(ص 1 - 18)

يحوث مقارنة في النظرية الاجتماعية  

 النظام العائلي.. ودور الاسرة

في البناء الاجتماعي الاسلامي

      السيد زهير الاعرجي

------------------

 الطبعة الاولى 1415هـ

قم المشرفة- 235 صفحة

 ------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

          لاشك ان كل فرد من الافراد اختبر لوناً من الوان الحياة العائلية في حياته الاجتماعية. ولذلك، فان كلامنا هذا حول المؤسسة العائلية في المجتمع الاسلامي موجّه في واقع الامر لكل الافراد مهما كانت افكارهم ومعتقداتهم. والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هنا هو: هل ان المؤسسة العائلية ظاهرة تكوينية ام انها ظاهرة مختصة بلون معين من المجتمعات، فتكون دراستنا المقارِنة بين النظرية الاسلامية والنظرية الغربية مجرد عبث لاينفع الاجيال ؟

          وقد جاء الجواب عن طريق المدرسة الاجتماعية الغربية، وبالخصوص عن طريق عالم الاجتماع (جورج ميردوخ)[1] الذي درس العائلة ووظيفتها وتركيبتها الاساسية في اكثر من مائتين وخمسين مجتمعاً من مجتمعات العالم، وتوصل الى نتيجة مهمة مفادها ان ظاهرة العائلة الصغيرة المكونة من الابوين والقصر انما هي ظاهرة تكوينية، يختبرها كل مجتمع انساني مهما كان تركيبه العلمي او الديني او الثقافي. فالعائلة في جميع المجتمعات تشترك في صفات أساسية كولاية رب الاسرة، والسكن المشترك، وعملية الانجاب؛ الا ان الاختلاف يقع في طبيعة تركيب العائلة الكبيرة، فيما يتعلق بتعدد الزوجات، او طبيعة الروابط الاسرية بين الابوين والاولاد والاحفاد، او من يتحمل مسؤولية الانفاق على الاسرة.

 العائلة مصدر السيطرة الاجتماعية:

          ولو قرأنا تاريخ البشرية منذ بداية النشوء ولحد اليوم لوجدنا ان السيطرة الاجتماعية على السلوك الانساني تنبثق في اغلب الاحيان من العائلة. فالمجتمع لايستطيع ان يحيا دون وجود مؤسسة توجه سلوك الانسان وطبيعة تعامله مع الآخرين. وتلك السيطرة هي التي ولّدت العرف العقلائي الخاص بالسلوك الجنسي المتفق عليه اجتماعياً. ولولا الواجبات التي وضعت على عاتق الافراد والحقوق التي مُنحت لهم، لما تحقق وجود المجتمع والنظام الاجتماعي، ولاصبح الناس مجرد كائنات حية تعيش بانفراد دون نشاط اجتماعي ملحوظ.

          وعلى الصعيد التاريخي، كان لعملية الزواج دوراً حيوياً في السيطرة على السلوك الاجتماعي. فقد طورّت المجتمعات الانسانية ـ عبر رسالة الدين والفلسفة الاجتماعية ـ العلاقات الزوجية، ومسؤولية رعاية مصلحة القاصرين من الاطفال والعجزة، وقضايا انتقال الملكية، والحقوق المدنية، والمنـزلة الاجتماعية، وانتقال العلوم المتراكمة من جيل لآخر.

          الا ان تقدم المجتمع عبر أحقاب زمنية طويلة وبروز الدولة الحديثة، جعل السيطرة الاجتماعية المنبثقة عن العائلة وحدها أمراً بعيدَ المنال، ووضع الدولة ومؤسساتها الاجتماعية في مقام تبني دور السيطرة الاجتماعية. ومن هنا جاءت التشريعات والقوانين المدنية الخاصة بالاسرة، لتساند العرف تارةً وتصارعه تارةً اخرى. والفرق بين القانون والعرف الاجتماعي، هو ان القانون يكتب بينما يبقى العرفُ الاجتماعي أمراً معنوياً متغيراً مع تغير الاحداث والافراد. ولذلك، فان القانون له خاصية الديمومة والاستمرار اكثر من العرف الاجتماعي.

          ولاريب ان القوانين باجمعها تقدم للمجتمع، نظريا على الاقل، شكلاً عادلاً من اشكال السيطرة الاجتماعية لكل الافراد. وعندها يعرف الفرد حدود حقوقه المدنية، ويتوقع الالزامات التي يفرضها المجتمع عليه.

