(ص 173 - 190)

معنى التغير في المؤسسة العائلية الوضعية

          ولم يكن التأثير الذي احدثته الفكرة الرأسمالية في القرن الثامن عشر منحصراً بالجانب الاقتصادي من المجتمع الاوروبي، بل تعدى بشكل مباشر الى المؤسسة العائلية بكل تشكيلاتها الاجتماعية. فكان من اهم التأثيرات التي عصفت بالمؤسسة العائلية هو تغير ولاء الافراد تجاه بعضهم البعض؛ حيث اصبح الافراد يحصرون جل اهتماماتهم العملية على تحقيق رغباتهم الشخصية دون الاكثراث لمسؤولياتهم الاجتماعية تجاه عوائلهم الكبيرة واقاربهم وارحامهم. وهذا التغير في الولاء افرز نتائج لها تبعات خطيرة على الحياة العائلية، تصورها كتابة (بتي يوربيرك) في كتاب «دور الغريزة الجنسية في التغير الاجتماعي»، فتقول: «يبحث الافراد عن فرص للعمل حتى لو كان ذلك البحث يكلفهم كسر العلاقات الاسرية مع ارحامهم. النساء المتزوجات من الطبقة المتوسطة والعليا يذهبن للعمل حتى مع معارضة ازواجهن. وبعد ذلك يتركن زواجهن المليء بالمتاعب، واحياناً يتركن اطفالهن مع ازواجهن ويذهبن للبحث عن حياة جديدة فيها عمل وظيفي. الازواج يتركون زوجاتهم اللاتي بذلن حياتهن كربّات للبيوت. ووجود القاصرين لا يردع الزوجين عن التفكير بالطلاق... والابن الاكبر لا يترك الجامعة لمساعدة والديه العاجزَين عن العمل أو اخوته المحتاجين، بل يتركهم وحاجاتهم ويذهب لتأسيس مستقبله بعيداً عن العائلة. الشباب يختارون حياة زوجية او حياة منحرفة حتى لو عارض الابوان ذلك»[1] .

          وتلك الحياة الجديدة التي افرزتها التجربة الرأسمالية غيرت النظرة الانسانية في المجتمع الصناعي تجاه الزواج والاسرة. فالعوائل الكبيرة التي كان يرأسها جد الاسرة تحولت الى عوائل صغيرة تضم الاب والام وطفليهما، ونظام تعدد الزوجات استبدل بنظام الزوجة الواحدة، والبيوت الكبيرة التي كانت تضم بين جدرانها عوائل متعددة استبدلت بوحدات سكنية تضم عوائل صغيرة ، والتزاوج بين الاقارب استبدل بالتزاوج عن طريق العمل والمؤسسات التعليمية. واصبحت القاعدة في الزواج في المجتمع، الميول نحو الاختيار الشخصي القائم على الاعجاب، والجمال. وبذلك انحسر العامل الاقتصادي الذي كان محور التزاوج في المجتمع الريفي الاوروبي.

          وتَبَدُّل الشكل العائلي في المجتمع الاوروبي من العصر الزراعي الى العصر الصناعي له عوامله الخاصة التي جعلت فكرة التغيير سبباً اساسياً حاسماً في تثبيت اسس النظام الاقتصادي الرأسمالي. ولولا ضعف الاسرة الكبيرة وانفراط عقدها لما نجح النظام الرأسمالي في تنويع الانتاج وزيادته. فالاسر الصغيرة ايسر للانتقال الجغرافي من منطقة الى اخرى حسبما يقتضيه العمل في حقول الانتاج. والعامل في المجتمع الرأسمالي ينتقل حيثما وجد عملاً مناسباً يهيئ له عيشة رغيدة. فاذا كان ذلك العامل مرتبطاً باسرة كبيرة، اصبح ارتباطه عائقاً في التكسب؛ ولذلك مالت الكفة الاجتماعية نحو انشاء العوائل الصغيرة القادرة على الانتقال الجغرافي بيسر بحثاً عن ظروف انسب للعمل.

          وطالما كان المجتمع الرأسمالي يوفر فرصاً اكبر للعمال لتطوير شخصياتهم وفرصاً اكبر للنجاح والصعود الى الطبقات العليا، فان الطامحين للصعود الاجتماعي لا يلزمون انفسهم بالالتزام بالقيم والتقاليد التي تفرضها عليهم الاسر الكبيرة؛ لان الاسرة الكبيرة المتكونة من اجيال متعددة تحترم لوناً معيناً من القيم الاجتماعية الصارمة. ولكن الحركة الاجتماعية التي تنقل الفرد من طبقة الى طبقة اعلى تحمل في طياتها قيماً تختلف عن قيم الطبقة الاخرى نحو العلم والتحصيل والاخلاق والمورد المالي. والاصل في الفكرة التي تعتنقها النظرية الرأسمالية، هو ان الدرب الاساس نحو الصعود الاجتماعي الى طبقة اقتصادية ارقى من الطبقة الاساسية للفرد، لا يتم الا عن طريق تحطيم الاواصر الاجتماعية مع العائلة الكبيرة.

