(ص 39 - 78)

 القسم الثاني

 النظام التعليمي في الاسلام

 دور العقل في عملية التحصيل * ملحق : حديث الامام موسى بن جعفر في العقل والعلم * نظرية التعليم في الاسلام * «المدرسة» في النظام الاجتماعي * التعليم والعدالة الاجتماعية في الاسلام .

 --------------------------

 دور العقل في عملية التحصيل

          ذكر ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني في مقدمة كتابه (اصول الكافي) خلاصة رأي الاسلام في فضائل العلم واهمية العقل قائلاً : (ان العقل هو القطب الذي عليه المدار وبه يحتج وله الثواب وعليه العقاب)[1] . وهذا قول يفسر الحديث الوارد عن الامام الصادق «ع» في اهمية العقل عند الخالق عز وجل حيث خاطبه بقوله : ( . . . وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو احب اليَّ منك ولا اكملتك الاّ فيمن احب اما اني اياك آمر ، واياك انهي واياك اعاقب ، واياك اثيب)[2] . ويقرّب ما ورد ايضاً عنه في استدلاله على اهمية العقل في ادراك عظمة الخالق : (ان اول الاُمور ومبدأها وقوتها وعمارتها التي لا ينتفع شيء الا به ، العقل الذي جعله الله زينة لخلقه ونوراً لهم . فبالعقل عرف العباد خالقهم ، وانهم مخلوقون ، وانه المدبر لهم ، وانهم المدبرون ، وانه الباقي وهم الفانون؛ واستدلوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه ، من سمائه وارضه ، وشمسه وقمره ، وليله ونهاره ، وبان له ولهم خالقاً ومدبراً لم يزل ولا يزول ، وعرفوا بها الحسن من القبيح ، وان الظلمة في الجهل ، وان النور في العلم ، فهذا ما دلهم عليه العقل)[3] .

          وهذا التعظيم والتكريم لاهمية العقل في حياة الفرد ، ليس وليد صدفة ، فالاسلام لا يمجد العقل باعتباره اداة لاستيعاب المعلومات وخزنها ، ثم استرجاعها وتحليلها فحسب ، بل يعتبره اهم اداة لمعرفة الخالق عز وجل ، ولولاه لاصبح الانسان بهيمة اخرى لا تعي من واقعها ولا تهتم بأمر مثل اهتمامها بغرائزها الحيوانية .

          ولكن العقل البشري بدّل المعادلة الحيوانية وقلبها لصالح الانسان ، فاصبح هذا الكيان الكريم بحكم عقله مكلفاً بالمسؤوليات الشرعية ومحاسباً عليها . واصبح العقل ، الحجة التي يحتج بها الله عليه يوم القيامة . واذا كان العقل بهذه المنزلة الخطيرة في حياة الانسان ، فما هي ماهيته وما هي طبيعته؟ وجواباً على هذا السؤال ، نقول ان الحكماء اجمعوا على ان العقل مرآة واقعية لتعقّل الاشياء وفهمها ، ومحطة ادراك الخير والشر والتمييز بينهما ، واعتبروه استعداد النفس لتحصيل النظريات والابتكارات . وبالاجمال فلكي يدرك العقل ويستوعب المعارف التي ينتفع بها ، فلابد للفرد من الاجتهاد في تنمية قوة ادراكه للخير والشر ، والتمييز بينهما عن طريق علوم الطبيعة والدين والاخلاق وما يتعلق بهما من معارف وغايات . فحينما يحاول العقل انشاء العلوم النافعة للانسان في حياته العملية ، فانه يستخدم طاقته الجبارة لانشاء نظرية معاشية تدله على تعلم العلوم التطبيقية لتدر عليه شتى انواع المنافع ، وتيسر له سبل العيش الانساني الكريم ، كعلوم الزراعة والصناعة والطب والهندسة والفضاء . ولا شك ان ترجمة الافكار التي ينشئها العقل ويحاول تطويرها وتنميتها لابد ان تتم عن طريق خاص يشترك فيه جميع الافراد في النظام الاجتماعي ، وهو النطق .

