاته هو الفقيه الجامع للشرائط... فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية". نقد نظرية إنكار الولاية للفقيه: 1 ـ إن الادعاء بقصور الأدلة عن إثبات ولاية الفقيه زمن الغيبة في قصور. ويمكن أن يشار في ذلك إلى التوقيع الصادر عن الناحية المقدسة، وهو: "أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله". وسند الحديث صحيح. فالشيخ الطوسي (قده) يرويه عن جماعة فيهم الشيخ المفيد، عن جماعة فيهم جعفر بن محمد بن قولويه وأبو غالب الزراري، عن الكليني. ورواه أيضاً الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام، عن الكليني. إلا أن المشكلة في الراوي نفسه وهو اسحاق بن يعقوب الذي لم يترجم له في كتب الرجال. ولكن يصعب علينا افتراء توقيع عن الإمام صاحب الزمان (عج) في تلك الظروف العصيبة التي لا تخفى على الشيخ الكليني. والمشهور عنه ـ رضوان الله عليه ـ الضبط والدقة في نقل تلك الأمور المصيرية بالنسبة للطائفة. ولاشك أن تلقي الأصحاب للتوقيع بالقبول، واعتماد الشيخ الكليني، والشيخ الصدوق، والطبرسي عليه دليل على وثاقة الرجل. وبالجملة، فإن هناك اطمئناناً عند اجلاء الطائفة بصدق الراوي وصحة الرواية. وليس هناك ما يبرر الغمز بالرواية بعد كل تلك السنين الطويلة من التسليم بها، حيث تناقلها الأصحاب نقل المسلمات. فالسند صحيح ولا وجه للغمز فيه. فهذا من ناحية السند. أما من ناحية الدلالة، فإن اللام في قوله: "أما الحوادث الواقعة" هي لام الجنس، ومقتضى إطلاق ذلك يعكس عمق التغيرات الاجتماعية التي ستمر بها الأمة بعد الابتعاد عن عصر النص. فكان "الرواة" "حجتي عليكم" بما يجهدون انفسهم في إرجاع الفروع المتغيرة إلى الأصول الثابتة. وكان الإمام (ع) على علم بذلك. وليست هناك قرينة صالحة لصرف إطلاق الحوادث أو الحجية أو الوكالة وتخصيصها بحوادث محلية محدودة حصلت في ذلك الزمان فحسب. أما الاشكال على كون "رواة حديثنا" هم مجرد الرواة، فيَرِد عليه: أنه لا ينسجم مع منطوق "إنهم حجتي عليكم". فما لم يفهم الراوي معاريض الروايات ويستبطن منها أحكاماً ليس بحجة على الآخرين، خصوصاً المقلدين منهم. فلاشك أن المقصود بالرواة: الفقهاء. 2 ـ إن الاعتماد على أصل "عدم ولاية أحد على أحد" و"عدم وجوب إطاعة أحد لأحد" إلا ما ثبت بدليل محكوم بموارد تعيين الموضوع الخارجي البحت الذي يتم على ضوئه تحديد الموقف الشرعي. فالمصلحة الاجتماعية الإسلامية قد تقتضي ولاية فرد على آخر في الدفاع عن بيضة الإسلام إذا تعرضت لتهديد خطير يتعلق بصميم وجودها. فيد الفقيه تمتد لا لتغيير الأحكام الثابتة، بل لتشخيص أحكام موجودة سابقاً بتشخيص موضوعاتها الجديدة. ولاشك أن قاعدة "الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم" والتي استنبطت منها أصالة عدم ولاية أحد على أحد، مقطوعة بورود الدليل على ولاية النبي والإمام والفقيه أيضاً. 3 ـ إن أفكار هذه النظرية بخصوص ولاية الفقيه لم تكن منسجمة ولم تكن متعاضدة، كما يظهر التأمل الدقيق في كلام رائدها ـ قدس سره ـ فهي في الوقت الذي أنكرت على الفقيه أي ولاية في عصر الغيبة، عادت وجوّزت للحاكم الشرعي إقامة الحدود. ولاشك أن إقامة الحدود جزء لا يتجزأ من الولاية العامة للفقيه، بل هي من أخطر ولايات الفقيه. قال السيد ـ قدس سره ـ في "مباني تكملة المنهاج": "إنما يجوز للحاكم الشرعي إقامة الحدود لأمرين، أحدهما: إن إقامة الحدود إنما شُرعت للمصلحة العامة دفعاً للفساد وعن انتشار الفجور والطغيان بين الناس وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون كل زمان. ثانيهما: إن أدلة الحدود مطلقة، فلا تتقيد بزمان خاص، وهي تدل على أنه لابد من إقامتها لكنها لا تدل على المتصدي لإقامتها من هو. ومن الضروري أن ذلك لم يشرع لكل أحد، فإنه يوجب الاختلاف في النظام. بل في التوقيع الشريف: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة احاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله). وفي رواية حفص: (إقامة الحدود إى من إليه الحكم) فإنها بضميمة ما دل على أن من إليه الحكم في زمان الغيبة هم الفقهاء، تدل على أن إقامة الحدود إليهم ومن وظيفتهم". وهذا في غاية الغرابة فقد احتج لإنكار ولاية الفقيه بزعم قصور أدلة التوقيع الشريف، في حين استدل بها على إقامة الحدود للفقيه! وإنكار ولاية الفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة يربك النظم الإسلامية في الاجتماع. لأن في الإنكار انتهاكاً للأموال والأعراض والنفوس، وهتكاً للحقوق التي بشر بحفظها الإسلام عبر قواعد "نفي الضرر" و"نفي الحرج" ونحوها. 