|
(ص 165 -180) القسم الثاني الانحراف الاجتماعي في النظرية الوضعية الغربية نظرية الانتقال الانحرافي ونقدها * نظرية القهر الاجتماعي ونقدها * نظرية الضبط الاجتماعي ونقدها * نظرية الالصاق الاجتماعي ونقدها * «الجناية» في المجتمع الوضعي * جرائم العنف * جرائم ضد الممتلكات * جرائم بدون ضحايا * جرائم الطبقة العليا * «المجرم» في النظام الوضعي * نظام العقوبات في المؤسسة الوضعية * «الجريمة» في نظرية الصراع الاجتماعي * نقد مفهوم «الجريمة» في نظرية الصراع * «عقوبة الموت» في النظام الوضعي * الاضطراب العقلي * -------------------- نظرية الانتقال الانحرافي تعتقد نظرية الانتقال الانحرافي ان الانحراف سلوك مكتسب . حيث يتعلم الفرد الانحراف كما يتعلم فرد اخر ، السلوك الذي يرتضيه النظام الاجتماعي[1] . ويستند ذلك الاعتقاد على استقرار نسب الجنايات في المناطق التي تحصل فيها لفترة زمنية طويلة. أي ان الانحراف اذا ظهر في بيئة اجتماعية معينة فلا بد له من الانتعاش والاستمرار في تلك البيئة ، حتى يتعمق في التركيبة الثقافية والاجتماعية للمحلة. وينتقل الطابع الانحرافي من فرد الى اخر ثم من جيل الى اخر دون ان تتغير الدوافع التي تؤدي الى ارتكاب الجنايات لدى هؤلاء الافراد . وبموجب هذه النظرية فان الطابع الجنائي لمجموعة الافراد المنحرفين يساهم في اتساع دائرة الانحراف عن طريق استقطاب افراد جدد . حيث يُشِّبهْ رواد هذه النظرية ظاهرة الانحراف بآلة المغناطيس التي تجذب اليها نشارة الحديد فحسب ، وتترك نشارة الخشب وذرات التراب . فعندما يدخل الفرد المؤهل للانحراف ضمن تلك الدائرة ، تقيّم نظرته الشخصية للقيم الاخلاقية من قبل المجموعة المنحرفة، ثم توضع تحت الاختبار، وبعدها يصبح سلوكه الاجتماعي مرهوناً بالقبول من قبل المنحرفين . وعندما يتم ذلك ، تنقلب الموازنات الاجتماعية في تصوراته الجديدة ، فيصير عنده الانحراف اعتدالاً والاعتدال انحرافاً . ولما كان الانسان يولد نقياً من بذرة الانحراف ، فان العوامل التي تساعده على تكوين شخصيته الانحرافية، لا بد وان تكون متسلسلة الحدوث خلال مسيرته الحياتية من الطفولة وحتى البلوغ، ومرتبطة بالبيئة التي يعيشها الفرد خلال ادوار نموه المختلفة . ومن تلك العوامل المتضافرة التي تحيط بالفرد، حسب زعم نظرية الانتقال: الاول: ارتباطه بالمنحرفين عن طريق الصداقة والمودة. الثاني: عامل العمر ، فاذا شب الفرد في محيط منحرف ، فان شخصيته اليافعة تكون اكثر تقبلاً للانحراف من شيخ طاعن في السن . الثالث: النسبة بين انفتاحه على الافراد الذين يعتبرهم المجتمع سائرين على خط الاعتدال وبين انفتاحه على الافراد الذين يعتبرهم المجتمع منحرفين عن الخط المتفق عليه . فاذا كانت نسبة الاتصال والانفتاح على المنحرفين اكبر كانت فرص انحراف ذلك الفرد اعظم . نقد نظرية الانتقال الانحرافي: وتنظر نظرية الانتقال الانحرافي الى بعض جوانب الانحراف واسبابه فتعطي تحليلاً مسهباً عن تفكير المنحرفين المناوئين لتوجهات المجتمع الكبير ، وتزعم بان التوجه الاجتماعي لهؤلاء يعدّ انحرافاً عن توجه التيار العام ، فمثلا تعتبر التمرد المسلح بكافة اشكاله انحرافاً عن الخط العام للنظام الاجتماعي . وتعتبر التهريب وادارته انحرافاً عن الخط الاجتماعي العام ، لان المهربين يخالفون القانون الذي اقره المجتمع الكبير ودعا الى احترامه ومراقبته وتطبيقه على الافراد دون استثناء . فتجمع المهربين الصغير منحرف عن المجرى الاجتماعي العام في نظر المجتمع، على عكس نظرة افراد المجموعة المهربة لبعضها البعض التي تعتقد ان عملها هذا ليس انحرافا عن الخط الاجتماعي العام . بل ان الانحراف الحقيقي ينبع من النظام الاجتماعي نفسه الذي يساهم في تجريمهم وابعادهم عن الساحة الاجتماعية بما فيها من خيرات وفرص، ولذلك فهم يفهمون التهريب على اساس وسيلة من وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية. ولهذا السبب نلحظ ان هؤلاء الافراد لا ينظرون الى عملهم نظرة انحرافية ولا يتصورون ان توجههم الفكري بعيد عن المنحى الاخلاقي السليم . والدليل على ذلك ان اغلب هؤلاء يرجعون الى سابق عهدهم في الاجرام عندما يطلق سراحهم من السجون بعد قضائهم مدد عقوباتهم فيها . ومع ان هذا التحليل يسلط بصدق ضوءً على بعض جوانب المشكلة الانحرافية في المجتمع ، الا ان هذه النظرية لا تخلو من هفوات. حيث تعجز عن تفسير ظاهرة متميزة تعكس تناقض فكرة الانتقال الانحرافي من الصميم . فالكثير من الصبيان الذين ينشأون في مجتمع انحرافي لا يتعلمون الانحراف من اهلهم واصدقائهم والبيئة التي يعيشون فيها ، ولا تتبلور في نفوسهم الشخصية الاجرامية المناوئة للمجرى الاجتماعي العام ، بل ان الذي يدفعهم للانحراف او ارتكاب الجناية حاجاتهم الاساسية التي لم يشبعها النظام الاجتماعي . فكيف تطبق نظرية الانتقال آراءها على هؤلاء الافراد؟ من طرف آخر نلحظ ان هناك افراداً يعيشون في بيئة شديدة الانحراف ويلتقون بافراد المجموعة المنحرفة بشكل مستمر، ولكنهم لا ينشأون في حياتهم الاجتماعية نشأة اخلاقية منحرفة عن المجرى الاجتماعي العام. وهناك لون ثالث من الافراد وهم افراد الطبقة الغنية ممن لا يرتبطون بأية فئة فقيرة ومنحرفة اجتماعياً، ثم ينشاؤن في حياتهم اللاحقة نشأة اجرامية، فكيف تفسر نظرية الانتقال ذلك السلوك الانحرافي؟ علماً بان الانحراف عموماً لا يحتاج الى معلم، فالسارق الجائع يعرف بالغريزة كيف يفعل فعلته ، والقاتل يعرف بالغريزة كيف يقتل ، والغاصب في مجتمع منحل يعرف كيف يتعامل مع ضحيته . وفي جميع تلك الجنايات يكون الدافع مساوياً للفعل نفسه. ولكن نظرية الانتقال تفشل في تحليل دوافع الانحراف وكشف اسباب نشوء الجناية، بل انها تحاول صب جهدها في تفسير وسائل التجريم كتقليد المنحرفين والاختلاط بهم. وهذا العجز في تفسير نشوء الجريمة يدل على قصور هذه النظرية وعدم تمييزها بين الانحراف الاقتصادي وبين الانحراف الاخلاقي والسياسي. نظرية القهر الاجتماعي ويؤمن مصمّمو هذه النظرية – المعارضة للفكرة الرأسمالية - بان الانحراف ظاهرة اجتماعية ناتجة عن القهر والتسلط الاجتماعي الذي يمارسه بعض الافراد تجاه البعض الاخر ، فالفقر مرتع خصب للجريمة ، والفقراء يولّدون ضغطاً ضد التركيبة الاجتماعية للنظام ، مما يؤدي الى انحراف الافراد[2] . بمعنى ان الفقر ، باعتباره انعكاساً صارخاً لانعدام العدالة الاجتماعية بين الطبقات ، يولد رفضاً