          فيتميز تحصيل العقل وترجمة الافكار التي يحملها بالنطق ، فالانسان كيان ناطق ، وهذا النطق الذي يمثل رمز التفاهم بين الناس يميز هذا الكائن المفكر عن غيره من العجماوات . وبطبيعة الحال ، فان علوم اللغة وما يتفرع عنها من معارف وحقول ، تمثل قابلية العقل على ترجمة الافكار الخافية الى رموز مسموعة تستفيد منها الانسانية في تعاملها الاجتماعي جيلاً بعد جيل؛ وان استعداد النفس لتحصيل النظريات والفرضيات ، يساهم في تطوير العلوم التي تخدم مصلحة الانسان . فلو اراد العالِم التجريبي وضع نظرية تتناول حركة الالكترونات في الذرة مثلاً ، فما عليه الاّ ان يفترض افتراضاً نظرياً يتناول فيه حركة تلك الشحنات ، ويفصّلها تفصيلاً نظرياً . ثم يقوم بعد ذلك بتجارب خاصة لاثبات صحة فرضيته ، فاذا تم له ذلك بالتجربة والخطأ تطورت فرضيته القائمة على مجرد الظن الى نظرية قائمة على اساس ثبوت الحقائق . وهذا الاستعداد النفسي في انشاء الافتراض وتحصيل النظرية يرفع العلم التجريبي من المستوى النظري المجرد الى مستوى عال من الدقة التجريبية والمهارة والاتقان .

          وخلاصة القول ، فان الانسان العاقل المدرك يحتاج في حياته العملية الى اربعة اصناف من العلوم حتى يستطيع ان يكون عضواً نافعاً فعالاً في النظام الاجتماعي . الاول : علوم اللغة وما يتعلق بها من معارف ، فتعتبر عنصراً اساسياً من عناصر حفظ الاجتماع الانساني وتنميته ، لانه عن طريقها يتم التفاهم والاتصال بين الافراد في النظام الاجتماعي . الثاني : علوم الدين والاخلاق وما يتعلق بهما من معارف ، وهذا العنصر اساسي في استقرار النظام الاجتماعي ونشر العدالة الاجتماعية بين جميع الافراد . الثالث : العلوم النظرية ، وهي النظريات والفرضيات التي يحتاجها الانسان كقاعدة يبني عليها بناءه العلوي في العلوم التجربيبة . الرابع : العلوم التطبيقية ، وهي ثمرة العلوم  الطبيعية التي يعتصر الانسان بواسطتها كل ما يتمكن اعتصاره من خيرات الارض ، بشكل يمكّنه من توفير وتيسير سبل العيش لكل افراد المجتمع الانساني .