          ويمكن الاشارة الى ان القانون - وبالتضامن مع السيطرة الاجتماعية - يقّدمُ للعائلة نظاماً تستطيع ان تسير في ضوئه. وعندما يسلك الآخرون نفس الطريق، يتوضح الخط العام للقانون.

 القانون الوضعي والتشريع الالهي:

الا ان القانون الذي يصنعه الافراد لانفسهم يختلف عن التشريع الذي يشرّعه الخالق عز وجل؛ لان قوة القانون تتناسب مع كفاءة فهم الافراد للمتطلبات الاجتماعية في زمن معين ومكان محدد. لكن التشريع الآلهي ثابت ومحكم، باعتبار صدوره من جهة المولوية المطلقة، بمقتضى الحكمة والمصلحة اولاً، وباعتبار انه لم يحدد بزمان معين او مكان محدد ثانياً. ومن المتسالم به عند العقلاء ان القانون لا يمكن ضمان نجاحه ما لم ينـزل الى الساحة الاجتماعية مع نظام متكامل للعقوبات[2].

          ان الفرق بين التشريع الاسلامي الخاص بالعائلة وبين القانون الوضعي الخاص بها، هو ان القوانين المعاصرة التي وضعها الانسان ما هي الا الزامات تنظر الى المصلحة الوقتية إلا انها لا تتطابق في كل الاحيان مع سعادة الانسان، على عكس احكام الشريعة التي اخذت الطبيعة البشرية بقطبيها ووضعت القوانين التي تتناغم مع حاجات جميع الناس. واغلب القوانين المدنية والحقوقية الوضعية الخاصة بالعائلة والمعمول بها اليوم في العالم مستمدة من افكار الثورتين الفرنسية والامريكية والقانون العرفي الانكليزي؛ وهي قوانين يصعب تطبيق عُشرها على الوضع الاجتماعي المعاصر[3].

 القانون الوضعي للعائلة:

          ان الابعاد القانونية الخاصة بالعائلة في النظرية الغربية تشمل تشريعات في قانون الزواج، وحقوق القاصرين، والارث. ففكرة الزواج تستند على مبدأ كونه عقداً من العقود. الا انه يختلف عن العقود التجارية لاعتبارين:

الاول: هو ان العلاقة الزوجية لايمكن فسخها بنفس الطريقة التي يمكن بها فسخ العقد التجاري في الحالات الاختيارية.

الثاني: ان المتطلبات القانونية للدخول في عقد الزواج تختلف عن المتطلبات اللازمة للدخول في العقود التجارية.

ومن الطبيعي فان الزواج بموجب هذه الفكرة ينبغي ان يسد حاجتين:

الاولى: الحاجة المالية للتكوين العائلي الجديد؛ بمعنى ان المجتمع غير مسؤول عن مساعدة الزوجة والقاصرين، بل يتعين على العائلة سد حاجتها المالية بنفسها.

الثانية: الحاجة الاجتماعية فيما يتعلق بانجاب الذرية، وتحديد النشاط الجنسي ضمن حدود الزواج القانوني[4].

          ومن أهم المتطلبات القانونية للزواج في النظام الوضعي هو البلوغ، والعقل، وحرمة زواج المحارم. فسن البلوغ القانوني للزواج هو ثماني عشرة سنة للذكر وست عشرة سنة للانثى بشرط موافقة الابوين. اما سن البلوغ القانوني للزواج بدون موافقة الابوين فهو واحد وعشرين سنة بالنسبة للذكر و ثماني عشرة سنة بالنسبة للانثى[5]. ولكن ليس هناك دليل يثبت على ان موافقة الابوين أو عدم موافقتهم في النظرية الوضعية تغير من الشروط الردعية التي تنظّم عملية الزواج.

اما شرط العقل، فانه من الشروط المهمّة في اتمام عملية العقد لان المضطرب عقلياً او المجنون لايستطيع ان يقوم بمسؤولياته الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالزواج والعائلة. وبذلك فانه سَيُحمّل المجتمع مصاريف نفقات عائلته؛ اذن زواج المجنون يعدُّ منافياً للصفة القانونية والروح الاجتماعية. اما البعد عن الصفة القانونية فلأن العقد يجب ان يتم بين فردين لهما القابلية على الموافقة الصريحة او الضمنية، وهذا لايتم مع المجنون. واما البعد عن الصفة الاجتماعية او العملية فلأن المجنون ربما يسبب حرجاً شديداً لعائلته وللمجتمع الذي يعيش فيه.