          وعندما بدأ النظام الاوروبي بتقديم شتى الخدمات الاجتماعية التي كانت العوائل الكبيرة تقدمها لافرادها، اصبحت الحاجة الى استمرار وجود تلك العوائل الكبيرة تنتفي تدريجياً. فالدولة – بنظامها الاجتماعي- تقدم لافراد العوائل الصغيرة الخدمات التعليمية، والطبية، واعانة العجزة، ورعاية الاطفال، والخدمات المالية للمحتاجين. واذا كان النظام يقدّم كل تلك الخدمات، فما هو الداعي في الاعتماد – مالياً -على الاقارب او الارحام وقت الازمات ؟ ومن يلزم الزوجين اخلاقياً في العيش مع آبائهما؟ وهكذا، فان التوجه نحو تغير الولاء من العشيرة والاقارب الى الدولة والنظام ساهم في انتشار العوائل الصغيرة القائمة على قاعدة «الزوجين واطفالهما» فقط. وبذلك تحقق حلم الرأسمالية بزيادة الانتاج الصناعي عن طريق تحطيم الاواصر العائلية في العشيرة والعائلة الكبيرة ، واستبدالها بنظام العوائل الصغيرة التي تستطيع الانتقال جغرافياً بسرعة من مكان لآخر حسبما تتطلبه العملية الانتاجية.

          نقطة اخرى جديرة بالاهتمام، وهي ان الابناء الذين كانوا في المجتمع الزراعي رصيداً اقتصادياً للعمل والانتاج ، اصبحوا في الاسرة الرأسمالية الجديدة عبئاً اقتصادياً على الابوين. فالابوان مكلفان باطعام ابنائهما وكسوتهم وتعليمهم من الطفولة وحتى البلوغ. وبعد البلوغ، وعندما يصبح الفرد قادراً على التكسب والاستقلال، يمسي همّه الاكبر الانفصال عن ابويه لانشاء اسرة صغيرة جديدة. وهذا التوجه العام يفسر سبب ميول الابوين نحو انشاء اسر صغيرة ذات عدد محدود من الابناء، لان كثرة الابناء ليس لها مردود اقتصادي على الاسرة، فالابناء المنتجون ينفصلون عن ابويهم بعد بلوغهم ومباشرتهم العمل خارج البيت.

          ولاشك ان فكرة "المذهب الفردي" ساهمت بصورة أساسية في تغيير صورة العائلة، فالفرد مكلف باشباع حاجاته وتحقيق طموحاته الشخصية، وليس مكلفاً باشباع حاجات الآخرين. وهذا المنحى الفكري هو اساس الفكرة الرأسمالية في العمل والانتاج. فالفرد هو محور كل الافكار والتوجهات الاجتماعية. بل ان كل الخدمات الاجتماعية ينبغي ان تتوجه - حسب المذهب الفردي- نحو تسهيل حياة الانسان وترفيهه حتى لو كان ذلك على حساب التقاليد والالتزامات الاجتماعية. فان كانت القضية التي تواجه الفرد قضية مالية او عناية صحية او قضية زواج او طلاق، تساءل: «ما هو نفعي وربحي من تلك القضية؟» على عكس الفرد المتدين الذي يسأل: «ماذا يتوقع ارحامي واخواني مني ان اعمله لهم؟» وهذا الفارق في السؤال والجواب يعكس الفارق بين المذهب الفردي الذي جاءت به الرأسمالية، والفكرة الجماعية التي نادى بها الدين.

          ولا ريب ان شكل العائلة الصغيرة، التي هي احدى ثمار سيطرة الرأسمالية على المقدرات الاجتماعية، لها مساوئها وعيوبها. فقد كان الفرد في العوائل الكبيرة يستند على دعم عائلته في الازمات الاجتماعية والاقتصادية، فوجود العائلة الكبيرة هو مولد اطمئنان الفرد نحو سد حاجاته اقتصادياً وعاطفياً دون الاضطرار الى استجداء الآخرين من خارج الحدود العائلية. اما الانسان الحديث فهو لا يملك الا زوجته وقت الازمات، واذا كانت الزوجة لا تعمل الا في حدود واجباتها البيتية، فان الاسرة لا تصمد امام الهزات الاقتصادية التي تعصف بالفرد المعيل، كفقدان العمل، والعجز الجسدي، والموت.