          وقد اكدت الروايات المروية عن ائمة اهل البيت «ع» على حاجة الانسان الى تلك العلوم والى ضرورة تعلمها ، من اجل المصلحة الاجتماعية . فعلى مستوى الصنف الاول ، ورد قول الامام جعفر بن محمد «ع» : (تعلموا العربية فانها كلام الله الذي يكلم به خلقه)[4] . وعلى مستوى الصنف الثاني ، ورد في وصية الامام علي بن ابي طالب لابنه الحسن (عليهما السلام) : (وان ابدأك بتعليم كتاب الله عز وجل وتأويله ، وشرائع الاسلام واحكامه ، وحلاله وحرامه لا اجاوز ذلك بك الى غيره) [5]. وعلى مستوى الصنف الثالث ورد قول الامام علي بن ابي طالب ايضاً : (لا علم كالتفكير . . .)[6] . وعلى مستوى الصنف الرابع ورد عن الامام جعفر بن محمد «ع» ما يدعو الى التعليم المهني : ( . . . .فكل ما يتعلم العباد او يعلّمون غيرهم من صنوف الصناعات مثل الكتابة والحساب والتجارة والصياغة والسراجة والبناء والحياكة والقصارة والخياطة . . . . وانواع صنوف الآلات التي يحتاج اليها العباد التي منها منافعهم وبها قوامهم وفيها بلغة جميع حوائجهم فحلال فعله وتعليمه والعمل به وفيه ولنفسه او لغيره ، وان كانت تلك الصناعة وتلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد ووجوه المعاصي ويكون معونة على الحق والباطل فلا بأس بصناعته وتعليمه نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد من تقوية معونة ولاة الجور ، وكذلك السكين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة التي قد تصرف الى جهات الصلاح وجهات الفساد وتكون آلة ومعونة عليها فلا بأس بتعليمه وتعلمه واخذ الاجر عليه وفيه العمل ، والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق ، و محرّم عليهم فيه تصريفه الى جهات الفساد والمضار ، فليس على العالم والمتعلم اثم ولا وزر لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم وقوامهم به وبقائهم . . .)[7]. ويستفاد من هذه الروايات جميعاً ، ان الاصل في العلوم الاجتماعية والتجريبية والدينية ، هو بناء النظام الاجتماعي ، وبناء الفرد بشكل يجعله مرتبطاً بالخالق سبحانه ، اولاً . وقادراً على تأدية التكاليف الشرعية ، ثانياً . وقادراً على اشباع حاجاته الاساسية ، ثالثاً .

          وقد شجع الاسلام استخدام العقل بما يتناسب مع الاطار الفكري التي جاءت به الشريعة الاسلامية . فقد ميزت الشريعة بين العلوم الضارة والعلوم النافعة ، فاجازت وشجعت على تعلم وتعليم العلوم النافعة ، ومنعت تعلم العلوم الضارة . واشارت الى ان العلوم النافعة ، هي التي تدفع المفاسد ، وتجلب المصالح للناس . فاذا كان من ثمرة علوم الهندسة المدنية مثلاً ، بناء السدود التي تسيطر على مستويات كميات الماء في الاوقات الاستثنائية ، فان الاسلام يشجع الافراد على تعلمها واتقانها ، والابداع في تطويرها بما يتناسب مع حاجة الافراد في النظام الاجتماعي . واذا كانت العلوم الطبية تساهم في شفاء الافراد من الامراض ، فان الدين ، يوجب تعلم هذه العلوم ، والتقدم في تطبيقها ، وتنفيذها لمعالجة الناس . اما اذا كان هدف العلوم اضرار الناس واتلاف محاصيلهم ومصالحهم ، كنشر السموم او تلويث البيئة بحيث يشكل ضررا على الافراد ، فانه يمنع ذلك ويحرمه ، كما ورد في حديث الامام جعفر بن محمد في تحريم العلوم التطبيقية التي تؤدي الى الفساد والضرر .

          وربما يستفاد من مقتضى نص قوله تعالى في خطاب النبي (ص) : (وَقُل رَبّي زِدني عِلماً)[8] ، زيادة على ما قيل بأمر الله النبي «ص» بعدم التعجيل بقراءة القرآن وقت نزول الوحي ، ان الاسلام لم يقيد العلم بعلوم الدين بل اطلق عبارة العلم لتشمل كل العلوم التي تنفع الانسان في حياته العملية والدينية . ومنها علوم الطب والتمريض والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلك والتربة والجغرافية والتربية التي تساهم جميعاً في تيسير حياة الانسان . لظهور النص القرآني واطلاقه اولاً ، وللنصوص الشرعية الاُخرى التي تعضد هذا الرأي ، ثانياً .