          ولا يجوز العقد على المحارم فى النظرية الوضعية، لان الكنيسة في القرون الماضية حرّمت ذلك. ومن المسلَّم به ان هذا القانون مستمد من الشرائع السماوية، الا ان القانون الحديث البعيد عن روح الدين لم يستطع تغيير ذلك. وبطبيعة الحال فان المحارم في القانون الغربي كانت قد قسّمت الى نوعين: المحارم الناتجة عن طريق النسب، والمحارم الناتجة عن طريق السبب. اما القانون العرفي الانكليزي المتعلق بالزواج فهو يشترط شرطين لتحقق الزواج؛ اولهما: ان يكون الفردان صالحين للعقد، من ناحية سن البلوغ، والخلو من الموانع الزوجية ونحوها. وثانيهما: ان يقررا العيش معاً في سكن واحد وان يعلنا عن زواجهما للناس[6].

 اختلال القانون الوضعي:

          والى هذا الحد فان القانون الغربي ينطبق في الموارد السابقة مع الشريعة الاسلامية. وليس هناك ادنى شك من ان فلاسفة اوروبا ومقننيها قد اقتبسوا من احكام الشريعة الاسلامية تلك القوانين التي لايزيد عمرها على اربعة قرون على الاكثر، بينما يبلغ عمر الشريعة الاسلامية اكثر من اربعة عشر قرناً.

          ولكنَّ احد اهم القوانين التي تعارضه النظرية الاسلامية هو قانون (حرمة اختلاط الاجناس عن طريق التزاوج)؛ بمعنى ان هذا القانون يحرّم على الفرد الابيض الاقتران بالاجناس الاخرى، خصوصا الجنس الزنجي، بدعوى ان الاقتران بين الاجناس المختلفة يساهم في اضعاف الجنس المسيطِر على النظام الاجتماعي. ولحد العقد السادس من القرن العشرين كانت احدى وثلاثون ولاية امريكية في الجنوب والجنوب الغربي للولايات المتحدة  تحرّم التزاوج بين الافراد البيض وشركائهم من الزنوج، وسبع عشرة ولاية تحرّم التزاوج بين الافراد البيض وبين افراد الجنس الاصفر، واربع ولايات في الجنوب الامريكي تحرّم الزواج بين البيض والهنود الحمر، وهم اصحاب البلاد الاصليين[7]. ولاشك ان مخالفة ذلك القانون كانت تستدعي عقوبة جسدية، ويعدُّ الزواج باطلاً، والاطفال المتولدين عنه غير شرعيين، وتهبط تلك العلاقة الجنسية بين الزوج وزوجته الى جنحة مخلّة بالشرف.

          الا ان تلك القوانين كانت ولا تزال عرضة للتغيير والتبديل. وذلك التبديل الذي يطال تلك القوانين يعكس قصور الانسان وفكره البشري على انشاء قوانين مُحكمة تصلح للتطبيق في كل الاحوال دون النظر الى الزمان او المكان. الا ان الرسالة الدينية تحقق ما عجزت عن تحقيقه النظرية القانونية الوضعية.

          ان الدين في الدول النصرانية له تأثير كبير على شكل علاقة التغشي بين الرجل والمرأة. فالسلوك الجنسي يعتبر خطيئةً وجرماً، الا ان الزواج يلغي ذلك الالصاق؛ لان النصرانية تؤمن بان هدف التزاوج هو حفظ النسل الانساني من الانقراض وليس مجرد المتعة الجسدية. وقد نظّم مفهوم الدولة الحديثة عملية العلاقة الجسدية بين الزوج والزوجة، واعتبر البغاء - ولو نظرياً - جريمة يعاقب عليها. الا ان انفصال الدين عن السياسة في النظام الوضعي، جعل تلك القوانين المتعلقة بالجرائم الاخلاقية تنحلّ تدريجيا بتغير الوضع الاجتماعي، بحيث اصبحت المشكلة الاجتماعية التي يعاصرها الغرب هي كيفية حفظ التصميم العائلي الذي يجرفه التغير الاجتماعي المعاصر.

