(ص 191- 202)

 هفوات النظام العائلي الوضعي

          ولا يستطيع الانسان تقدير حجم الخسارة الاجتماعية التي انزلتها النظرية الوضعية على المؤسسة العائلية؛ الا انها – دون شك- خسارة عظيمة. فبعد ان شجعت النظرية الرأسمالية النساء على العمل في شتى الحقول[1]، مانحة اياهن الحرية المناسبة، ازدادت نسبة الانحلال داخل الاسرة. فكان من نتائج ذلك ارتفاع نسب العوائل التي تعيلها الامهات، والاختلاط بين النساء والرجال دون عقود زواج، وتعدد عملية الزواج والطلاق خلال حياة الفرد، واضطراب اعادة التركيب العائلي بعد الطلاق، والزواج دون انجاب الذرية اختياراً، والانحراف في اختيار الشريك، وتفضيل العزوبية على الزواج مع توفر مستلزمات الزواج.

          واصبحت العوائل التي تعيلها المطلقات تشكل حوالي ثلث مجمل العوائل في الولايات المتحدة في بداية القرن الحادي والعشرين الميلادي. ومن الغريب اننا نجد من يدعي ان الحرية التي اكتسبتها المرأة في المجتمع الوضعي تصون حياتها الاجتماعية وتجعلها على مستوى اجتماعي واقتصادي واحد مع الرجل. والحرية المزعومة ما هي الا تحقير للمرأة وحطّ من كرامتها وحقها في العيش الكريم كأم او بنت او اخت. ودليلنا على ذلك ان نصف عدد العوائل التي تعيلها الزوجات دون الازواج هم من افقر فقراء المجتمع في الولايات المتحدة[2].

          ومع ان الغرب يعارض بشدة نظام تعدد الزوجات، الا ان الظروف الاجتماعية التي خلقتها الثورة الصناعية اجبرت المفكرين على الاقرار بالزواج التعددي؛ او بمعنى آخر: الزواج ثم الطلاق، ثم الزواج من امرأة اخرى ثم الطلاق، ثم الزواج من امرأة ثالثة ثم الطلاق وهكذا. واقرار هذا الزواج التعددي يمثل فشلاً ذريعاً لاوروبا التي ارادت بادانتها لنظام تعدد الزوجات وتحطيم فكرة الاسرة الكبيرة، زيادة عملية الانتاج والتأكيد على «المذهب الفردي». ونظام تعدد الزوجات افضل من الناحية الاجتماعية من نظام الزواج المتعدد لانه يحفظ كرامة الزوجات تحت ظل بيت واحد تسوده المحبة والالفة والابوة والقيمومة التي تغمر الابناء والبنات بالعطف والحب والرحمة؛ ولكن الزواج التعددي لا يجلب غير الالم والمرارة وتفسخ العائلة، فينفصل الاطفال عن احد الابوين، ويعيشون مع اُمهم التي تتزوج رجلاً آخر. ويتزوج الاب امرأة اخرى، وهكذا يضيع التوجه العائلي وتفتقد الرحمة الابوية بين شهوات الابوين ورغبتهما بالحرية الفردية.

          وعندما يتحطم النظام العائلي عن طريق الطلاق، فلابد للعائلة من اعادة تركيب علاقاتها الاسرية. فعليها ان تثبت اسس العلاقة الجديدة بين القاصرين من طرف الام وزوج امهم الجديد، وبين القاصرين من طرف الاب والقاصرين من الزوجة الجديدة. فيصبح الاطفال في العائلة الجديدة مجموعة من الاشقاء، اشقاء من الام واشقاء من الاب، وهذا يولد تعقيداً جديداً فى رسم شجرة العائلة الجديدة، ويولد ايضاً مشكلة نفسية من مشاكل الانسجام تضفي بتأثيراتها السلبية على الاسرة لاحقاً.

          ولما كانت الرأسمالية تشجع الافراد على التفوق والتحصيل العلمي الذي تعكسه آراء «المذهب الفردي»، فان الانجاب أصبح مشكلة تواجه العائلة التي تبتغي اعتصار اكبر ما يمكن اعتصاره من الخيرات عن طريق العمل والانغماس في العملية الانتاجية؛ ولذلك فهي لا ترغب في الانجاب، لانه حجر عثرة في طريق جني الارباح الشخصية. ولكن الانجاب يزيد العمل الانتاجي ويرفع العملية الاستهلاكية. وهنا تتعثر النظرية في استيعاب متطلبات الحياة الانسانية وفهم شروط العلاقات بين البشر.