           وربما نجد في حديث الامام موسى بن جعفر «ع» (ص 464) ما يسند ، مع كونه مرسلاً ،الفكرة الاساسية للاسلام حول دور العقل في الحياة الاجتماعية  . فلم يخلق العقل لمعرفة الصانع جل وعلى فحسب  ، بل جُعل وسيلـة لتحصيل العلم الذي يؤدي الى منفعة الافراد وتسهيل امور حياتهم  . ولم يقيد الشارع العلم بالعلم الديني فحسب ، بل اطلق معنى العلم ليشمل كل المنافع التي يستفيد منها الفرد في حياته الانسانية  . فلم يهمل الاسلام الحث على طلب العلوم غير الدينية التي يتكامل معها المجتمع الانساني ، ويتوجه بعد سد حاجاته الاساسية الى معرفة الخالق وعبادته والتقرب اليه بشتى وسائل التقرب . فقد ورد عن الامام علي بن ابي طالب «ع» قوله : (ان من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال : يجيب اذا سئل ، وينطق اذا عجز القوم عن الكلام ، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح اهله)[9] . وعموم الاشارة بالرأي النافع الذي فيه صلاح القوم او الاهل ، ينطبق على كل امر فيه مصلحة انسانية ، تجريبية كانت أو اجتماعية .

 ملحق : حديث الامام موسى بن جعفر(ع) في العقل والعلم

          وفي حديث الامام موسى بن جعفر «ع» هذا الذي اختصرناه بما يناسب هذا الكتاب اشارة الى دور العقل والعلم في العبادة والتفكر ومنفعة الناس . يقول الامام «ع» في خطابه لهشام بن الحكم : (ان الله تبارك وتعالى بشّر اهل العقل والفهم في كتابه فقال : (فَبَشّر عِبادِ الَّذينَ يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ اَحسَنَهُ اُولئِكَ الَّذينَ هَداهُمُ اللهُ وَاُولئِكَ هُم اُولُوا الاَلبابِ)[10] . ان الله تبارك وتعالى اكمل للناس الحجج بالعقول ، نصر النبيين بالبيان ، ودلّهم على ربوبيته بالادلة ، فقال : (وَاِلهُكُم اِلهٌ واحِدٌ ، لا اِلهَ اِلاّ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ . اِنَّ في خَلقِ السَّمواتِ وَالاَرضِ وَاختِلافِ الليلِ وَالنَّهارِ وَالفُلكِ التي تَجري في البَحرِ بِما يَنفَعُ النّاسَ ، وَما اَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماء فَاَحيا بِهِ الاَرضَ بَعدَ مَوتِها وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّة وَتَصريفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ المُسَخَّرِ بَينَ السَّماءِ وَالاَرضِ لآيات لِقَوم يَعقِلُونَ)[11] .

          وقد جعل الله ذلك دليلاً على معرفته بان لهم مدبّراً ، فقال : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الليلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمرِهِ اِنَّ فِي ذلِكَ لآيات لِقَوم يَعقِلُونَ)[12] . وقال : (هُوَ الَّذي خَلَقَكُم مِن تُراب ثُمَّ مِن نُطفَة ثُمَّ مِن عَلَقَة ثُمَّ يُخرِجُكُم طِفلاً ثُمَّ لِتَبلِغُوا اَشُدَّكُم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَن يُتَوَفّى مِن قَبلُ وَلِتَبلُغُوا اَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُم تَعقِلُون)[13] . وقال : (وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ وَما اَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزق فَاَحيا بِهِ الاَرضَ بَعدَ مَوتِها وَتَصريفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوم يَعقِلُونَ)[14] . وقال : (يُحيي الاَرضَ بَعدَ مَوتِها ، قَد بَيَّنا لَكُم الآياتِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ)[15] . وقال : (وَجَنّاتٌ مِن اَعناب وَزَرعٌ ، وَنَخيلٌ ، صِنوانٌ وَغَيرُ صِنوان يُسقى بِماء واحِد وَنُفَضِّلُ بَعضَها عَلى بَعض في الاُكُلِ اِنَّ فِي ذلِكَ لآيات لِقَوم يَعقِلُونَ)[16] . وقال : (وَمِن آياتِهِ يرُيكُمُ البَرقَ خَوفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءاً فَيُحيي بِهِ الأرضَ بَعدَ مَوتِها اِنَّ فِي ذلِكَ لآيات لِقَوم يَعقِلُونَ)[17] . وقال : (قُل تَعالَوا اَتلُ ما حَرّمَ رَبِّكُم عَلَيكُم اَلاّ تُشرِكُوا بِهِ شَيئاً وَبِالوالِدَينِ احساناً وَلا تَقتُلُوا اَولادَكُم مِن اِملاق نَحنُ نَرزُقكُم وَاِيّاهُم وَلا تَقرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وَما بَطَن وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ التي حَرَّمَ اللهُ اِلاّ بِالحَقِّ ذلِكُم وَصّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ)[18] . وقال : (هَل لَكُم مِن ما مَلَكَت اَيمانُكُم مِن شُرَكاءَ فِيما رَزَقناكُم فَاَنتُم فيهِ سَواءُ تَخافُونَهُم كَخِيفَتِكُم اَنفُسَكُم ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوم يَعقِلُونَ)[19] .