ولعل جوهر الخلاف بين النصرانية والنظرية الرأسمالية هو ان النصرانية تعتبر المؤسسة العائلية مؤسسة للانجاب والتناسل، بينما تعتبر الفكرة الرأسمالية وعلى رأسها المذهب الفردي العائلة مؤسسة اجتماعية للمشاركة الجنسية واشباع الشهوات. ولذلك فان عدم الانجاب لا يعطي الزوج حقاً في الطلاق، بموجب تلك الفكرة. الا ان عدم القدرة على المشاركة الجنسية كالعنن والعفل ونحوها يعطي الزوج او الزوجة حق الطلاق.

 تحديد النسل:

          وهناك مشكلة خطيرة تواجه العائلة الحديثة وهي مشكلة تحديد النسل. فتحديد النسل البشري يتم عبر طريقين:

الاول: استخدام وسائل منع الحمل المصنّعة.

الثاني :الاسقاط المتعمد .

والفرق بين الطريقين ان الاول يمنع تخلق الجنين قبل انعقاد النطفة. والثاني يمنع تخلق الجنين بعد انعقادها. فالاجهاض ينهي الحمل قبل ان يُمنح الجنين فرصة حقيقية للحياة. ولاشك ان الكنيسة الكاثوليكية، واليهودية الارثودوكسية حرّمت تحريماً قطعياً استخدام وسائل تحديد النسل، ميكانيكية كانت أو كيميائية أو فسلجية أو اجهاضية. الا ان الكنيسة البروتستانتية، واليهودية الاصلاحية ارجعتا قضية تحديد النسل الى الجانب العقلائي والدافع الذي يدفع الفرد للاقدام على ذلك العمل. فإذا كانت المصلحة تقتضي الحفاظ على حياة الام او تنظيم الاسرة فلا بأس بالتحديد، برأي تلك المدرستين الدينيتين.

أما الاسلام فقد جعل الحرمة مرتبطة بانعقاد النطفة؛ فاذا انعقدت النطفة فلا يجوز الاجهاض أو قتل الجنين.

 معالجة العقم:

          ومشكلة اخرى تواجه العائلة المعاصرة وهي لو كان أحد الزوجين عقيماً، فهل هناك من حل لمشكلته الاجتماعية ؟ نعم، حسب النظرية الوضعية، فهناك طريقين لحل تلك المشكلة، وهما: اولاً: التبني، وثانياً: التخصيب الخارجي.

          فالتبني هو نسبة فرد من عشيرة معينة الى عشيرة اخرى غريبة عنه بطريق قانوني وانتقاله مع تلك العائلة الجديدة بصورة دائمية. فتنتقل - عندئذ - كل الحقوق المالية والقانونية الى الفرد المتبنى. ولكن المشكلة تبرز عندما تطالب العائلة البيولوجية برجوع ابنها اليها من العائلة القانونية المتبنية لذلك الطفل. ولاشك ان التبني قد يسبب اضطراباً للطفل المتبنى بسبب العلاقات العائلية الجديدة التي استحدثت دون ادراك الصبي لما يجري، خصوصا فيما يتعلق بمصلحته الشخصية.

          وكان التنبني شائعاً بين العرب قبل الاسلام، وعندما نزل الوحي منعه، واكرم الانسان باثبات انتسابه الى أبيه وعشيرته.

          اما التخصيب الخارجي فهو عملية طبية لوضع حيامن الزوج في رحم الزوجة، او وضع حيامن رجل مجهول الهوية في رحم الزوجة وبموافقة زوجها. وسبب العقم في تلك الحالات هو ان حيمن الزوج لا يستطيع الوصول الى بويضة الزوجة ليخصبها، كما هو في الحالات الطبيعية. ولاشك ان التخصيب الخارجي الذي يقوم به الزوج لايتعارض اطلاقاً مع الارتكاز العقلائي باعتبار ان الطب يستخدم الوسيلة بايصال حيمن الزوج بطريق تقني لملاقاة بويضة الزوجة، فيتم انعقاد النطفة في داخل الرحم أو خارجه. ولكن المشكلة تكمن فى التخصيب الخارجي من قبل رجل مجهول الهوية وهو ما يرفضه الدين والعرف العقلائي؛ لان فيه اختلاطاً عظيماً للانساب وكآبة اعظم للزوج الذي حرم من امضاء بصماته الجينية على الجنين المخلَّق من قبل رجل مجهول الهوية. وتلك المشاكل التي تواجهها الاسرة المعاصرة تستحق ـ على اقل تقدير ـ نقاشاً وردّاً على الآراء الغربية الوافدة.