          بمعنى ان الفرد في الاسرة الكبيرة اذا عجز عن احتلال دوره الطبيعي في النظام الاسري، فان بقية الافراد سوف يساهمون في اشغال ذلك الدور دون ان يؤثر ذلك على وضع الاسرة اقتصادياً او اجتماعياً. اما في الاسر الصغيرة فإنّ عجز احد الابوين عن اداء دوره الانتاجي قد يؤدي الى تحطيم الاسرة من الناحية الاقتصادية. وتتحقق نفس النتيجة اذا مات رب الاسرة، او مرض مرضاً مزمناً، فان كل ذلك يضع الاسرة الصغيرة في ازمة اقتصادية. 

وفي الاسر الكبيرة، يكون الزواج قضية طبيعية لا يتوقع الفرد منها ان تخلق المعجزات. فالزوجة تساهم في عمل البيت وتربية الاطفال، وقد تضطر للعمل احياناً خارج البيت، ولكن كل ذلك يخضع للحدود والقيم والتعليمات التي تلتزم الاسرة الكبيرة بها. وهذا كله يساهم في استقرار النظام الاسري، حتى لوكان المردود العاطفي بين الزوجين ضعيفاً.

اما على مستوى الزواج في المجتمع الوضعي الحديث، فقد يتوقع الزوجان، من احدهما الآخر، اموراً غير واقعية بسبب الصورة الخيالية المسبقة الموضوعة في ذهنيهما قبل الزواج. واذا فشل الزوجان في تحقيق الصورة الخيالية التي رسماها في مخيلتهما، انفرط عقد الزواج، واصبح الطلاق المنفذ الوحيد لاعادة ترتيب اولويات حياتهما الاجتماعية والاقتصادية. ولا شك ان تلك المشكلة تعتبر من اخطر مشاكل التغير في المؤسسة العائلية اليوم.

 العائلة الغربية:  

          ولا شك ان ابتعاد العائلة الغربية عن الدين كان قد اوقعها في وضع مأساوي خطير، بسبب افتقاد النظرية الوضعية الحديثة لمنهج موضوعي ينظم الحياة العائلية ويساهم فى بنائها العلوي. وبطبيعة الحال، فان الاحصاءات العلمية تعكس واقع هذا الوضع الاجتماعي. فعشرين بالمائة من مجمل الولادات في الولايات المتحدة في العقود الاخيرة من القرن العشرين لا تحصل نتيجة الزواج الشرعي المتفق عليه اجتماعياً، وربع حالات الحمل تنتهي بالاجهاض، ونصف عدد الزيجات تنتهي الى الطلاق[2]، وعشرين بالمائة من البالغين يعيشون حياة العزوبية اختياراً[3]، علماً بان وسائل الزواج ميسورة. وتلك الصورة الاجتماعية القاتمة دليل على فشل النظرية الوضعية في تقديم حل اجتماعي مقبول لمعالجة مشاكل الانسان الحياتية، خصوصاً في عصر تدعي فيه نجاحها الباهر في كل الميادين العلمية والتقنية والاقتصادية.

          واذا كانت صورة الحاضر تعيش ضمن هذا الاطار المنحل، فان صورة الماضي انما اختلفت في الشكل لا الجوهر. فخلال الحرب الاهلية الامريكية، على سبيل المثال، كان القانون يمنع الزنوج من التزاوج فيما بينهم ويسمح لهم بممارسة عملية الجماع دون زواج شرعي لغرض انجاب العبيد وبيعهم في اسواق النخاسة. لان العبد، في العقيدة الرأسمالية، ملك للسيد المالك حتى في القضايا الخاصة وليس له الحرية في اختيار الشريك في عملية الزواج او في اي عمل آخر. وبذلك تدر عملية الجماع تلك اموالاً على المالك، دون الاكتراث لشرعية الزواج او الاهتمام بحق الانسان في التزاوج الطبيعي والتأهيل العائلي. وكان معتنقو مذهب المورمن النصراني يمارسون عملية تعدد الزوجات لحد سنة 1896م. والذي منعهم قانوناً من ذلك، شرط الحكومة الفيدرالية لولاية يوتا، بعدم السماح لهم الدخول في الاتحاد ما لم يعلنوا صراحة توقفهم عن ممارسة عملية تعدد الزوجات، وذلك لمعارضته لاصل الفكرة الرأسمالية حول مفهوم «الفردية» التي تحترم ارادة الفرد وتعتبر فكرة تعدد الزوجات اهانة لكرامة الزوجات جميعاً !