          ان العقل مع العلم فقال : (وَتِلكَ الاَمثالُ نَضرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعقِلُها اِلاّ العالِمُونَ) [20] . ثم ذم الذين لا يعقلون فقال : (وَاِذا قِيلَ لَهُم اتَّبِعُوا ما اَنزَلَ اللهُ قالُوا بَل نَتَّبِعُ ما اَلفَينا عَلَيهِ آباءَنا اَوَلَو كانَ آباؤُهُم لا يَعقِلُونَ شَيئاً وَلا يَهتَدُونَ)[21]. وقال: (وَمَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا كَمَثَل الَّذي يَنعَقُ بِما لا يَسمَعُ اِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فَهُم لا يَعقِلُونَ)[22]. وقال : (وَمِنهُم مَن يَستَمِعُونَ اِلَيكَ اَفَأنتَ تُسمِعُ الصُمَّ وَلَو كانُوا لا يَعقِلُونَ)[23]. وقال : (اَم تَحسَبُ اَنَّ اَكثَرهُم يَسمَعُونَ اَو يَعقِلُونَ اِن هُم اِلاّ كَالاَنعامِ بَل هُم اَضَلُّ سَبيلا)[24]. وقال : (لا يُقاتِلُونَكُم جَمِيعاً اِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَة اَو مِن وَراءِ جُدُر بَأسُهُم بَينَهُم شَديدٌ تَحسَبُهُم جَميعاً وَقُلُوبُهُم شَتّى ذلِكَ بِاَنَّهُم قَومٌ لا يَعقِلُونَ)[25]. وقال: (وَتَنسَونَ اَنفُسَكُم وَاَنتُم تَتلُونَ الكِتابَ اَفَلا تَعقِلُونَ) [26].

ثم ذكر اولي الالباب باحسن الذكر، وحلاّهم باحسن الحلية، فقال: (يُؤتي الحِكمَةَ مَن يَشاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد اُوتِيَ خَيراً كَثيراً وَما يَذَّكَّرُ اِلاّ اُولُوا الاَلبابِ)[27]. وقال: (وَالرّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌ مِن عِندِ رَبّنا وَما يَذَّكَّرُ اِلاّ اُولُوا الاَلبابِ)[28]. وقال: (اِنَّ فِي خَلقِ السَّمواتِ والاَرْضِ واختِلافِ الليلِ والنَّهارِ لآيات لاوُلي الالبابِ)[29] .

          وقال : (اَفَمَنْ يَعلَمُ اَنَّما اُنزِلَ اِلَيكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هُوَ اَعمى اِنَّما يَتَذَكَّرُ اُولُوا الاَلبابِ)[30] . وقال: (اَمَّن هُوَ قانِتٌ  آناءَ اللَّيلِ ساجِداً وَقائِماً يَحذَرُ الآخِرَةِ وَيَرجُوا رَحمَةَ رَبِّهِ قُل هَل يَستَوي الَّذينَ يَعلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعلَمُونَ اِنَّما يَتَذَكَّرُ اُولُوا الاَلبابِ)[31] . وقال : (كِتابٌ اَنزَلناهُ اِلَيكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ اُولُوا الاَلبابِ)[32] . وقال : (وَلَقَد آتَينا مُوسى الهُدى وَاَورَثنا بَني اِسرائيلَ الكِتابَ هُدىً وَذِكرى لاُولِي الاَلبابِ)[33] . وقال : (وَذَكِّر فَاِنَّ الذِكرى تَنفَعُ المُؤمِنينَ)[34] .

