(ص 181- 200)

 «الجريمة» في المجتمع الوضعي

          وبطبيعة الحال ، فان النظرية الوضعية تعتقد بان الجريمة ـ وهي مخالفة قانونية او انتهاك حرمة يقوم بها الفرد ـ يجب ان تخضع لمتغيرين عمليين حتى ينطبق عليها مفهوم الانحراف :

الاول : ان يكون العمل الجرمي عملاً يربك النظام الاجتماعي .

الثاني : ان تفشل السيطرة على الجريمة باستخدام اسلوب المقاطعة الاجتماعية ضد المنحرف . بمعنى آخر، انه اذا كان حجم الانحراف اكبر من حجم المقاطعة الاجتماعية المجردة ، اصبح ذلك الانحراف عملاً جرمياً يستدعي تدخل القانون والدولة لحماية المجنى عليه ضد الجاني .

          واذا ثبتت الجريمة ، فان العقاب لابد ان يتحقق حيث تتناسب شدته مع درجة عنفها ووحشيتها. وعلى ضوء درجة عنف الانحراف وتأثيره على الافراد في النظام الاجتماعي ، تقسّم النظرية الاجتماعية الجنايات الى اربعة اقسام وهي : جرائم العنف ، وجرائم بدون ضحايا ، وجرائم الممتلكات ، وجرائم الطبقة العليا المسيطرة على النظام الاجتماعي .

          وتختلف الجرائم في النظام الوضعي من اقليم لآخر ، الا ان القاسم المشترك والقدر المتعين فيها هو ان الانحراف مرآة لطموحات الطبقة العليا ونتيجة طبيعية لانعدام العدالة الاجتماعية. ففي نظام التمميز العنصري في جنوب افريقيا مثلا يعتبر القانون ـ والى وقت قريب ـ انضمام الطالب ذو البشرة السوداء الى جامعة خاصة بالطلبة البيض جريمة تستحق العقاب . وفي بريطانيا يعتبر انتقاد رئيس الدولة الرمزي (الملك او الملكة) جريمة جنائية، بينما لا يعتبر ذلك في الولايات المتحدة، مع ان كلا الدولتين تؤمنان بالنظرية الرأسمالية والديمقراطية السياسية. وتتدخل الشركات الرأسمالية ، من الناحية القانونية ، بشؤون النظام السياسي في امريكا عن طريق لجان المنفعة التجارية. بينما يعتبر ذلك جرماً في بلدان اُخرى .

والاصل الذي تقوم عليه النظرية الاجتماعية الوضعية، والرأسمالية بالخصوص، هو ان الجريمة ترتبط بالنظام الاجتماعي الطبقي[1] . فأصل الانحراف، بزعمها، هو الفقر. ومصدر الجناية هو الطبقة الفقيرة الواطئة اجتماعياً، وعليه يترتب انزال العقوبات الرادعة بحق المنحرفين (من الطبقات الفقيرة). ولكن ارتباط الفقر بالجريمة ، ينبغي ان لا يقلل من خطورة الانحرافات التي تمارسها الطبقة الرأسمالية المسيطرة ، وتحاول سترها بالوسائل القانونية. وهذا الاسلوب في تفسير الحقائق هو الذي اعطى نظرية الصراع الاجتماعي زخماً وقوةً في ادعائها الزاعم بان القانون انما وضع اصلاً لخدمة الطبقة الرأسمالية .

 جرائم العنف:

          وهي جرائم القتل والجرح والغصب والسطو التي تقع غالباً بين الطبقات الفقيرة في المجتمع الصناعي. ويرجع السبب في انتشار الجريمة بين الطبقات الفقيرة الى التفاوت الطبقي في النظام الرأسمالي، فاغلبية هؤلاء الافراد ينشأون ضمن عوائل ممزقة ، مدمنة على الكحول، تنتشر بينها الامية والبطالة. فلا تحمل الحياة لهم اية قيمة اجتماعية او سياسية ، فاذا فقد المرء حياته فلا يخسر الا الفقر والحرمان ، وكأني بلسانه يقول مرحباً بالموت ، فتراب الحرية اشرف لي من هواء الظلم والاستعباد.