          ولا شك ان تعنت الغرب في رفض فكرة تعدد الزوجات لم يحل المشكلة الاجتماعية التي تواجهها الاسرة الحديثة. فثلاثة ارباع الحالات الزوجية تعاني من خيانات زوجية من كلا الطرفين في العائلة الواحدة[4]. وازدياد عدد حالات التشرد بين النساء المطلقات والفتيات من العوائل المنحلة لا يساعد مفهوم النظرية الرأسمالية الزاعم بان الحب في المجتمع الحضاري الصناعي يخلق الزواج المثالي، وان التمتع بزوجة واحدة يجنّب الفرد الخيانة الزوجية. ولو كان زعم النظرية صحيحاً، فَلِم انحدر اذن ثلاثة ارباع المجتمع في مستنقع الرذيلة بممارسة الخيانة الزوجية عن طريق الزنا؟ وليس هناك ادنى شك من ان الاقرار بالانحراف عن الحياة الزوجية السليمة من جهة، ورفض قبول الحلول الاجتماعية التي يقدمها الفكر الديني المتمثل بالاسلام بخصوص نظام تعدد الزوجات من جهة اخرى، يعتبر تعنتاً واستكباراً لا مبرر له.

          واذا كان الحب المتبادل بين فردين في المجتمع الصناعي هو اساس الزواج الناجح، فلماذا اذن، تنتهي نصف الحالات الزوجية الى الطلاق؟ أليس هذا تناقضاً مع الفكرة القائلة بان نجاح اي قضية نسبياً يتوقف على حل ثلاثة ارباع اجزائها على الاقل؟ فكيف نعتبر الزواج في المجتمع الوضعي نجاحاً للفكرة الوضعية؟ وكيف نعتبر نصف الحالات الزوجية التي تنتهي الى الطلاق نجاحا للفكرة الاجتماعية الحديثة؟

          ويبرز، هنا سؤال وجيه وهو: لماذا تحاول النظرية الوضعية تقديس ظاهرة الحب التي قد تنتهي الى الزواج؟

          تقول النظرية الوضعية ان الحب عنصر اساس في انشاء حياة عائلية في المجتمع الصناعي، للاسباب التالية:

اولاً: ان الحب يساعد الفردين المتحابين على نزع ارتباطاتهما العائلية مع العائلة الكبيرة، وتلك الخطوة مهمة في تنشيط الانتاج وتشجيع المتزوجين الجدد على الانتقال الى اي منطقة او مدينة تحتاجها العملية الانتاجية. اما، إذا اتخذ الزواج مساره الطبيعي دون الانغماس بالناحية العاطفية، فان الارتباط العائلي مع العائلة الكبيرة سيكون اقوى. وعندها لا يمكن انتـزاع الافراد ودفعهم نحو الانتاج بعيداً عن ابائهم واجدادهم.

ثانياً: ان الحب المتبادل يساهم في اشباع الناحية العاطفية التي حرمها انكسار الاسر الكبيرة وتحطمها. ففي وقت الازمات تساهم الاسرة الكبيرة في التخفيف عن الآلام التي يتعرض لها الانسان المصاب، وتساهم ايضاً في تقديم المساعدة العاطفية والمادية؛ في حين تفتقد الاسر الصغيرة الى هذا النوع من الحنان والتعاون الجماعي؛ ولذلك فان الرأسمالية تشجع الافراد على ممارسة الحب حتى يساهم ذلك الحب في رأب الصدع الذي سببته لهم العملية الانتاجية.

ثالثاً: وخوفاً من تناقص النسبة المئوية السنوية للمواليد، فان الفكرة الرأسمالية تشجع الافراد على ممارسة الحب المتبادل لانه يؤدي الى الزواج ورفد المجتمع بالذرية. ولو كان هناك خيار للناس بالزواج او عدمه لاختارت نسبة ملحوظة منهم – وتوافقاً مع فكرة المذهب الفردي - العدم تخوفاً من تحمل المسؤولية المالية والاجتماعية التي تفرضها الاسرة.

          ومجمل القول ان النظرية الوضعية تشجع الافراد على تحطيم القيود الاسرية التي يشجعها النظام الديني، وتحفزهم على التزاوج عن طريق الحب المتبادل وتخفيف القيود الاجتماعية على علاقة الرجل بالمرأة قبل الزواج. ولا ريب ان السبب المباشر الذي يدعو الرأسمالية الى التبشير - بكل حماس- لفكرة انشاء الأسر الصغيرة، هو اعتقادها بان الأسر الصغيرة التي تفتقد الى علاقات متينة مع اقاربها وعشيرتها، تعتبر اكثر نفعاً واوفر انتاجاً واعظم خدمةً للمال من الأسر العشائرية الكبيرة.