 هذا الكتاب:

          ان هذا الكتاب يعبّر عن محاولة لفهم دور الاسرة في البناء الاجتماعي. وقد قسّمنا البحث في الكتاب الى ثلاثة أقسام. الاول: عرضنا فيه النظرية الاجتماعية الاسلامية التي تناولت أهمية دور الاسرة في البناء الاجتماعي من خلال احكامها الشرعية الفريدة . ثم ناقشنا في القسم الثاني: ارآء النظرية الاجتماعية الوضعية الغربية فيما يخص المؤسسة العائلية ونقدنا اهم مبانيها الفلسفية والاجتماعية. وقد عقدنا في القسم الثالث: مقارنة بين النظريتين لاكتشاف عناصر الكمال في النظرية الاجتماعية الاسلامية، ومعرفة ضعف مقالة النظرية الاجتماعية الوضعية التي لاتعدو كونها مجرد فرضية صممها الانسان الغربي لتنظيم حياته الاجتماعية، قد يكتب لها النجاح وقد يكتب لها الفشل.

          ربي انت المستعان، ولك الحمد في الاولى والآخرة. وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

 

                                                                             زهير الاعرجـي

                                                                   قم المشرفة / ذو الحجة 1413هـ.

------------------

 اطروحة الكتاب

          تحتل النظرة الفلسفية لموقع (العائلة) في المجتمع الانساني دوراً مهمّاً في الفكرة الاجتماعية الغربية، خصوصاً على صعيدي النظرية التوفيقية بزعامة (هربرت سبنسر) و(اميلي ديركهايم)، ونظرية الصراع الاجتماعي بزعامة (كارل ماركس) و(فريدريك انجلز). فللمؤسسة العائلية، حسب آراء (سبنسر) و(ديركهايم) دور حيوي خطير في حفظ المجتمع الانساني وسد الادوار الشاغرة التي يتركها الافراد حين الموت. الا ان نظرية الصراع الاجتماعي تصرّ، حسب رأي (فريدريك انجلز)، على ان المؤسسة العائلية هي اول مؤسسة اضطهادية يختبرها الفرد في حياته الاجتماعية.

          وتُعارِض النظرية الاجتماعية الوضعية فكرة تعدد الزوجات باعتبارها نقيضاً صارخاً لمفهوم (المذهب الفردي) الذي قامت على اساسه اركان النظام الاقتصادي الرأسمالي الحديث. وهي تُعارِض ايضاً فكرة الاسر العشائرية الكبيرة التي تضم ـ بالاضافة الى الزوجين ـ الاجداد والاحفاد والاقارب، باعتبارها عائقاً من عوائق زيادة الانتاج الاجتماعي.

          وقد كان نقدنا للنظريتين التوفيقية والصراع الاجتماعي يتلخص في ان العنف الذي يقع بين افراد العائلة الواحدة، وخصوصاً في المجتمع الصناعي الحديث، يناقض ادعاءات النظرية التوفيقية القائلة بان المؤسسة العائلية في النظام الوضعي تشبع جميع الحاجات العاطفية للافراد وتكون مصدرا من مصادر الاستقرار النفسي. وخلصنا الى نتيجة مفادها ان المجتمع الوضعي لايوفر ـ في اي حال من الاحوال ـ قاعدة عائلية تمنح الاستقرار النفسي والحاجة العاطفية للافراد. وكان اعتراضنا على نظرية الصراع الاجتماعي منبثقاً من فكرة ان مجرد ربط الاضطهاد الاسري بالاضطهاد الاجتماعي ومظالم النظام الرأسمالي لايتعدى مجرد عرض للمشكلة الاجتماعية دون تقديم حل بديل يعالج ذلك الاضطهاد المزعوم.