 جرائم ضد الممتلكات:

          وهي الجنايات التي تنتهك حرمة ملكية الافراد للاشياء. ومنها: السرقة، وادعاء ملكية الاشياء دون سند. ومنها : ارتكاب عمل يؤدي الى تلف تلك الممتلكات كالحريق المتعمد للاملاك بنية الحصول على تعويض. ومنها: استخدام الممتلكات بصورة تنافي مصلحة المالك. وعلة ارتكاب تلك الجرائم – على الاغلب - الحاجة الانسانية التي لم يشبعها المجتمع . والفقر عامل رئيسي في انتشار هذا اللون من الجنايات ، لان انعدام العدالة يدفع الافراد الى البحث عن مصادر للعيش قد لا تنسجم مع العرف القانوني للمجتمع الصناعي.

جرائم بدون ضحايا:

          وينظر مناصرو النظرية الوضعية الى جرائم المقامرة والبغاء والانحراف الخلقي على انها جرائم لا تنتج ضحايا فالمقامر لا يضر الا نفسه اذا خسر ، والمرأة التي تمتهن الفاحشة لاتخسر الا سمعتها ، والشاذ خلقياً يشذ عن المجرى الاجتماعي العام فحسب . وكل هؤلاء لايضرون المجتمع كنظام ، بل يضرون انفسهم على الصعيد الشخصي ، ولذلك فان جرائمهم تعتبر في العرف الاجتماعي جرائم بدون ضحايا . وبعد ان تتنكر النظرية الوضعية لخطورة تلك الجرائم ، تعود وتعترف بمشقة السيطرة على هذا اللون من الانحراف . لان الجريمة هنا ليست نزاعاً بين متخاصمَين ، ولا دعوى مقامة من قبل مدعي ضد مدعى عليه . فالمقامر الخاسر لا يستطيع ان يقيم دعوى قضائية ضد المقامر الرابح ، لانهما سلكا هذا السلوك بملء ارادتهما . والمرأة الفاحش لا تستطيع اقامة دعوى قضائية ضد زبائنها ، لانها اختارت لنفسها ان ترتزق من هذا السبيل ، والشاذ خلقياً سلك هذا المسلك لاشباع انحرافه وشذوذه . وحتى التفكير باعتبار هذه الاعمال جرائماً ، له من يعارضه في المجتمع الوضعي لسببين، الاول: ان هذه الممارسات جميعاً لو اعتبرت جرائم يعاقب عليها القانون، لاستدعى ذلك ايجاد قوة كبيرة من جهاز الشرطة، واستلزم التهيؤ لبناء سجون واسعة لاعتقال كل فرد يمارس تلك الاعمال. وهذا امر مستحيل من زاوية النظرة الاقتصادية الرأسمالية ، لان المجتمع الوضعي الرأسمالي مبني على اساس المنفعة التجارية، والعقوبة الاخلاقية لا تدر ربحاً ولا تجلب رزقاً . والثاني: لو افترضنا ان تلك الاعمال اعتبرت جرماً فان سلب شرعيتها سيدفع الافراد الى ممارستها بشكل سري ولكن بكلفة اجتماعية باهضة .

          ومع ان بعض الانظمة الوضعية تحرّم القمار والبغاء وتحصره في اماكن خاصة الا ان اصل الفكرة العلمانية تنادي بعدم معاقبة الافراد الذين يرتكبون هذه الجرائم بدعوى انها جرائم بدون ضحايا .