          اما الانحراف العائلي في المجتمع الغربي الوضعي، فهو يتخذ وجهين. الاول: زواج الرجال بالرجال، والثاني: زواج النساء بالنساء. وهذا الانحراف يمثل عشرة بالمائة من اجمالي عدد العوائل أي حوالي خمسين مليون انسان في العصر الحاضر[3]. واغلب هؤلاء المنحرفين يتزوجون في كنائس خاصة بهم. بينما تقرّ المحاكم الفرعية ببقاء الاطفال المتولدين قبل الانحراف مع ابائهم أو امهاتهم؛ وهو دليل على قبول تلك المحاكم ضمنياً شرعية الزواج المنحرف، لواطاً كان او سحقاً. ويعكس هذا اللون من التفكير انحطاط تلك الحضارة وهزالتها وانحدارها عن مستوى التفكير الانساني السليم، ولهثها وراء الشهوة الرخيصة، والا فكيف يعقل عصمة هؤلاء الاطفال من الانحراف الاخلاقي اذا اجيز لهم العيش والنمو والتطور ضمن حدود الاسرة المنحرفة؟

          وتميل نسبة متزايدة من الافراد الى العيش الانفرادي، لانها لا ترى في الزواج هدفاً اجتماعياً؛ لان الحرية الفردية والاستقلال الاجتماعي ـ بزعمها ـ امضى واقوى للسعادة الفردية من النظام العائلي المعقد[4]. فالمسألة ـ في اعتقادهم ـ ترجع الى الاختيار الشخصي والحرية الفردية وليست المصلحة الجماعية[5]!

          وفي نهاية المطاف، فاننا لابد ان نقرّ بان الاسرة الكبيرة التي كرّمها الاسلام وجعل افرادها يعيشون معاً بشكل دائمي على اساس التعاون والمساعدة والشعور بالمسؤولية الجماعية، هي أفضل الانظمة التي تحفظ النظام الاجتماعي مهما كان لونه الجغرافي والاقتصادي والتاريخي.

 ----------------

 القسم الثالث

 نقاط مقارنة بين النظامين الاسلامي والوضعي

  ----------------

خصائص النظام العائلي الاسلامي بالمقارنة

مع النظام العائلي الوضعي

          ومن اجل فهم الابعاد الحقيقية للمؤسسة العائلية في المجتمع الاسلامي، ودور الشريعة في إحكام بنائها العلوي، لابد لنا من دراسة الفوارق الفكرية والفلسفية المتوقعة بينها وبين نظيرتها في النظام الاجتماعي الوضعي. وفي سبيل تحقيق ذلك الفهم، لابد من ترتيب الفوارق الفكرية ضمن النقاط التالية:

اولاً: اقرار الضمان المالي للعائلة في المجتمع الاسلامي؛ فتنصبّ مسؤولية الزوج على اعالة زوجته ووالديه وابنائه، حيث اوجبت الشريعة نفقة الزوجة الدائمة على زوجها، حتى لو كانت الزوجة ثرية؛ وجعلت المسؤولية مشتركة بينهما، فعليه النفقة وعليها الطاعة والتمكين. ولا شك ان تحديد النفقة الشرعية مرهون بالعرف، الا ان الاصل فيها هو اشباع حاجاتها الاساسية من المأكل والملبس والمسكن والعلاج ونفقة الحمل والوضع والرضاعة والحضانة. وبطبيعة الحال، فان وجوب الانفاق لا يقتصر على الزوجة فحسب، بل يجب على الآباء نفقة ابنائهم وان نزلوا ذكوراً واناثاً، وعلى الابناء نفقة آبائهم وان علوا ذكورا واناثاً، وهو ما عبر عنه فقهياً بنفقة الاصول والفروع، حتى لو كان الاصل فاسقاً او كافراً بلا خلاف.

          اما في النظرية الوضعية، فان النظام العائلي مصمم نظرياً على اساس ان الفرد المنتج في العائلة الواحدة هو المسؤول عن اعالة الذين لا يقدرون على القيام بعمل منتج بسبب القصور او العجز الطبيعي. ولكن الواقع يفصح عن ان وجوب النفقة على الزوج - من الناحية القانونية - منحصر بنفقة القاصرين من الاولاد فقط؛ لان الزوج غير مكلف باعالة زوجته القادرة على العمل والانتاج. وليس غريباً اذن، ان نجد ان نصف نساء الغرب مثلاً يعملن على الساحة الانتاجية الاجتماعية خارج البيوت، من اجل المساهمة في النفقة العائلية. ولا يلزم القانون الوضعي الابناء البالغين بالنفقة على آبائهم العاجزين عن العمل ، لان الدولة والنظام الاجتماعي كلِّفا باشباع حاجات الشيوخ والمسنين. ولا يخفى ان روح ذلك النظام مستمدة من فكرة «المذهب الفردي» التي تنادي بالتحلل من الالتزامات العائلية التي نادت بها جميع الاديان السماوية.