 الزواج والطلاق في المجتمع الوضعي

          ويشجع النظام الوضعي الافراد، على اختيار شركاء حياتهم بحرية ايمانا منه بـ«المذهب الفردي» في زيادة الانتاج. فتتم طريقة الاختيار تلك، عن طريق التقاء الرجل بالمرأة، ثم بعد رحلة شعورية يتم في نهاية المطاف الاتفاق على الزواج. ومع ان هذا الوصف مشترك في اغلب الحالات، الا ان هناك خصائص ومميزات تتحكم في عملية الانجذاب والزواج.

 خصائص عملية الزواج:

ومن تلك الخصائص: العمر، والدين، والمنـزلة الاجتماعية، والثقافة، والاصل العرقي، ومكان العمل.

          فعلى صعيد العمر، فان التزواج يحصل بين فردين متقاربين في العمر. فالرجل غالباً ما يتزوج امرأة أقلّ بقليل من عمره. ولا تشجع الرأسمالية على التزاوج بين افراد تتفاوت اعمارهم تفاوتاً كبيراً لان ذلك يسبب تقليل العمل الانتاجي للاسرة.      

          وعلى صعيد الدين، يتم التزاوج غالباً ضمن افراد معتنقي الدين الواحد. ولما كان التزاوج بين ابناء الديانات المختلفة لايؤثر على انتاجية المجتمع، فالرأسمالية لا تعارض التزويج بين افراد من ديانات متغايرة.

          وعلى صعيد الطبقة الاجتماعية يتم التزاوج ضمن افراد الطبقة الواحدة، لان جذور الزوجين وعلاقاتهما الاجتماعية مرتبطة بظروف الطبقة ووضعها المالي والسكني. ولما كان من مصلحة الزوجين العيش بسلام ضمن اطار الطبقة الواحدة، وعدم الدخول في صراع اجتماعي مع الطبقات الاخرى، فان الانسان يبحث اولاً عن شريكة حياته ضمن طبقته الاجتماعية.

          وعلى صعيد الثقافة والتحصيل العلمي، فان النظرية الوضعية تشجع الافراد على الزواج من اقرانهم في المعاهد الدراسية كالجامعات والكليات والمدارس العامة. فالجامعات تعدُّ من افضل الاماكن للتعارف والتخطيط للزواج. ولاشك ان الاسرة المكونة من فردين مسلحين بشهادات جامعية يعملان في حقول الانتاج تدر على المجتمع اموالاً اكثر لاسباب منها:

أولاً: ان الزوجين ينتجان ويستهلكان اكثر من اقرانهما خارج الدائرة العلمية.

ثانياً: ان اجتماع طاقاتهما العلمية سيولد ابداعاً للحقل الصناعي.

ثالثاً: ان احتمال حذو ابنائهما نفس الطريق العلمي، اقوى.

 خصائص عملية الطلاق:

          وتعتبر نسبة الطلاق في الغرب اليوم اعلى نسبة طلاق في التاريخ الانساني؛ حيث ان نصف الحالات الزوجية تنتهي الى الطلاق كما ذكرنا ذلك سابقاً، بعد أقل من سبع سنوات فقط من بدء الزواج؛ وهذا دليل على تحلل النظام الاسري في المجتمع الوضعي. والقاعدة ان الزوجة اذا كانت قادرة على العمل والكسب المادي فانها ستترك، البيت الزوجي الذي لا يوفر لها السعادة التي تتوقعها في حياتها الجديدة.

والطلاق وثيقة اجتماعية دامغة تظهر فشل عملية التزاوج بين فردين اتفقا على انشاء اسرة كريمة لم يشتد عودها بعد؛ تماماً كمن يبذر بذرة آملاً في شجرة مثمرة ولكنه يترك شجرته بعد حين دون سقي في صحراء قاحلة. ولا تكمن مشكلة الطلاق في الاختلاف بين الطرفين المتخاصمين المتمثلين بالزوج والزوجة بل تتعدى الى ذرية الفرد وهم القاصرون، فيقع عليهم الطلاق وقعاً مؤثراً وربما يؤدي الى تحطيم مستقبلهم. فالمشاكل التي تسبق الطلاق غالباً ما تترك تأثيراتها النفسية على هؤلاء؛ علماً بان الاضطراب العاطفي يعتبر من اهم اسباب نشوء الانحراف الاجتماعي.

ولما كانت الحياة الرأسمالية مصممة على اساس استيعاب العائلة الصغيرة المكونة من ابوين وطفل مثلاً، فان التغير الناتج من اثر الطلاق، يجعل حياة الاسرة بعد الانفصال شاقة، خصوصاً الاحساس بالعجز في مواجهة مشاكل الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وغالباً ما تتدهور الميزانية المالية للعائلة بعد الطلاق، خصوصاً ميزانية الام المطلّقة واطفالها[5]. ويتهرب الآباء (المطلقون) من دفع النفقة المالية بسبب ارتباطهم بالتزامات عائلية جديدة[6]. وهكذا يصبح الاطفال عرضة للحرمان الاجتماعي بسبب انعدام وجود المعيل، فلا عجب اذن، ان نجد الاحداث في المجتمع الوضعي من أكثر الافراد حرماناً من الناحية المعيشية مقارنة ببقية المجاميع من الاعمار الاخرى كالشباب والشيوخ.