 جنايات النخبة:

          وهي جنايات يرتكبها افراد النخبة السياسية ويفلتون من العقوبات المترتبة على ممارستها ، امثال: عدم العدالة في فرض الاسعار، والتحايل في دفع الضرائب ونحوها. وترتكب تلك المخالفات تحت مظلة النشاط التجاري ، فتستطيع النخبة لوي عنق القانون لمصلحتها الذاتية. والقانون الوضعي لا يدين الافراد، الذين يرتكبون تلك المخالفات، بصفتهم الشخصية ، بل يدين الشركات والمصانع بصفتها المؤسسية. بمعنى ان اقصى ما يستطيع ان يفعله القانون في النظام الوضعي الرأسمالي تجاه الشركات المدانة في ارتكاب مخالفات هو فرض غرامات مالية معينة عليها وقت التجريم ، او غلقها كعقوبة قصوى . بينما لا يمس القانون مالكيها بأي اذى. ولو تم تجريم تلك المصالح التجارية فهي لا تُجبر على المثول امام المحاكم الجنائية بل تمثل امام هيئات خاصة يشكلها النظام السياسي. وبمعنى آخر ان تلك المؤسسات التي مارست انحرافاً لا تحاكم بنفس القسوة التي يحاكم بها الافراد من الطبقات الضعيفة.

وهذا اللون من الانحراف يكلف النظام الاجتماعي اموالاً تقدّر بحوالي عشرين ضعف الاموال المسروقة جراء جرائم العنف وجرائم الملكية[2]، وعلى ضوء ذلك نستنتج بان النخبة في النظام الوضعي تسرق عشرين مرة اكثر مما يسرق اللصوص الفقراء. وفي اغلب الاحيان لا يعاقب القانون النخبة كما يعاقب اللصوص من الطبقة الفقيرة.

 تعريف «المجرم» في النظام الوضعي

          ويلعب المركز الاجتماعي في النظام الوضعي دوراً اساسياً في تحديد عقوبة المنحرف. فاذا ثبتت الجناية ضد الجاني من النخبة الرأسمالية، فان مركزه الاجتماعي ونشاطه السياسي وعلاقاته الشخصية، تلعب دوراً رئيسياً في تحديد العقوبة الصادرة بحقه، بحيث تستطيع جميع تلك العوامل توظيف القانون لصالح الجاني[3]. فالقوانين الرأسمالية المتمثلة بتعليق العقوبة، وبدائل العلاج وخدمة الادارة المحلية، والكفالة المالية، انما وضعت اساساً لمعالجة الجنايات التي يرتكبها الجناة من افراد النخبة.

          وتأثير النخبة على المؤسسة السياسية جعل العقوبة الجنائية والمدنية رهناً بيد محامي الدفاع، والنائب العام ، وهيئة المحلفين. بمعنى ان القضية الحقوقية خرجت من يد المدعي والمدعى عليه والقاضي، ودخلت في مناورات محامي الدفاع والنائب العام، حيث يصبح المال والدرحة السياسية والمنـزلة الاجتماعية محط انظار القضاء، خلافاً لما تستدعيه العدالة القضائية من تجرد وحياد مطلق تجاه القضايا الجنائية.

          ويزعم الحقوقيون الوضعيون ان السبب في ليونة العقوبة الصادرة بحق الجناة من النخبة، هو ان الجاني يعاني خلال فترة محاكمته من تأثير العقوبة المعنوية بحقه وهي المتمثلة بالأساءة الى منـزلته الاجتماعية، وهي بحد ذاتها عقوبة رادعة. اما الفقير المنحرف فهو يستحق عقوبة جسدية اشد، لانه لم يخسر موقعه الاجتماعي المفقود اصلاً خلال ادوار المحاكمة.

 نظام العقوبات في المؤسسة الوضعية

          ولا شك ان اسلوب العقوبات في النظام القضائي يهدف الى اصلاح المنحرفين، وارجاعهم الى الابحار والانسياب في حركة المجرى الاجتماعي العام ، وتعليمهم احترام القانون الذي وضعه لهم العقلاء في النظام الاجتماعي لحماية الناس من آثار الانحراف .

          وعلى ضوء ذلك فان للنظام الاجتماعي ومؤسساته ، الحق في اتخاذ مختلف التدابير لعلاج الانحراف وتعديل سلوك المنحرفين. ولمعالجة الانحراف، حسب الفكرة الرأسمالية، فان الدولة ونظامها القانوني ينبغي ان تلحظ الامور التالية:

اولاً: فرض القيود على حرية المنحرف عن طريق السجن، او العلاج الطبي، او خدمة مؤسسات الادارة المحلية. ثانياً: تعويض الضحية او من يتعلق بها مالياً.