          ولكن الدولة لا تستطيع سد جميع حاجات المسنين والعاجزين عن العمل. وخروج الزوجة للعمل خارج البيت، يترك القاصرين دون رعاية ابوية هم بأمسّ الحاجة اليها وقت نموهم العقلي والبدني. ولذلك، فان تحميل المسؤولية المالية على الزوج للانفاق على زوجته ووالديه وابنائه يعتبر من افضل الحلول الاجتماعية لمشكلة تحلل الاسرة، التي يشهدها النظام الوضعي اليوم بكل ضراوة بعد أكثر من ثلاثة قرون على انشائه وتطوره في المجالات الاقتصادية والصناعية.

ثانياً: الضمان المالي للزوجة المتمثل بالصداق. وهو الذي شرعه الاسلام لمصلحتها، واعتبره حقاً من حقوقها المالية، ان كان مهراً مسمى، او مهر مثل، او مهر تفويض. وفي جميع الحالات، يجب ان يكون المهر نقداً او عقاراً او منفعة لها قيمة معتبرة في العرف الاجتماعي والاقتصادي. فاذا طلقها قبل الدخول كان لها نصف المهر، ولها المهر كاملا بعد الدخول. ولا شك ان الصداق يعتبر - حسب النظرية الاسلامية - ضماناً مالياً كاملاً للمرأة خصوصاً بعد الطلاق، حيث تتوقف نفقة الزوج عليها. فلابد لها حينئذ، من الاستقلال مالياً دون الحاجة الى مد يدها طلباً للمساعدة في سد حاجاتها الاساسية؛ وهو تشريع تفتقده النظرية الوضعية.

          فاذا تم الطلاق حسب المبنى القانوني الوضعي، فان المطلَّقين يتقاسمان الثروة التي جهدا في تحصيلها خلال سنوات الزواج، ولكن اذا بُدّدت الثروة المالية خلال ايام الزواج لسبب من الاسباب، او كان الزوج عاجزاً عن توفيرها، اصبحت المطلَّقة ريشة في مهب الريح الاجتماعية، لا تملك لنفسها مالاً تشبع فيه حاجاتها الاساسية. ولما كانت النظرية الوضعية لا ترى في المهر حقاً من الحقوق الرئيسية للزوجة ولا شرطاً في صحة الزواج، انحدرت اغلب المطلَّقات واولادهن الى مستوى الطبقة الفقيرة. ولذلك، فانك ترى ان اغلب فقراء الحضارة الحديثة هم من المطلَّقات، والارامل، والقاصرين من العوائل المطلَّقة.

ثالثاً: ان الشروط الشرعية التي يشترطها الزوج او الزوجة ضمن العقد، في النظام الاسلامي، ليس لها ما يقابلها في النظام العائلي الوضعي. فالشروط الصحيحة التي لا تفسخ العقد يترتب عليها الالزام وصحة العقد، كاشتراط الصفات الجسدية او الخلقية في احدهما، فيثبت خيار الفسخ مع تخلف تلك الصفات، لعموم«المؤمنون عند شروطهم». اما الشروط غير الشرعية فهي اما ان تبطل العقد كالاقالة، او تبطل الشرط ويبقى العقد صحيحاً كاشتراط عدم المس مطلقاً. وبالجملة، فان الشروط الشرعية ضمن عقد الزواج، توفر للزوج او الزوجة ضماناً اخلاقياً او جسدياً يساهم في ادامة البيت الزوجي، وتحقيق سعادته ضمن اطار النظام الاجتماعي.