          ان الله تعالى يقول في كتابه : (اِنَّ في ذلِكَ لَذِكرى لِمَن كانَ لَهُ قَلبٌ)[35] ، يعني : عقل ، وقال : (وَلَقَد آتَينا لُقمانَ الحِكمَةَ)[36] ، قال : الفهم والعقل . ان لقمان قال لابنه : «تواضع للحق تكن اعقل الناس ، وان الكيّس لدى الحق يسير ، يا بني ان الدنيا بحر عميق ، وقد غرق فيها عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الايمان وشراعها التوكل ، وقيّمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكانها الصبر» .

          ان لكل شيء دليلاً ودليل العقل التفكر ، ودليل التفكر الصمت . ان للّه على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فامّا الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة (ع) ، واما الباطنة فالعقول .

          كان اميرالمؤمنين(ع) يقول : ما عبد الله بشيء افضل من العقل ، وما تم عقل امرىء حتى يكون فيه خصال شتى : الكفر والشر منه مأمونان ، والرشد والخير فيه مأمولان ، وفضل ماله مبذول ، وفضل قوله مكفوف ، ونصيبه من الدنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهره ، الذل احب اليه مع الله من العز مع غيره)[37] .

 نظرية التعليم في الاسلام

          ويختصر الاسلام نظريته في التعليم باول كلمة وحي من الباري عز وجل نزلت على صدر الرسول العظيم محمد (ص) ، وهي كلمة : (اقرأ . .) . ومع ان هذه الجملة في الآية الكريمة تفيد خصوص القراءة للرسول (ص) الاّ ان مقتضاها اكبر من ذلك . فتوجيه صيغة الامر بالقراءة يساعد المكلفين على فهم الاحكام الشرعية وتطبيقها ، ويساعدهم ايضاً على قراءة القرآن والتفكر في آياته العظيمة ، وعلى تنشيط عقولهم لتطوير الحياة الانسانية في مختلف مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية . وفي الحديث التالي المروي عن الامام علي بن ابي طالب (ع) دلالة على ان طلب العلم والتفقه يشمل المسلمين عموماً ولا يخص فئة دون اخرى ، حيث يقول(ع) : (ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم والعمل به ، وان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال . ان المال مقسوم بينكم مضمون لكم ، قد قسّمه عادل بينكم وضمنه ، سيفي لكم به ، والعلم مخزون عليكم عند اهله قد أمرتم بطلبه منهم فاطلبوه ، واعلموا ان كثرة المال مفسدة للدين مقساة للقلوب وان كثرة العلم والعمل به مصلحة للدين سبب الى الجنة ، والنفقات تنقص المال ، والعلم يزكو على انفاقه)[38] . فكمال الدين اذن ، حسب الرواية ، والسمو في فهم الاحكام الشرعية وعللها ، لا يتم الاّ عن طريق طلب العلم والاجتهاد في تحصيله . وبذلك فان الاسلام وضع العلم على سلم الحاجات البشرية التي ينبغي اشباعها .