ثالثاً: التأهيل الاجتماعي للمنحرف وارجاعه الى المجرى الاجتماعي العام عن طريق التربية والتعليم والتدريب المهني، بأمل ابعاده في النهاية عن الانحراف.

رابعاً: ردع الاخرين عن الانحراف ، عن طريق تأديب المنحرفين وجعلهم عبرة لمن يعتبر.

          وقد تعتقد النظرية الوضعية الرأسمالية ان العقوبات التي تفرضها على المنحرفين اليوم اكثر تحضراً من تلك التي فرضها النظام الاجتماعي قبل ظهور الثورة الصناعية! فقد كان المنحرف يعاقب بالاعدام أو التعذيب أو النفي. اما اليوم ، فان النظام القضائي الوضعي يمنح المنحرفين فرصة حقيقية للرجوع الى المنحى العقلائي الذي يقرّه الافراد في المجتمع الكبير . ولكن هذا الزعم تدحضه التجربة العملية التي تعيشها الرأسمالية اليوم . فبعد مائتي سنة من التجربة القضائية الوضعية يواجه المجتمع الغربي اسوأ مشاكله الاجتماعية المتعلقة بنظام العقوبات . فثلاثة ارباع المنحرفين الذين يطلق سراحهم من السجون بعد قضاء مدد عقوباتهم يعتقلون مرة اخرى لارتكابهم جرائم جديدة مشابهة لجرائمهم الاولى[4]. ويُحتمل ان الربع الاخير من هؤلاء يرتكب جرائم جديدة ولكنه يفلت من العقوبة لسبب من الاسباب[5].

          وهذا يبين لنا فشل نظام العقوبات الوضعي وفشل نظام السجون بالخصوص. فلو كانت السجون مدارس لتهذيب المنحرفين كما يزعم المقننون للنظام القضائي الحديث لما عاد ثلاثة ارباع المنحرفين الى سابق عهدهم  من الاجرام ، فاين موقع السجون في عملية اصلاح شخصية المنحرف وتأديبها؟ واين موقع العدالة الاجتماعية في نظام العقوبات ؟ اليس الاولى للمجتمع دراسة منشأ الانحراف لمعالجة اصل المشكلة الجنائية أو الانحرافية؟ أوَ ليس الاجدى بالنظام سد حاجات الافراد الفقراء واشباعها ، خصوصاً اذا كان الانحراف ناشئاً من عدم اشباع تلك الحاجات ؟ بل كيف يمكن تصديق ادعاءات النظام بان السجن هو اكمل الوسائل القانونية لمعالجة الانحراف الاجتماعي ؟

          والواضح ان فشل نظام السجون في تهذيب الانحراف، يرجع الى ان السجن اصبح جهاز تخدير لا جهاز تأديب. حيث يواجه السجين خلال قضائه مدة العقوبة نظاماً تنفيذياً يصهر بموجبه المنحرف مع بقية المنحرفين ، ويقطعه عن الاختلاط بافراد المجتمع من ذوي السلوك السليم . وهذا بدوره يشجع المنحرف على الانحراف اكثر مما يشجعه على سلوك منهج الاصلاح والتأهيل.

          ولما كانت فكرة السجون، هدفاً ووسيلةً، قد اثبتت فشلها في نظام العقوبات الوضعي، فقد مال القضاء في العقود الاخيرة، الى استحسان فكرة تعليق العقوبة الصادرة بحق الجاني. شرط ان يجد له عملاً يتكسب به، وان لا يرتكب جريمة جديدة خلال فترة تعليق الحكم. وقد قوبلت تلك الفكرة بالتأييد الى درجة ان المنحرفين المعاقبين بتعليق الحكم اليوم، يشكلون خمسة اضعاف عدد المنحرفين المعاقبين بالسجن[6]. وعقوبة التعليق فاشلة ايضاً ، لان الجاني المدان بتعليق العقوبة ، اذا ارتكب جريمة جديدة ، عوقب مرّة اُخرى بالسجن ، الذي لاحظنا فشله في تأديب المنحرف وتهذيبه من بداية الامر .