للقيم والاخلاق الاجتماعية التي يؤمن بها الرعيل الاكبر من افراد النظام الاجتماعي. وعندما يختل توازن القيم الاجتماعية -كما يعتقد (اميلي ديركهايم) من رواد هذه النظرية الاوائل- سادت حالة من الفوضى والاضطراب المجتمع والافراد. ويضرب على ذلك مثالاً ويقول: ان التطور الصناعي الذي حدث في البلدان الرأسمالية في القرون الثلاثة الماضية ادى الى اختلال في توازن القيم الاخلاقية والاجتماعية ، وهذا ادى بدوره الى احساس الناس بانعدام منار الهداية وانهيار معالم الاخلاق . ونتيجة لذلك فقد ضعف وازع السيطرة على سلوك الانسان – صاحب الرأسمال - على نطاق الشهوة والرغبة الشخصية، فاصبح الفرد منحلاً متهتكاً لا يرى اية ضرورة لفرض التهذيب الاجتماعي القسري عليه او على الافراد المحيطين به. ويدعي زعماء هذه النظرية ايضاً بان الانحراف يعزى الى عدم التوازن بين الهدف الذي يبتغيه الفرد في حياته والوسيلة التي يستخدمها لتحقيق ذلك الهدف في النظام الاجتماعي . فاذا كان الفارق بين الهدف الطموح والوسيلة المشروعة كبيراً ، اصبح الاختلال الاخلاقي لسلوك الفرد امراً حتمياً. فحسب ادعاء النظام الرأسمالي ، يستطيع الفرد ، نظرياً ، ان يصبح اغنى انسان في المجتمع بجهده، او ان يمسي فاشلاً في تحصيل رزقه اليومي. وبين هذين الطريقين تكمن روعة الفكرة الرأسمالية. الا ان هذا الادعاء يكذبه الواقع الخارجي. فكيف يستطيع الافراد جميعاً ان يكونوا اغنياء في وقت واحد، والمال محدود بحدود النظام الاجتماعي والاقتصادي. أي ان المال اذا تراكم عند الطبقة الغنية فانه سيسبب حرماناً ونقصاناً عند الطبقة الفقيرة . فالفرد الذي لا يصل الى تحقيق اهدافه عن طريق الوسائل المقررة اجتماعياً ، يسلك مسلكاً منحرفاً يؤدي به الى هدفه كالسرقة ، والغصب. وهنا يلعب القهر الاجتماعي دورا في توليد ضغط لدى بعض الافراد كي ينحرفوا اجتماعياً . نقد نظرية القهر الاجتماعي: وبطبيعة الحال ، فان ركون النظام الى القهر الاجتماعي ناتج اساساً من عجزه في اشباع حاجات الناس اشباعاً يتناسب مع كرامتهم وحقهم في العيش الكريم الرغيد. ولا ريب ان المتسلطين على رأس المال، والمتسلقين على اكتاف الناس لا يريدون للفقراء نفض غبار الفقر عن اسمالهم البالية ، والنهوض الى طبقة اجتماعية ارفع وارقى . فلكي يبقى اصحاب الرأسمال في مواقعهم الاجتماعية والاقتصادية ، فانهم يسلطون على الفقراء من يظلمهم اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً . ولذلك فان الانحراف يشكل ظاهرة رفض خطيرة ضد النظام الاجتماعي القائم على اساس الظلم وانعدام العدالة الاجتماعية . ومع ان نظرية القهر الاجتماعي تقدم تحليلاً وجيهاً لمنشأ الانحراف الا انها تتجاهل الانحراف الناتج عن الاضطرابات العقلية والامراض النفسية . وتفشل هذه النظرية ايضا في الاجابة على تساؤلات كثيرة منها : لماذا يميل بعض افراد الطبقة الثرية الى ارتكاب الجناية، كالقتل والاعتداء والاغتصاب ، في حين انهم يملكون كل وسائل الثروة والمنـزلة الاجتماعية ؟ ولماذا يستخدم بعض الاغنياء طرق الرشوة والاحتيال لجمع اقصى ما يمكن جمعه من الاموال مع انتفاء ظاهرة القهر الاجتماعي عنهم ؟ ولماذا يقبل بعض الفقراء القهر الاجتماعي وينحرف اخرون عن القوانين التي اقرها النظام الاجتماعي ؟ بل من الذي يحدد طبيعة الانحراف ومن الذي يحدد شروط الاستقامة في النظام الاجتماعي ؟ ومع ان هذه النظرية لا تجيب على تلك التساؤلات الا انها اعمق تحليلاً من بقية النظريات الخاصة بمعالجة اسباب الانحراف الاجتماعي . نظرية الضبط الاجتماعي وتعتقد نظرية الضبط الاجتماعي ان الانحراف ظاهرة ناتجة عن فشل السيطرة الاجتماعية على الافراد[3] . فتبدأ بطرح رأيها عبر تساؤل غير معهود قائلة : كيف لا ينحرف الافراد ، وامام اعينهم كل هذه المغريات ؟ فللانحراف اذن، مكافأة اجتماعية يحصل عليها المنحرف مهما كان نوع انحرافه. والاصل – حسب هذه النظرية - ان السلوك المعتدل للافراد في النظام الاجتماعي انما ينشأ من سيطرة المجتمع، عن طريق القانون، على تعاملهم مع الآخرين . ولكن لو أُلغي القانون الهادف الى تنظيم حياة الناس ، لما حصل ذلك الاعتدال الاجتماعي في السلوك ، ولانحرف افراد المجتمع بسبب الرغبات والشهوات الشخصية . وتعتمد هذه النظرية على تجارب اميلي ديركهايم ايضاً ، الذي آمن بان الانحراف يتناسب عكسياً مع العلاقة الاجتماعية بين الافراد ، فالمجتمع المتماسك رَحمياً يتضائل فيه الانحراف ، على عكس المجتمع المنحل. ويثبت ذلك انتشار نسب الانتحار في المجتمعات التي لا تقيم لصلة الرحم وزناً أو التي لا تهتم بعلاقات القربى والعشيرة . وعلى هذا الاساس بنى رواد هذه النظرية رأيهم القائل بان افراد المجتمع المتماسك من ناحية العلاقات الرَحمية والانسانية اكثر طاعةً للقانون واكثر اتباعاً للقيم التي يؤمن بها من افراد المجتمع المتحلل في علاقات افراده الاجتماعية . ويرى روّاد هذه النظرية ، انه من اجل منع الانحراف الاجتماعي بين الافراد لابد من اجتماع اربعة عناصر مهمة هي : 1 ـ الرحم والقرابة : حيث ان شعور الناس بصلاتهم الاجتماعية المتينة يقلل من فرص انحرافهم. فالفرد يشعر بالمسؤولية الاخلاقية والالزام العاطفي في اغلب الاحيان ، تجاه عائلته واصدقائه وعشيرته. وهذه المسؤولية حكمها حكم القانون الاجتماعي في المجتمعات الانسانية ، فأي خرق لهذه القوانين الاجتماعية يؤدي الى عزل الفرد المنتهك لحرمتها ، عزلاً اجتماعياً. وذلك العزل يعدُّ عقوبة شخصية رادعة ، لان المقاطعة الاجتماعية عقوبة قاهرة ضد المنحرف . اما الافراد الذين لا تربطهم صلة رحم او قرابة بالآخرين ، فهم اقل اكتراثاً للمخاطر التي يترتب عليها ارتكاب الجرم او الجناية، لان السرقة مثلاً لا تعرّض التزاماتهم الاجتماعية للخطر، فانهم ابتداءاً لا يلزمون انفسهم بالالتزامات الشخصية المعهودة بين الافراد . 2 ـ الانشغال الاجتماعي : وهو انغماس الفرد في نشاطات اجتماعية سليمة تستهلك طاقته الفكرية والجسدية، كالخطابة، والكتابة، والرياضة، والعمل الخيري. وهذا الانشغال يقلل من فرص الانحراف. اما الافراد الذين لا يملكون عملاً او هوايةً تستوعب اوقاتهم ، فغالباً ما تنفتح لهم ابواب الانحراف . 3 ـ الالتزام والمتعلقات : وهو استثمار الافراد اموالهم عن طريق تملك العقارات واستثمار المنافع والمصالح التجارية . ولا شك ان مصلحة هؤلاء الافراد المالية والتجارية تقتضي منهم دعم القانون والنظام الاجتماعي. اما الذين لا يملكون داراً أو عقاراً أو لا يستثمرون في المجتمع اموالهم ولا اولادهم ، فانهم معرضون للانحراف اكثر من غيرهم . 