رابعاً: لا يصح الزواج، حسب الشريعة الاسلامية، الاّ بالخلو من المحرمات النسبية والسببية للزوج والزوجة. ومع ان النظريتين، الوضعية والاسلامية، تتطابقان في حرمة التزاوج بسبب المحرمات النسبية كالام والبنت والاخت والعمة والخالة وبنت الاخ وبنت الاخت. الا انهما يفترقان في المحرمات السببية. ففي حين توجب النظرية الاسلامية حرمة التزويج بسبب آثار المصاهرة، كحرمة زوجة الاب على الابن، وزوجة الابن على الاب، وام الزوجة على زوج ابنتها، وبنت الزوجة على الزوج؛ وحرمة التزويج بسبب آثار الزنا، فليس لابيه ولا لابنه العقد على الزانية التي زنى بها؛ والحرمة المؤبدة للدخول بالمعتدة والمتزوجة؛ وحرمة الجمع بين الاختين المتولدتين من اب وام، او لاحدهما؛ وحرمة الرجوع بعد التطليقة الثالثة ما لم تنكح زوجاً غيره، ونحوها؛ ففي جميع تلك الحالات تنفرد النظرية الاسلامية عن بقية النظريات الاجتماعية في الاهتمام بنظافة العلاقات الاجتماعية والاسرية المبنية على طهارة النسل وعدم اختلاط الانساب. وهذا يفضي بالتأكيد الى صلابة البنية التحتية للمجتمع الاسلامي، حيث تشكل سلامة الاسرة وصحة مقوماتها، سلامة النظام الاجتماعي كلياً.

خامساً: العيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وامضائه، وهي العيوب المكتشفة بعد تمام اجراء العقد كالاضطراب العقلي والخصاء والجب والعنن بالنسبة للرجل، والاضطراب العقلي والبرص والجذام والعمى والعرج والقرن والعفل والافضاء والرتق بالنسبة للمرأة؛ فيثبت في تلك الحالات، حسب النظرية الاسلامية، خيار الفسخ على الفور. وكذلك الخيار بالتدليس وهو التمويه باخفاء نقص او عيب موجود او ادعاء كمال غير متحقق قبل اتمام العقد. وكذلك الخيار لتخلف الشروط، كأن تكون صفة عدم النقص من شروط العقد، او كون عدم النقص وصفاً لا شرطاً، او كون العقد مبنياً على اساس  عدم النقص. ولكن اذا لم يبادر احدهما الى الفسخ لزمها العقد. ولا شك ان هذا التشريع يعكس عدالة النظام القضائي الاسلامي بين الرجل والمرأة على حدٍ سواء، على عكس ما يروجه اعداء النظرية الدينية ويتهمون فيها الاسلام بعدم المساواة بينهما في القضايا الزوجية.

          اما في النظام الوضعي، فان خيار الفسخ مرهون بحكم المحكمة، حيث يرجع فيه الى العرف وأهل الخبرة، ولا يوجد في القانون الارضي ما يشير الى دقة تفاصيل العيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وامضائه، كما هو معمول به في النظرية الاسلامية.

سادساً: ان عقد الزواج والصداق في الاسلام لا يقصد منه المعاوضة التي لابد فيها من العلم الرافع للغرر. ففي المعاملات التجارية والبيع والشراء يجوز للفرد فحص المادة المراد شراؤها باغلب الاوجه المتعارف عليها اجتماعياً، حتى تكتمل قناعة المشتري بالمادة المباعة. الا ان الاسلام لما ارجع للمرأة حقوقها، حّرم ذلك في الزواج، لان ذلك العلم الرافع للغرر يهين المرأة ويضع المجتمع امام اضطراب اخلاقي خطير؛ نعم، نظّم الاسلام حدود العيوب الموجبة لخيار الفسخ والخيار بالتدليس. ومن الملفت للنظر ان العرف الغربي الحديث في الوقت الذي استنكر فيه على الاسلام تشريعه لصداق المرأة بزعم انها تعكس الطبيعة التجارية للزواج، أقر في قضايا الزواج بين افراد نظامه بالمعاوضة التي لابد فيها من العلم الرافع للغرر؛ وهو ما يشجع الفرد على الاختبار الجسدي والنفسي للشريك المتوقع حتى قبل مجرد التفكير بالعقد.

(تليها صفحات 203 - 225)

 

اللاحق          السابق           صفحة التحميل            الصفحة الرئيسية


 


[1]  روزابث موس كانتر – العمل والعائلة في الولايات المتحدة. روسيل سيك، 1977م.

[2]  ميشيل هارنكتن –الفقر الامريكي الجديد. هولت- راينهارت- ونستن، 1984م. جيمس باترسن – الكفاح الامريكي ضد الفقر 1900- 1980. جامعة هارفارد، 1982م.

[3]  مارتن وينبرك وكولن وليايمز – الرجال المنحرفون جنسياً. جامعة اكسفورد، 1994م.

[4]  بيتر ستاين – العزوبية. برنتس – هول، 1976م.

[5]  جاكلين سايمنوبر وديفيد كارول – العزاب. سايمون وشوستر، 1982م.