 «الجريمة» في نظرية الصراع الاجتماعي

          ولا شك ان نظرية الصراع الاجتماعي تؤمن بان الانحراف نتيجة منطقية لصراع المصالح الاجتماعية[7]. فالطرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي يفرض قوانينه وانظمته على الطرف الخاسر ، ويضفي عليها صبغة الزامية فتصبح عندئذ عرفاً قانونياً للنظام الاجتماعي ، وكل ما يخالف ذلك العرف يصبح انحرافاً . بمعنى ان النظام السياسي الحاكم يساعد الاقوياء  على حساب الضعفاء ، والحكام على المحكومين ، والاغنياء على الفقراء . ولذلك فان الانحراف في رأي النظرية الماركسية ، سلوك طبيعي هدفه تهديد النظام السياسي القائم ضمن اطار الصراع الاجتماعي . ومثال ذلك ان القانون الذي شرّعه الحقوقيون في بداية نشوء الولايات المتحدة كدولة ، كان يحّرم على مواطني البلاد الاصليين من الهنود حق امتلاك الاراضي . فكان تملك الارض من قبل الهنود الاصليين يعتبر ، رسمياً ، انحرافاً وجريمةً يعاقب عليها القانون ، لان الطرف المنتصر في عملية الصراع الاجتماعي في ذلك الوقت كان يمثل المستوطنين البيض . ومثال آخر ان النظام الرأسمالي الغربي أقر نظام الرق في القرن الثامن عشر . وقانون الرق يقر استعباد الاقوياء للمستضعفين على اساس الجنس ولون البشرة، فيحق ضمن ذلك القانون استعباد الجنس الاسود من قبل الجنس الابيض . فكانت حرية العبيد انحرافاً واجراماً بحق النظام الاجتماعي الرأسمالي السائد في القرن التاسع عشر . وفي العشرينيات من القرن العشرين الميلادي كان تشكيل اتحادات العمال المهنية في الولايات المتحدة جريمة يعاقب عليها القانون ، لان النظام كان لا يسمح باجازة التنظيمات العمالية والاضرابات النقابية .

          وعلى ضوء ذلك ، ترى نظرية الصراع الاجتماعي ان نشوء الجريمة في المجتمع امر حتمي ، لان القوانين القضائية والسياسية تعكس مصالح الطبقة الغنية القوية المتحكمة بقضايا الفقراء والمستضعفين. وتسرد امثلة على ذلك فتقول: ان سرقة مصرف تجاري تترتب عليه عقوبة قاسية بحق السارقين، لان الاموال التي تسرق تعتبر جزءاً من اموال الطبقة الرأسمالية. ولكن سرقة حقوق العمال عن طريق حرمانهم من الضمان الصحي مثلاً يعتبر في نظر النظام الرأسمالي انحرافاً جزئياً يستحق مرتكبوه عقوبات مخففة لانه انحراف لا يمس امتيازات الطبقة المتحكمة . ولتوضيح ذلك ، يعرض مناصرو نظرية الصراع المعاصرون ، احصائية نشرت في منتصف الثمانينيات تشير الى ان جرائم التحايل على دفع الضريبة من قبل النخبة الرأسمالية شملت مبلغاً قدره مائتي بليون دولار سنوياً ، ولكن لم يعتقل من هؤلاء الاّ 1800 فرد فقط ، بينما وصل عدد الافراد الذين اعتقلوا خلال نفس الفترة ، لارتكابهم جرائم اقل درجة وقيمة (تقدر بعشرة بلايين دولار) ، حوالي مليون وربع مليون فرد[8]، فاين العدالة بين الافراد في معاقبة الانحرافات والجرائم المالية ؟ فسرقة مائتي بليون دولار تستدعي اعتقال 1800 فرد ، وسرقة عشرة بلايين دولار تستدعي اعتقال مليون وربع المليون فرد ! والنسبة بين المعتقلين من الطبقتين كما ترى، والمبالغ المسروقة لا تتناسب تناسباً عقلائياً مع ابسط قواعد العدالة الاجتماعية . والخلاصة ان النخبة المتحكمة بعنق النظام تسرق نسبة هائلة من المال المتداول اجتماعياً ولا تعاقب عليها لان سلوكها هذا لا يعد انحرافاً ، اما السرقة التي يقوم بها اللص الفقير فتعتبر جريمة يستحق مرتكبها عقوبة قاسية! والسبب في كل ذلك ان الطبقة القوية هي التي تصمم النظام القضائي وتضع القوانين السياسية . وهي التي تضع التعريف الاجتماعي لفكرة الانحراف .