4 ـ الاعتقاد : وهو ان الاديان عموماً تدعو معتنقيها الى الالتزام بالقيم والمبادئ الخلقية . فالمؤمنون بالاديان السماوية يحرّمون على انفسهم سرقة اموال الغير ، لان تلك الاديان تأمرهم بالتكسب الشرعي الحلال ، وبذلك تضمن لهم معيشة كريمة . ويقوم الدين ايضاً بتهذيب السلوك الشخصي للناس في كل مجالات الحياة الاجتماعية . وبالجملة ، فان الافراد الذين تربطهم الاواصر الاجتماعية المتينة، وينغمسون في اعمالهم ونشاطاتهم ويستثمرون في المجتمع اموالهم واولادهم ويطبقون بكل ايمان احكام دينهم، تتضائل عندهم فرص الانحراف الاجتماعي ، وتزداد من خلال سلوكهم فرص الاستقرار والثبات على الخط الاجتماعي السليم . نقد نظرية الضبط الاجتماعي: ولا شك ان هذه النظرية تعدّ من اقرب النظريات الوضعية للواقع الاجتماعي والرسالة الدينية، وافضلها على الاطلاق من حيث تحليل الرابط الاجتماعي ودوره في تقليل الجريمة . فالمشردون والجياع في المجتمعات الانسانية يفتقدون الارحام والاقارب افتقاداً مادياً ومعنوياً ، فقد ينحرف الابن اذا افتقد المعيل، وقد تنحرف البنت اذا كان ولي امرها منغمساً بشهواته ولذاته . وهؤلاء الجياع والمشردون يشكلون بذور الجريمة في المجتمع الانساني ، وما الازقة الفقيرة في المدن الكبيرة الاّ اراضٍ خصبة لانبات الانحراف ، لان المشردين فيها يفتقدون للعناصر الاربعة التي آمنت نظرية الضبط الاجتماعي بها، من أجل بناء المجتمع السليم الخالي من امراض الانحراف . ومع ايجابيات نظرية الضبط، الا انها لا تخلو من هفوات ايضاً. فهي تفتقد الى رؤية واضحة لدور الردع في منع الانحراف الاجتماعي. ولا تتعرض النظرية الى الانحراف بين افراد الطبقة السياسية الغنية الذين تتوفر فيهم جميع عناصر منع الانحراف الاجتماعي . فالرأسماليون الاغنياء ، يتمتعون بافضل الصلات العائلية، ويمارسون افضل الهوايات البدنية ، والفكرية ، ويستثمرون اموالهم المتراكمة في العقارات والمزارع والمصانع، ويعتقدون بديانتهم النصرانية او اليهودية ، ولكن – مع كل ذلك - نرى من يرتكب جرائم الغصب، والسرقة، والتآمر للايقاع بالمناوئين. وهؤلاء الافراد الاغنياء متكاملون مع النظام الاجتماعي ومدافعون عنه بكل حماس لانه يحميهم ويحمي ممتلكاتهم ، ولكنهم مع ذلك ينحرفون عن المجرى الاخلاقي العام ، فكيف تفسر نظرية الضبط الاجتماعي هذا السلوك ؟ وكيف تفسر هذه النظرية انحراف الافراد الذين يملكون استثمارات واسعة ، لا لشيء الا لزيادة الثروة والسيطرة على مقدرات النظام الاجتماعي ؟ الا يعدّ خرق القوانين الاقتصادية المقررة من قبل النظام الاجتماعي انحرافاً عن خط المجرى العام للمجتمع ؟ او ليس خرق القوانين والتعليمات السياسية المقررة من قبل النظام السياسي انحرافٌ عن الخط الاجتماعي العام ؟ نظرية الالصاق الاجتماعي وتبني هذه النظرية رأيها على فكرة مهمة لم تتطرق اليها النظريات الاجتماعية السابقة . فتشير الى ان الانحراف الاجتماعي ناتج من نجاح مجموعة من الافراد بالاشارة الى افراد آخرين بانهم منحرفون. فاذا الصق السياسيون الاوروبيون مثلاً فكرة «التخلف» بالافارقة ، وكرروها في وسائلهم الاعلامية ، اصبح الافارقة جميعاً متخلفين في المرآة الاجتماعية الاوروبية ، واذا الصق نفس الساسة فكرة «التحضر» على الشعب الالماني مثلاً، اصبح الالمان متحضرين في نفس المرآة الاجتماعية الاوروبية حتى لو كان الواقع عكس ذلك تماماً . وتستند فكرة الانحراف التي تؤمن بها هذه النظرية ، على فرضية الصراع الاجتماعي بين الافراد ومحاولة اتهام بعضهم البعض بالحيود عن المجرى العام للسلوك الاجتماعي . وتقّسم هذه النظرية الانحراف الى قسمين: الاول : الانحراف المستور ، وهو الانحراف الذي يرتكبه الافراد غالباً في فترة ما من فترات حياتهم ، ويبقى مستوراً دون ان يكتشفه احد. فقد يسرق الطفل مالاً من ابيه ، ولكنه يتحول بعد البلوغ الى فرد مستقيم في حياته الاجتماعية اللاحقة. وقد يتحايل فرد ثري مرة واحدة عن دفع الضريبة، ولكن سلوكه العام سلوك مقبول من الناحية الاجتماعية. وقد يحدّث الفرد نفسه بانحراف فكري ، ولكنه سرعان ما يعود الى رشده ويبقى سلوكه الاجتماعي مستقيماً . الثاني: الانحراف غير المستور. فعندما يُتّهم نفس هؤلاء الافراد بالانحراف علنياً ، يتبدل الوضع النفسي والاجتماعي للمتهمين تبدلاً جذرياً . فاذا الصقت تهمة السرقة بالشخص الاول مثلاً ، وتهمة التحايل بالثاني ، وتهمة الزندقة بالثالث ، شعر هؤلاء الافراد بالاهانة والذل ، لان الاثار المترتبة على انحرافهم تعني اولاً : انزال العقوبات التي اقرها النظام الاجتماعي بهم ، وثانياً : افتضاح امرهم امام الناس ، وثالثاً : انعكاس ذلك الافتضاح على معاملة بقية الافراد لهم؛ ولذلك فان الصفات القاسية التي يستخدمها النظام ضدهم كصفات السرقة والاحتيال والزندقة انما وضعها في الواقع ، النظام الاجتماعي والسياسي والصقها بهؤلاء الافراد . وهذا الالصاق هو الذي يعرّف المجتمع الكبير بانحراف الافراد عن النظام المتفق عليه بين الناس. وعلى نفس الاساس يتصرف المنحرف بقبوله التعريف الاجتماعي ورضوخه للعقوبة الصادرة بحقه . ولو كان المجتمع لا يعترف بهذا الالصاق لما اصبح المنحرف منحرفاً ، ولما قبل المنحرف بالعقوبة الصادرة بحقه ولاعتبرها اجحافاً . فالزنى في المجتمع المتدين مثلاً يعدُّ انحرافاً عن الخط العام للمجرى الاجتماعي ويستحق مرتكبه عقوبة جسدية ، اما في المجتمع العلماني الحديث فان الزنى يعدُّ قضية شخصية ، وليست انحرافاً عن الخط العام للمجرى الاجتماعي، بل قد يعدُّ انحرافاً عن الخط العام للمجرى الشخصي ، اذا ما افترضنا ان الزواج هو السلوك العام المقبول اجتماعياً. وطالما الصق المجتمع تهمة الانحراف بالافراد الشاذين عن الطريقة المتبعة ، فان دائرة الانحراف ستتسع مع مرور الزمن لان هؤلاء المنحرفين ينظرون الى انفسهم بالمرآة الاجتماعية التي تدينهم وتحدد من علاقاتهم الاجتماعية ، فيتقارب المنحرفون بسبب الضغط الاجتماعي المسلط على سلوكهم ، فيصبح لهم مجتمعهم الانحرافي الصغير داخل المجتمع الانساني الكبير . نقد نظرية الالصاق الاجتماعي: وليس هناك من شك ان نظرية الالصاق تتناول قضية مهمة وخطيرة ، وهي ان الفرد يصبح منحرفاً في سلوكه عندما يتهمه الاقوياء في النظام الاجتماعي بالانحراف . فاذا اراد رجال السياسة مثلاً ادانة فكرة الطلاق ، فما عليهم الاّ ان يلهبوا شعور الرأي العام بذلك ويتهموا من يقوم بعملية الطلاق بالانحراف عن التعاليم الاجتماعية. وهنا يحتدم الصراع بين النظريات الاخلاقية المتنافسة، فاذا نجح مسعى رجال السياسة بالصاق فكرة الانحراف بمناوئيهم ، اعتبر سلوك هؤلاء السياسيين الشكل الطبيعي للسلوك الاجتماعي ، اما سلوك المتهمين فسيوصم بالانحراف . وتعتمد طريقة تجريم الافراد ايضاً على اسلوب تفكير المجموعة المتهِمة التي تملك وسائل القوة والثروة والمنزلة الاجتماعية . فمد اليد استعطاءً في الطرقات من قبل المعدمين يعد انحرافاً ، في نظرها ؛ اما تبذير الثروة من قبل الاغنياء فانه لا يعد انحرافاً في النظام الاجتماعي ، لان الاقوياء هم الذين يلصقون التهم بالفقراء. وشرب الخمر في النظام الاجتماعي العلماني لا يعدّ جريمةً ولا انحرافاً مع انه يسبب ضرراً معتداً به عند العقلاء، ولكن استخدام المخدرات كالحشيش ونحوه يعتبر انحرافاً ومنافاةً للقانون لان الشركات التي تنتج مواد الخمر والتدخين ونحوها اقوى وامضى في المجتمع الصناعي من تلك التي تنتج المخدرات . ومع ان لهذه النظرية آراءً وجيهةً في تفسير ظاهرة الانحراف الاجتماعي الا انها لا تخلو من بعض الهفوات ايضاً . فالنظرية تبرر ظاهرة الانحراف المستور باعتباره عملاً انحرافياً لم ينتج عن طريق الالصاق الاجتماعي . الا ان السارق في البيع والشراء يعدّ سارقاً بغض النظر عن الصاق التهمة به او عدم الصاقها به . والمحتال في دفع الضريبة يعدّ محتالاً ان الصقت التهمة به ام لا ، والقاتل الذي لم تكشف جريمته يعتبر قاتلاً في كل الاحوال أالصقت التهمة به ام لم تلصق . ومن هفوات هذه النظرية ايضاً انها تعطي مبرراً لاستمرار الانحراف، فالمنحرف يجد عذراً في سلوكه، وذلك عن طريق ارجاع اسباب انحرافه الى النظام الاجتماعي. فهو لا يقيم لدافعه الذاتي نحو ارتكاب الجريمة وزناً . وهذا يتنافى مع الاصول العامة للتجريم الذي يأخذ الدافع الذاتي والنية المسبقة بنظر الاعتبار . **** والخلاصة ، ان النظريات الاجتماعية الوضعية الاربع المذكورة آنفاً تفشل في تفسير ظاهرة الانحراف والتجريم بالصورة الشاملة المستوعبة لكل مفردات الواقع الاجتماعي. فهذه النظريات منفصلة لاتستطيع تفسير جنايات خطيرة كالمقامرة، وانحراف الاحداث، وتجارة المخدرات، والجرائم الاخلاقية، وسلب حقوق الفقراء والمظلومين . وكل نظرية من هذه النظريات تنظر للجريمة من زاوية معينة وبشكل تجزيئي محدود ولا تنهض بمستوى النظرة الكلية للمشكلة الانحرافية بحيث تستوعب كل مفردات الاجرام الفردي والجماعي وتشكيلاته في المجتمع الانساني. أقول: لقد لاحظنا كمال النظرية الاسلامية في علاج الانحراف الاجتماعي، وضعف النظريات الوضعية في وضع السبل الكفيلة بمكافحة الشر والفساد في المجتمع الانساني. (تليها صفحات 181 - 200)
اللاحق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] الخارجون: دراسات في علم اجتماع الانحراف- هاورد بيكر. نيويورك: المطبعة الحرة، 1973. [2] سياسة الانحراف – ادوين شور. برنتس هول، 1980. [3] الاعراف، الانحراف، والسيطرة الاجتماعية. جاك جيبس. السفاير 1981. |