وتلحظ آثار الطلاق بوضوح في المدن الكبيرة. فالعوائل الصغيرة ليس لها من يوجهها ويأخذ بايديها بحكمة، لان دور الشيخ الكبير  في السن كان قد أُلغي تقريبا من الحياة الاجتماعية الوضعية.

 اسباب انهدام الأسرة:

          ويُرجِع علماء الاجتماع تحطم النظام العائلي الى اسباب منها: الاسرة الصغيرة، و سراب الحب، ودور المرأة المتغير في الساحة الاجتماعية، والانحلال الخلقي.

          فعلى صعيد الاسرة الصغيرة، وجدنا سابقاً ان الرأسمالية تشجع الافراد على تحطيم تقاليد الاسر الكبيرة، وتحثّ على التركيز على انشاء اسر صغيرة مكونة من اب وام وطفليهما كي تسهل حركة الاسرة طلباً للعمل، وهذا العامل يساعد على زيادة الانتاج. ولكن من اعظم مساوئه، هو ان تلك الاسرة تكون اكثر عرضةً للهزات الاقتصادية والاجتماعية من الاسرة الكبيرة المكونة من اجيال متعددة تعيش مع بعضها البعض. فاذا تخلى القيّم على الاسرة عن قيمومته المالية انهارت اركان الاسرة تماماً. اما في الاسر الكبيرة فان كثرة الافراد وتنوع اعمارهم وخبراتهم يمنح العائلة سنداً معنوياً للاستمرار في حياتها الاجتماعية، ومواجهة المشاكل الاقتصادية بثقة واطمئنان؛ علماً بان اكبر الافراد سنّاً في الاسرة الكبيرة يقدم للاسرة الخبرة والنصيحة التي تحتاجها في شق طريقها بين الامواج الاجتماعية المتلاطمة.

          وعلى صعيد سراب الحب، فان هذا الشعور المفترض ان يعيش طويلاً بعد الزواج سرعان ما تخف وطأته بمرور الايام، خصوصاً اذا انشغل الزوجان بمشاكل الحياة اليومية من خلال عمل الزوج خارج البيت، وترتيب الزوجة لشؤونها البيتية. واذا ما علمنا ان الجزء الاكبر من الحب يتمثل بالغريزة الجنسية والتركيز النفسي على المحبوب، تبين لنا سبب فشل صمود الحب بعد الزواج، لان اشباع الشهوة والقرب المستمر من المحبوب يساهم في ارجاع الفرد الى واقعه الحقيقي بدل العيش في عالم الخيال والاوهام. والواقع ان العلاقة النفسية بين الزوج والزوجة اذا كانت قائمة على اساس المنطق والعقل والتفاهم والاحترام المتبادل، نجح الزواج في بناء الاسرة الكريمة الاكثر انتاجاً في النظام الاجتماعي. اما اذا كان الزواج قائماً على اساس الحب وما يتبعه من الشهوات فان احتمال انهيار ذلك الميثاق اعظم، ودليل ذلك ما يجري اليوم في الغرب.

          وعلى صعيد دور المرأة في سد الشواغر الاجتماعية، فان المتوقع من المرأة في كل الازمنة وفي كل المجتمعات الانسانية القيام بوظيفتها البيتية في تربية الاطفال، ومساعدة زوجها في الشؤون البيتية. وما وراء البيت فهو على الرجل، حيث ينبغي عليه السعي طلباً للرزق. ولكن المرأة في المجتمع الغربي اليوم ترفض هذا الدور متحدية النظام العائلي الذي اقره النظام الاجتماعي؛ وهذا التحدي لا يشمل البيت والزوج فحسب بل يشمل دور المرأة من الناحية البيولوجية. فالعديد من النساء في النظام الوضعي لايعتبرن بيت الزوجية سجناً فحسب، بل يعتبرن الحمل والولادة والرضاعة قيوداً، عليهن رفضها؛ لان تلك القيود تؤثر على حريتهن في العمل، والتمتع بالشباب والحياة والجمال. وطالما كان اهتمام المرأة بالعمل خارج البيت قائماً، كانت عملية الطلاق اكثر يسراً لان النساء يشعرن بالاكتفاء من الناحية الاقتصادية، وبالاستغناء عن الرجال. فلا ريب ان تؤدي ابسط مشكلة بيتية، الى الانفصال ثم الطلاق.