4 ـ إن إقامة الحدود مرتبط، على صعيد الارتكاز العقلائي، بتوزيع عادل للحقوق. فما لم يكن هناك اشباع للحاجات الإنسانية الأساسية في الغذاء والسكن والتملك، لا نمتلك تبريراً لقطع يد السارق المحتاج، وما لم يفرض النظام الأخلاقي الإسلامي على المجتمع والقاضي بحرمة تناول المحرمات وحرمة التهتك، فلا نملك تبريراً لجلد شارب الخمر أو جلد المنحرف. فالقضية الجزائية مرتبطة بشكل لا يقبل الشك بالقضيتين الحقوقية والإجرائية القانونية. والولاية العامة في تعيين الحقوق وفرض الواجبات وتحديد العقوبات غير قابلة للانفكاك ولا التفكيك بل إن تفكيك الأحكام الإسلامية، وإعطاء الفقيه حق إقامة الحدود دون تعيين الحقوق وفرض الواجبات سيلحق بالأفراد ظلماً لا يمكن تصوره. 2) نظرية الولاية المحدودة للفقيه: ومن رواد هذه النظرية الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281هـ)، والشيخ النائيني (ت 1355هـ) وهذه النظرية تثبت أن ولاية الفقيه تنحصر في الأمور الحسبية بعنوان كونها القدر المتيقن من التكليف، لا ثبوت خصوص ولايته على تلك الأمور الحسبية. قال الشيخ الأنصاري (قده) بعد ان ذكر المناصب الثلاثة للفقيه: الافتاء، والقضاء، والتصرف في الأموال والأنفس ان الولاية تتصور على وجهين الأول: استقلال الولي بالتصرف. الثاني: اعتبار اذنه في تصرف الغير. فيكون نظره على الأول سبباً وعلى الثاني شرطاً. وتفصيل الوجه الثاني وهو اعتبار الاذن في التصرف، يتم على ثلاث نواحي: الاول: أن يكون على وجه الإستنابة كوكيل الحاكم. الثاني: أن يكون على وجه التفويض والتولية كمتولي الأوقاف من قبل الحاكم. الثالث: أن يكون على وجه الرضا كاذن الحاكم لغيره في الصلاة على ميت لا ولي له. وبعد أن يسرد الشيخ الأنصاري أدلة ثبوت الولاية للنبي (ص) والأئمة (ع)، يقول بصدد نفي ولاية الفقيه: اما الولاية على الوجه الأول اعني استقلاله في التصرف فلم يثبت بعموم، عدا ما يتخيل من اخبار واردة في شأن العلماء مثل: ان العلماء ورثة الأنبياء... ونحوها. لكن ملاحظة سياقها تقتضي الجزم في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية، لا كونهم كالنبي والإمام في الولاية على الناس، فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلف، فلا دليل على وجوب الدفع إليه شرعاً... هذا مع انه لو فرض العموم في الاخبار المذكورة وجب حملها على إرادة الجهة المعهودة المتعارفة من وظيفته (ص) من حيث كونه رسولاً مبلغاً، وإلا لزم تخصيص أكثر أفراد العام لعدم سلطنة الفقيه على أموال الناس وانفسهم إلا في موارد قليلة بالنسبة إلى موارد سلطنته. وبالجملة فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام إلا ما خرج بالدليل، دونه خرط القتاد. بقي الكلام في دلالته على الوجه الثاني، أي توقف تصرف الغير على إذنه فيما كان متوقفاً على إذن الإمام، فهو ان كل معروف علِمَ من حال الشارع إرادة وجوده ولا يرضى باهماله أو تعطيله. فإن علِمَ انه من وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص كالافتاء والقضاء للفقيه، أو كل من يقدر على القيام به كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا إشكال في شيء من ذلك. وان لم يعلم واُحتمِلَ كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه وجب الرجوع فيه إليه. ثم ان علِمَ الفقيه من الأدلة جواز توليه، لعدم اناطته بنظر الإمام المعصوم أو نائبه الخاص، تولاه مباشرة أو استنابة ان كان مما يقبل الاستنابة وإلا عطله. فإن كونه معروفاً لا ينافي اناطته بنظر الإمام (ع). والحرمان عنه عند فقده كساير البركات التي حرمناها بغيبته ـ عجل الله تعالى فرجه ـ ومرجع هذا إلى الشك في كون المطلوب مطلق وجوده أو وجوده من موجد خاص. ثم بعد ان ذكر الروايات الخاصة بوجوب الرجوع إلى الفقيه في الأمور المذكورة، قال: فقد ظهر مما ذكرنا ان ما دل عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي تكون مشروعة إيجادها في الخارج مفروغاً عنها، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس الق |