          ولذلك فان الجرائم السياسية كالتمرد على النظام، حسب ادعاء نظرية الصراع، نتائج حتمية لصراع المصالح الاجتماعية ، وامثلة حية على صدق مقولتها بان القوانين الاجتماعية مصممة لخدمة الطبقة الرأسمالية. الا ان طبيعة الصراع تغير الموازين السياسية، فانحراف اليوم ربما يصبح عرف الغد. والمتمرد على النظام في الزمن الحاضر قد يصبح قائداً لنظام جديد ، مستقبلاً . والمخرب اليوم قد يصبح بطلاً قومياً عندما تنتصر قضيته التي ناضل من اجلها .

نقد فكرة «الجريمة» في نظرية الصراع:

          ان زعم نظرية الصراع الاجتماعي بان الجريمة نتيجة حتمية لصراع المصالح الاجتماعية لا يمثل الفهم الشامل لمفهوم «الجريمة» في النظام الاجتماعي . فليست جرائم المجتمع الانساني بكافة الوانها واشكالها ناتجة من صراع المصالح الاجتماعية . وليست الجرائم التي يشهدها المجتمع الرأسمالي، كلياً ناتجة من تحكم الطبقة الرأسمالية. نعم ان مصدر العديد من الجنايات في النظام الرأسمالي، هو ظلم الطبقة الرأسمالية وجشعها ، كما ذكرنا ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب . ولكن الواقع يشهد بان هناك العديد من الجنايات والجرائم التي يرجع سببها الى دوافع ومناشىء اخرى ، غير الصراع الاجتماعي ، ومنها : الاختلافات العائلية ، والاختلالات العقلية ، والدوافع الشهوية المحضة . ومع اننا لا نقلل من قوة حجة نظرية الصراع الاجتماعي في تحليل اسباب نشوء الجريمة ، الا ان مفهومها عن الانحراف لا ينهض الى مستوى الشمول في فهم نشوء الجريمة في المجتمع الانساني . ولو كانت نظرية الصراع الاجتماعي دقيقة في تحليلها لَتمثل لنا اختفاء الجريمة والانحراف من المجتمع الشيوعي اختفاءً تاماً . ولكن هذا التحليل يكذبه الواقع العملي ، فمناهضة النظام السياسي في المجتمع الماركسي يعتبر انحرافاً يستحق مرتكبه اقصى العقوبات ، والغصب يعتبر انحرافاً يعاقب عليه القانون . فكيف تفسر نظرية الصراع الاجتماعي وجود هذه الانحرافات في مجتمع يفترض ان يكون نظيفاً من العناصر الرأسمالية ؟

 «عقوبة الموت» في النظام الوضعي

          وتنفرد الولايات المتحدة من بين الدول الرأسمالية بتطبيق القصاص او عقوبة الموت ضد المنحرفين الذين ادينوا عن طريق المحاكم الجنائية ، بارتكاب جرائم قتل[9] . وفكرة «عقوبة الموت» تتناقض مع فكرة الحرية الشخصية التي نادت بها النظرية الوضعية الغربية. لان الجناية مهما عظمت ، حسب زعمها ، لا تستحق الغاء حياة الجاني من الوجود . و«عقوبة الموت» عقوبة انتقامية وليست ردعية، ويدل على ذلك بزعمها، ان تلك العقوبة النازلة بالمنحرفين لم تردعهم بالكف عن انحرافهم !