          وعلى صعيد الانحلال الخلقي، فان التشجيع على تصنيع الوسائل المختلفة لمنع الحمل، ساهم في نشر الانحلال والعلاقات غير الشرعية بين الرجال والنساء. لان استخدام وسائل منع الحمل وفر على الناس الفضيحة ومنع تخليق ولد الزنا. وقد ساهم اضمحلال دور الدين في المجتمع الوضعي على تغيير السلوك الجنسي قبل الزواج. ولا شك ان انتشار المصالح التجارية والمنافع في رقعة جغرافية واسعة، وانتقال الافراد بشكل مستمر طلباً للعمل، ساهم هو الآخر في اضعاف الرقابة الاجتماعية على الممارسات غير الشرعية بين الرجال والنساء. وتلك الممارسات تضع الزواج على عتبة مرحلة خطرة، لان عدم الاقتناع سيؤدي الى البحث عن شريك جديد، وهذا السلوك ينـزل بالمؤسسة العائلية ضربة قاصمة بسبب انعدام العفة والنظافة السلوكية بين الرجال والنساء. ويترتب على ذلك هدم التصميم الالهي للنظام العائلي وعلاقاته الانسانية المتميزة بالرحمة والحب والمودة.

 مشكلة الاسقاط المتعمد:

          وتعتبر مشكلة الاجهاض احدى اخطر المشاكل التي تواجه النظام العائلي الوضعي، خصوصا بعد اعلان الغرب شرعية الاجهاض[7]. حيث قسّم قضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة الحمل الى ثلاث مراحل؛ كل مرحلة تستغرق ثلاثة اشهر. ففي المرحلة الاولى يجوز للمرأة قانوناً اجهاض جنينها باستخدام مختلف الوسائل الطبية. وفي المرحلة الثانية يجوز للمرأة الاجهاض، ولكن يجب ان تخضع تلك العملية الى قوانين الولاية التي تسكن فيها المرأة الحامل. وفي المرحلة الثالثة، حيث يكون عمر الجنين ستة اشهر فما فوق، يحظر الاجهاض الا في الحالات الطارئة التي تتدهور فيها صحة الام. وقانون المحكمة العليا الامريكية مقتبس من احكام القرآن الكريم. فقد ورد في النص المجيد بشأن عمر الجنين: (حَمَلَتهُ أمُّهُ وَهناً عَلى وَهن وفِصالُهُ في عامَينِ)[8] . وفي موضع آخر: (حَمَلَتهُ اُمُّهُ كُرهاً ووَضَعَتهُ كُرهاً وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً)[9] . فيكون عمر الجنين الكامل الذي له قابلية العيش مستقلاً عن الام ستة اشهر فما فوق. وتكون الحرمة القانونية في قتل الجنين عند بلوغه ستة اشهر فما فوق، وهو اقل الحمل في النظرية الاسلامية.

          يقول تعالى في مراحل تخليق الجنين: (ولقد خلقنا الانسان من سلالةٍ من طين. ثم جعلناه نطفةً في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقةَ مضغةً فخلقنا المضغةَ عظاماً فكسونا العظامَ لحماً ثم انشأناه خلقاً آخر فتبارك اللهُ أحسن الخالقين)[10]. وفي الدر المنثور عن علي (ع): (إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث اليها ملك فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث)، وفي الكافي عن الباقر (ع) نفس المضمون. والمحصل ان الروح تلج الجنين وله أربعة أشهر، وهي المرحلة الثانية التي حُدد فيها الاجهاض تقريباً بقانون.

          وكما اشرنا سابقاً، فلا تجوّز الشريعة الاسلامية اجهاض الجنين منذ بداية انعقاد النطفة، أي منذ دخول الحيمن في البويضة للتخصيب، وهو المشهور بين الفقهاء.

وتكمن الخطورة في تشريع المحكمة العليا الامريكية لشرعية الاجهاض، ان عدد حالات الاسقاط المتعمد ازدادت منذ تشريع ذلك القانون الى اكثر من مليون ونصف المليون حالة سنوياً؛ وهذا يعني ان حوالي ربع اجمالي ولادات الولايات المتحدة تنتهي ـ عن طريق الاجهاض الطبي ـ الى سلات القمامة سنوياً، في بداية القرن الحادي والعشرين.

والسؤال الفلسفي المطروح اليوم هو: هل ان الاجهاض مسألة شخصية متعلقة بالمرأة، أو هو قتل للجنين البشري الذي لو سمح له بالعيش لكان انساناً؟ وما هو وضع الجنين البشري من الناحية البيولوجية؟ فهل يعتبر انساناً فيكون الاجهاض قتلاً؟ أو هو مجرد مجموعة من الخلايا والانسجة فيكون الاجهاض عملية جراحية طبيعية لاستئصال غدة غير مرغوب فيها؟

والجواب صريح في القرآن الكريم، كما مر في الآية 12 -14 من سورة المؤمنون.