          ولاشك ان اهم القضايا التي افرزتها الحضارة المعاصرة هو تغير ولاء الافراد تجاه بعضهم الآخر. فاصبح الفرد يحصر جلّ اهتماماته العملية على تحقيق رغباته الشخصية دون الاكتراث لمسؤوليته الاجتماعية تجاه المؤسسة العائلية. وغدا الولاء الاجتماعي يتحول تدريجياً من العشيرة والاقارب الى الدولة والنظام السياسي؛ لان الدولة اصبحت تقوم بتقديم اغلب الخدمات التي كانت تقدمها العشيرة للفرد كالخدمات التعليمية والطبية واعانة العجزة ورعاية القاصرين. الا ان النظرية الاجتماعية الوضعية أصيبت بخيبة أمل شديدة في العقود الاخيرة؛ لان ذلك التحول في الولاء الاجتماعي انشأ مشاكل جديدة فيما يتعلق باستقرار القاعدة الاقتصادية والعاطفية للعائلة الصغيرة، وخصوصاً على اصعدة الطلاق والاجهاض والاعتداء الجسدي. ولاريب ان المشاكل العائلية الخطيرة التي يواجهها المجتمع الحديث، يجعلنا نتوجه بكل ثقل نحو الرسالة الدينية لنستلهم منها افكارنا فيما يتعلق بدور المؤسسة العائلية في النظام الاجتماعي.

          فالاسلام ينظر الى المؤسسة العائلية باعتبارها نقطة استقرار لعالم متحرك، تنتقل من خلالها ممتلكات الجيل السابق الى الجيل اللاحق عن طريق الارث والوصية الشرعية، ومؤسسة اجتماعية لتعويض الخسائر البشرية الحاصلة نتيجة موت الافراد، ومحطة فحص وتثبيت انساب الافراد عن طريق الزواج والاقرار بالنسب، ومركز حماية الافراد فيما يتعلق بالحب والحنان والدفء والمطعم والملجأ، ومكاناً لتهذيب السلوك الجنسي، ومسرحاً لتعلم المعارف قبل الخروج للساحة الاجتماعية، وموضعاً عظيماً لتعلم النشاطات الروحية والدينية وممارستها.

وقد قدّم الاسلام في نظريته الفقهية الاجتماعية عرضاً مفصّلاً لحقوق الزوجة المالية والمدنية، وحقوق الابوين والاجداد والاحفاد، وحق الحاق المولود على اساس قاعدة (امكان الالحاق) التي تسالم عليها الفقهاء، وحقوق الرضاعة والحضانة، واحكام الصبي، والوصية الشرعية، والارث. والاصل في النظرية الاسلامية، ان يكون للعائلة وليّ يدير شؤونها المالية والعاطفية والتربوية، او وصيّ يدير شؤونها المالية ويرعى مصلحة افرادها. وبكلمة، فان العائلة الاسلامية تساهم في خلق الفرد الاجتماعي المؤمن بالنظرية الاخلاقية الدينية، الصالح للعمل والانتاج، المجدّ في سبيل بناء النظام الاقتصادي والسياسي للمجتمع الاسلامي. وبذلك، فان النظرية الاسلامية تطرح للعالم المعاصر قاعدة عائلية تمنح الافراد كل مواطن الاستقرار النفسي والحاجات العاطفية التي حرمتهم منها التطبيقات الوضعية الحديثة.

 (تليها صفحات 19 - 37)

 

اللاحق                 صفحة التحميل                    الصفحة الرئيسية
 


[1]  جورج ميردوخ – التركيب الاجتماعي. ماكميلان، 1949م.

[2]  تناولنا موضوع العقوبات في كتاب (الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج في الاسلام).

[3]  هيلين كلارك – التشريع الاجتماعي. ابلتون – سنجري وكروفتس، 1957م.

[4]  هاربت بيليل وثيودورا زافين – القوانين الخاصة بالزواج والعائلة – مقالة علمية في كتاب دائرة معارف السلوك الجنسي. تحرير: البرت اليس اباربانيل. هاوثورن، 1961م.

[5]  وليم كيفارت – الابعاد القانونية والاجرائية للزواج والطلاق. مقالة علمية في كتاب الزواج والعائلة. تحرير: هارولد كريستنسن. ميكنالي، 1964م.

[6]  وليم كيفارت – العائلة، المجتمع، الفرد. هوتن ميفلن، 1961م.

[7]  ارفينك مانديل – قانون الزواج والطلاق. اوشينا، 1957م.