ولكن هنا يبرز سؤال مهم ، وهو اذا كانت عقوبة الموت انتقامية ، فلماذا يأخذ بها النظام القضائي الامريكي خلافا لفكرة الحرية الشخصية والمذهب الفردي ؟ يجيب النظام ، بان عقوبة الموت ضرورية ، لان فكرة الحرية الشخصية يجب ان تُرسم لها الحدود وتوضع لها الضوابط، اذا تعلق الامر بالانحراف الاجتماعي. ونردُّ عليهم، بان تحديد الحرية في جريمة معينة ، يستلزم تحديدها في بقية الجرائم ايضاً ، كالجرائم الاخلاقية مثلاً .

          هنا تتوقف النظرية الرأسمالية عن الرد ، باعتبار ان منهج الفرد الاخلاقي يندرج تحت عنوان الحريات الشخصية ! ويبقى سؤال آخر مطروح دون جواب ايضاً وهو من الذي يحدد ضوابط الانحراف وما يترتب عليه من عقوبة تصل حد الموت ؟ ومن الذي يضع الحدود بين الردع والانتقام ؟ ليس هناك من جواب على ذلك.

          ان اقرار النظام القضائي الرأسمالي بشرعية «عقوبة الموت» يناقض ادعاءاته القائلة ، بتخلف عقوبة القصاص في الاسلام عن المنهج الحضاري . فاذا كانت «عقوبة الموت» لا تتماشى مع المنهج الحضاري ، فلماذا ينفذها النظام بحق المنحرفين على ارضه ؟ واذاكانت «عقوبة الموت» افضل الطرق واقصرها، بنظره، لبتر الجريمة، فلماذا لا يقرّ باسبقية الاسلام في تشريعها وتنفيذها ؟

 الاضطراب العقلي

          ولابد في ادراك ابعاد الانحراف ، من فهم الاضطراب العقلي باعتباره عجزاً في قابلية الفرد على التمييز بين الحقيقة والخيال . فالمضطرب عقلياً ينتهك العرف الاجتماعي من خلال تصرفاته التي يختلط فيها الوهم بالحقيقة ، والسراب بالواقع ، والخوف بالامان ، والافكار المجزئة التي لا يجمعها رابط بالافكار الطبيعية المتصل بعضها بالاخر . ولذلك فان اكثر الاضطرابات العقلية انتشاراً هي الاضطرابات الناشئة عن انفصام شخصية الفرد مع الحقيقة والواقع الخارجي . ويربط علماء الطب هذه الاضطرابات باختلال الهرمونات  في الجسم الانساني وما يصاحبه من اضطرابات نفسية وتفاعلات عاطفية تنتهي بالانسان الى فهم الواقع فهماً مغايراً لفهم بقية الافراد[10]. ومنهم من يعتبر الاضطراب العقلي او الجنون وسيلة ناقصة لدى الفرد للتعامل مع العالم الخارجي، فالمضطربون عقلياً يفشلون في التعامل مع اجواء المجتمع المحيطة بهم ، فيلجأون في النهاية الى التعامل مع انفسهم وندبها على عدم فهم الواقع ، فتراهم يتحدثون معها على مرأى من الملأ ويضحكون ويتبسمون لطرائف لم يلتفت اليها الآخرون ، وهم بذلك يحيدون عن العرف الاجتماعي فيوصمون بالجنون.     وقد شجع هذا التحليل ، اصحاب الفكر الماركسي على وصم معارضيهم بالاضطراب العقلي[11]، فكان يتم ادخالهم المستشفيات بدل السجون ، لان عقوبة السجن تعني اعتراف النظام بجريمة سياسية ارتكبها المتهم وليست اضطراباً عقلياً . فالذي يلتزم بالافكار الدينية مثلاً يعتبر ، حسب الفكرة الماركسية ، فرداً مضطرباً من الناحية العقلية لان الدين يهدد النظام السياسي . والذي ينتقد فلسفة النظام يعتبر فرداً مضطرباً لانه لم يصل الى درجة هضم الآراء الفلسفية الخاصة التي صممها فلاسفة النظام . والذي يدعو الى حرية التعبير يعتبر فرداً مضطرباً من الناحية العقلية لان حرية التعبير ليست الا شكلاً من اشكال السراب السياسي الخادع !