ولكن علماء الطبيعة والطب والفلسفة في الغرب اضطربوا في الاجابة على ذلك السؤال؛ لان الجنين بزعمهم، ليس انساناً كاملاً، وليس مجرد مجموعة من الخلايا والانسجة. ونحن ننقدهم ونقول مع ان الجنين ليس انساناً كاملاً، ولكنه يستطيع بالقوة ان يصبح انساناً كاملاً.

ويردون علينا قائلين اذا كان الجنين انساناً فهل تدفنونه انتم كما تدفنون الانسان الكامل؟ ونجيبهم بكلمة نعم، فالسقط اذا كان له اربعة اشهر فصاعداً يلف بخرقة ويدفن[11]. والجنين الكامل ليس مجموعة خلايا ميتة كالشعر والظفر بل انه حياة وحيوية. فيكون الجواب التام على السؤال الاول هو ان الاجهاض عملية قتل للاجنّة.

وهكذا يدور ذلك النقاش لينتقل من الناحية البيولوجية للجنين الى حقوق المرأة في السيطرة على جسدها. فالمؤيدون لشرعية الاجهاض يؤكدون على ان قرار الاجهاض قرار شخصي، فكيف نستطيع ـ بزعمهم ـ ان نفرض على المرأة جنيناً لا تريد ان تحمله؟ ولكننا نجيبهم بان نصف جينات الجنين ملك للاب، فكيف تقولون ان الجنين بكامله ملك لجسد الام؟ واذا كانت الام تحمل الجنين تسعة اشهر، فان الاب مكلف بالانفاق عليه لحد التكسب، او البلوغ، وهو سن الخامس عشرة بالنسبة للذكر، ولحد الزواج او البلوغ، وهو سن التاسعة بالنسبة للانثى، حسب النظرية الاسلامية. وهنا يبرز سؤال آخر دون جواب ايضاً، وهو: لو اراد الاب للجنين ان يحيا ويولد، فهل للمرأة الام الحق في اجهاض جنينها بدعوى ان لها الحق بالسيطرة على جسدها؟ هنا تتوقف الالسن عن الجواب.

وظاهر الامر ان الغرب منقسم الى صفين: صف يؤيد الاجهاض باعتباره احد الخيارات الطبيعية للمرأة. وصف يعارضه باعتباره قتلاً للانسانية. وامام هذا الاضطراب في الحكم على شكل حياة الجنين، والصراع بين حرية المرأة والمسؤولية الاجتماعية بحفظ النظام الاجتماعي من الانقراض، يقف الدين في المجتمع الوضعي موقف المراقب الصامت الذي لا يجد كلمة يحل بها تلك المشكلة الاجتماعية الخطيرة. ولاريب ان ارتفاع نسبة الاجهاض في المجتمع يعكس عمق المشكلة الاخلاقية بين الرجل والمرأة ودور الغريزة الجنسية قبل الزواج في زعزعة النظام العائلي؛ وهو دليل على ان مفهوم «المذهب الفردي» الذي بشرت به اوروبا واعتبرته اساس نجاحها الاقتصادي فشلَ فشلاً ذريعاً في بناء الاسرة الكريمة، التي يحلم بها الانسان كوسيلة من وسائل بناء مجتمع نظيف قائم على اساس فهم المسؤولية الاجتماعية للرجل والمرأة، في الحياة الانسانية السعيدة.

(تليها صفحات 191- 202)

 

اللاحق            صفحة التحميل              الصفحة الرئيسية


 


[1]  بتي يوربيرك – دور الغريزة الجنسية في التغير الاجتماعي. وايلي/ 1974م. ص 53.

[2]  سار ليفيتان وريتشارد بلوز – ماذا يحصل للعائلة ؟ جامعة جونز هوبكنـز، 1981م.

[3]  بيتر ستاين – العزوبية. برنتس – هول، 1976م.

[4]  ديفيد فنكلهور وآخرون. الجانب المظلم من العائلة. سيك، 1983م.

[5]  اندريو جيرلن – الزواج، الطلاق، والزواج مرة اخرى. جامعة هارفارد، 1983م.

[6]  هيو كارتر وبول كليك – الزواج والطلاق: دراسة اجتماعية واقتصادية. جامعة هارفارد، 1976م.

[7]  لوكر كريستين – الاجهاض وسياسة الامومة. جامعة كاليفورنيا، 1985م.

[8]  سورة لقمان: الآية 14.

[9]  سورة الاحقاف: الآية 15.

[10]  سورة المؤمنون: الآية 12- 14.

[11]  شرائع الاسلام – المحقق الحلي ج 1 ص 30.