          وليس هناك ادنى شك من أن الاعمال التي يقوم بها الفرد في حياته العملية تحتاج الى كمية من العلوم ، تقدرها المصلحة الاجتماعية . فالطب وتخطيط المدن وجمع الحطب مثلاً تحتاج الى علوم تتناول تلك الاختصاصات . فعلم التشريح والعقاقير والكيمياء يطور علم الطب ، ودراسة القياسات ومعرفة علم المساحة وتربة الارض ومواد البناء يساعد في علم تخطيط المدن ، ودراسة الاشجار واخشابها وطريقة قطعها واسلوب نقلها يساعد الافراد المهتمين بعملية جمع الحطب واستخدامه في عملية توليد الطاقة . وفي كل تلك الامثلة يكون العلم الاختصاصي هو المحور والمدار في تطوير المهنة التي يقوم بها العامل المختص . وبطبيعة الحال ، فان الاختصاص ، ليس القطب الوحيد الذي يعرضه الاسلام ضمن اهتمامه بالعلوم التطبيقية ، بل يطرح فكرة التسخير ايضاً ، باعتبارها منهجاً عملياً للتفاعل الاجتماعي . فجوهر فكرة التسخير يقول بان الافراد مسخرون بالاصل لخدمة بعضهم البعض ، فقد ورد قوله تعالى بهذا الخصوص : (وَرَفَعنا بَعضَهُم فَوقَ بَعض دَرَجات لِيَتَّخِذَ بَعضُهُم بَعضاً سِخرِيّا)[39] . وهي اشارة الى ان النظام الاجتماعي لا يحيى الاّ عن طريق تسخير جهود الافراد الشخصية لخدمة بعضهم البعض في شتى المجالات الحياتية الضرورية للبقاء البشري على الارض . حيث تقوم العلوم التخصصية في عملية التسخير بدورالعامل المساعد في تطوير تلك العملية وتسهيلها خدمة للنظام الاجتماعي العام وافراده . ولم تتوقف فكرة التسخير على الاعمال اليدوية والاعمال القائمة على الجهد الانساني العضلي ، بل تتعدى الى الجهد العلمي والفكري الذي يقوم به الانسان . ومن ذلك ، الجهد العلمي الذي يؤديالى الاجتهاد في علوم الدين ، وبالخصوص الفقه والاصول . وعملية الاجتهاد هذه ، تعتبر جزءاً من نظرية التسخير ، فاجتهاد المجتهد وعلمه ينبغي ان يسخر كلياً لخدمة الامة ، بالتوافق مع حاجاتها وبالتناسب مع طموحاتها في انشاء نظام اجتماعي سياسي ديني متكامل .

          ولكن الحركة الاجتهادية في الفقه والاصول قاست في العصور الاسلامية الاولى انعزالاً سياسياً ادى الى تحديد الهدف الاجتماعي من التعليم . فبدلاً من تعميم مفهوم التعليم وجعله حقاً لكل فرد سعت السلطات السياسية الحاكمة الى الحفاظ على مستوى من الجهل والتخلف الفكري السائد بين الافراد انذاك ، لان السلطات كانت تشعر ان نشر العلم بين افراد الامة سيؤدي الى هزم الكيان السياسي الظالم وتقويض اركانه . وكان من نتائج هذا الانعزال تقلص النظرية الاجتماعية للفقه الاسلامي ، وظهور الاتجاه الفقهي الذي يهتم بشؤون الفرد اكثر من اهتمامه بشؤون الامة . وانصب اهتمام الفقهاء بالحث على تحصيل العلوم الدينية المتمثلة بالفقه والاصول وعلوم الحديث واللغة والمنطق بالقلة المختارة من الافراد ، بينما اهمل تعليم الافراد عموماً ، بل ان الامة الاسلامية باتت على قسمين ، القسم الاول والاكبر سماهم الفقهاء بـ «العوام من الناس» وهم الذين لا يقرأون ، والثاني : وهم الطلبة والعلماء . وهذه التسمية في حد ذاتها تعطي انطباعاً ظاهرياً بان العلم في الاسلام انما وجد للخاصة فحسب ، وبقية الناس ينطبق عليهم اصطلاح العوام . وكأن التكليف الشرعي لا يحث المكلف على طلب العلم والتحصيل! ولا نشك ان اللوم في هذا الفكر المتخلف يقع كلياً على السلطات السياسية المنحرفة التي حكمت الامة الاسلامية قروناً عديدة ، فسلبت من ايدي الفقهاء العدول كل ادوات السلطة التنفيذية ، وارادت للامة الاسلامية بجميع افرادها التخلف عن ركب الع