ولكن الواقع، اجبر دعاة النظام الماركسي للاعتراف بان جميع تلك الحالات الفردية لم تكن اضطراباً عقلياً، بل كانت تهمة وضع الفاظها وصفاتها واعراضها النظام الحاكم. فحرية التعبير في مجتمع آخر غير المجتمع الماركسي مثلاً كانت ولا تزال قضية يدعو لها العقل، وكذلك الالتزام بالعقائد الدينية، فهي قضية شخصية واجتماعية يحترمها النظام والقانون . ولذلك ، فان ربط الاضطراب العقلي بالجرائم السياسية محاولة خادعة ذكية لخدمة النظام السياسي ، وسحق المعارضة واخماد صوتها .

          ولا يهمنا في هذا البحث، ارتباط الجنون بالانحراف ، فهذا امر متفق عليه بين علماء الطب والاجرام . وانما الذي يهمنا هو منشأ الجنون والاضطراب العقلي في النظام الاجتماعي . ولا شك ان الفقر والحاجة الانسانية تعتبران من اهم عوامل نشوء الاضطراب العقلي. فالفقر ليس اثراً من آثار الحاجة المادية فحسب، بل هو أثرٌ من آثار الحاجة النفسية ايضاً، لانه يمس كرامة الانسان، ويحط من قدره، ويشعره بظلم النظام الاجتماعي. اذن، فالفقر يساهم في رسم شكل الانحراف ويحدد مسيرته .

          ولاشك ان من مصلحة النخبة الرأسمالية، وصم الفقراء بالاضطرابات العقلية ، لان في ذلك عزل لهم عن الساحة السياسية ، وبالتالي حرمانهم من الخيرات الاقتصادية التي ينبغي ان ينعم بها افراد المجتمع كلياً بغض النظر عن انتمائاتهم الطبقية . فالمضطرب عقلياً ، لايستطيع المساهمة في القيادة السياسية والاجتماعية للمجتمع. وهذا الإبعاد المقصود للفقراء عن الساحة السياسية ، يعطي النخبة الرأسمالية فرصة عظيمة في السيطرة على شؤون النظام الاجتماعي وكسر شوكة المعارضة الحقيقية .

(نهاية ص 200)

 

السابق                   صفحة التحميل                      الصفحة الرئيسية
 


[1]  الطبقة، الولاية، والجناية.- ريتشارد كويني. لونكمان، 1980.

[2]  انحرافات الطبقة العليا – سايمون ديفيد وستانلي ايتـزن. الين وبيكون 1986.

[3]  الانحراف التجاري – ديفيد ايرمان وريتشارد لوندمان. هولت، راينهارت، ونستن 1982.

[4]  علم اجتماع الانحراف – ايان تيلر وآخرون. روتيلج وكيكان بول 1973.

[5]  الجريمة، العقاب، الردع – جاك جيبس. السفاير 1975.

[6]  المخالفون الخطرون – مارك مور وآخرون. جامعة هارفارد 1985.

[7]  المخطوطات الاقتصادية والسياسية لعام 1844 – كارل ماركس. الناشرون الدوليون 1964. وايضاً: علم اجتماع السلوك المنحرف – كلينارد مارشال وروبرت مايير. هولت، راينهارت، ونستن 1985.

[8]  مواجهة الجريمة – اليوت كوري. بانثيون 1986.

[9]  عقوبة الموت: مناقشة – ارنست هاك وجون كونراد. بلينوم 1983.

[10]  الامراض العقلية: نظرية اجتماعية. توماس شيف. آلدين 1984.

[11]  صناعة الجنون – توماس جاج. ديل 1970.