|
(ص 89 - 101) هـ - دية اسقاط الجنين: وفي حالات الجناية على امرأة حامل بحيث يؤدي الى اسقاط حملها ، دية مقسّمة بحسب عمر الجنين ، الذي يحدّده اهل الخبرة من الاطباء ، وهو كما يلي : 1 ـ اذا ولجته الروح ، فاذا كان الجنين ذكراً فدية الذكر ، واذا كان انثى فدية الانثى . 2 ـ اذا كان الجنين تام الخلقة ولكن لم تلجه الروح فديته مائة دينار ، ذكراً كان أو انثى . 3 ـ اذا كان عظماً فديته ثمانون دينار . 4 ـ اذا كان مضغة فديته ستون ديناراً . والمضغة هي القطعة من الخلايا بمقدار ما يمضغ . 5 ـ اذا كان علقة فديته اربعون ديناراً . والعلقة هي القطعة من الدم العالقة في جدار الرحم . 6 ـ اذا كان نطفة مستقرة في الرحم ، فديته عشرون ديناراً . ويكفي في ثبوت العشرين مجرد الالقاء في الرحم مع تحقق الاستقرار . والاصل في ذلك قوله تعالى في خلق الجنين : (وَلَقَد خَلَقنا الاِنسانَ مِن سُلالَة مِن طين ثُمَّ جَعَلناهُ نطفةً في قَرار مَكين ثُمَّ خَلَقناالنُّطفَةَ عَلَقةً ، فَخَلَقنا العَلَقَةَ مُضغَةً ، فَخَلَقنا المُضغَةَ عِظاماً ، فَكَسَونا العِظامَ لَحماً ، ثُمَّ اَنشَأناهُ خَلقاً آخَر فَتَبارَكَ اللهُ اَحسَنُ الخالِقينَ )[1] ، وما روي عن الامام الصادق (ع) : (دية الجنين خمسة اجزاء : خمس للنطفة عشرون ديناراً ، وللعلقة خمسان اربعون ديناراً ، وللمضغة ثلاثة أخماس ستون ديناراً، واذا تم الجنين كان له مائة دينار ، فاذا أنشئ فيه الروح فديته الف دينار ، او عشرة آلاف درهم ان كان ذكراً ، وان كان انثى فخمسمائة دينار)[2] . وعلى صعيد آخر ، فمن «عزل من زوجته الحرة بغير اذنها لزم لها دية النطفة عشرة دنانير وان كان ذلك فافزع غيره فالدية لهما عليه ، ومن جنى على امرأة فالقت نطفة فعليه من ماله ديتها عشرون ديناراً . . .»[3] . اما لو قُتِلت المرأة فمات ما في جوفها فديتها كاملة ، ودية اخرى لموت حملها . ولو القت حملها اجهاضاً فعليها دية ما القته ، ولا نصيب لها من هذه الدية ، لما روي عن الامام الباقر(ع) عندما سئل عن امرأة شربت دواءً وهي حامل ولم يعلم زوجها بذلك فالقت ولدها؟ قال : (ان كان له عظم وقد نبت عليه اللحم عليها دية تسلمها الى ابيه ، وان كان حين طرحته علقة ، او مضغة فان عليها اربعين ديناراً او غرة تؤديها الى ابيه، قيل له: فهي لا ترث ولدها من ديته مع ابيه؟ قال: لا، لانها قتلته فلا ترثه)[4] . وتجب الكفارة بقتل الجنين حيث تلجه الروح كالمولود . وتكون دية الجنين في مال الجاني ان كان القتل عمداً او شبيهاً بالعمد حيث لا يقتل به . اما في الخطأ فتكون الدية في مال العاقلة كالمولود . العاقلة: وهو اصطلاح تكرر ذكره مرات متعددة ، ومعناه عصبة القاتل التي تتحمل دية الخطأ ، وسميت بذلك لوجوه ، منها : انها مأخوذة من العقل وهو الشد ، ذلك ان اقارب الجاني يشدون الأبل عند اولياء المقتول، ويعقلونها قبل تسليمها لهم . ومنها : ان معنى العقل هو الدية ، وسميت بذلك لانها تعقل لسان ولي المقتول. ومنها : ان معنى العقل المنع ، حيث ان اقارب الجاني وعشيرته يمنعونه . فالعشيرة تحفظ القاتل بدفع المال عنه. وفي العاقلة امران ، الاول : تعيين المحل ، وهو العصبة ثم المعتق ثم ضامن الجريرة ثم الامام(ع). وضابط (العصبة) من تقرب الى القاتل بالابوة وهم الاخوة والاعمام واولادهم وان نزلوا . وضامن الجريرة هو ضامن الجناية ومعناه ان يتفق اثنان على ان يضمن كل منهما جناية الآخر ، ويصح ذلك بشرط ان لا يكون للمضمون وارث قريب . فالذي يتحمل دية الخطأ عن القاتل ، اذن ، قرابة الاب كالأخوة والاعمام واولادهم ، فان لم يكونوا فالمعتق في حالة الرق ، فان لم يكن فضامن الجريرة ، فان لم يكن فبيت المال ، لقوله (ع) : (لا يبطل دم امرئ مسلم)[5] . والثاني : كيفية التقسيط ، وفيها اقوال ، منها : ان على الغني عشرة قراريط ، اي نصف دينار ، وعلى الفقير خمسة قراريط . وفي قول آخر ان الامام او نائبه يقسّطها على من يراه حسب احوال العاقلة بحيث لا يجحف على احد منهم . وفي قول ثالث ان العاقلة على الغني والفقير سواء . ولكن المشهور ان «المرأة لا تعقل ولا الصبي و لا المجنون وان ورثوا من الدية بلا خلاف . ولا يتحمل الفقير شيئاً منها ولكن يعتبر فقره عند المطالبة وهو حول الحول»[6] . ويبدأ زمن التأجيل في دية القتل خطأ من وقت الموت ، وفي الجناية على الاطراف من حين وقوع الجناية ، وفى السراية من حين الاندمال . ولو لم تكن له عاقلة غير الامام ، او عجزت العاقلة عن دفع الدية تؤخذ من الامام دون القاتل . والدية في العمد وشبهه في مال الجاني كما هو واضح ، ولكن لو هرب ولم يقدر عليه اخذت من ماله المتروك ان كان له مال ، والاّ فمن الاقرب اليه فالأقرب ، فان لم تكن له قرابة ، ادّاها الامام (ع) ، او نائبه (اي الحكومة الاسلامية) في زمن بسط اليد . القسّامة: وهو تحليف المدعي وعشيرته او قومه خمسين يميناً ، عند توفر القرينة في قتل العمد . فاذا ما تم الحلف ثبت القتل . وقد فصلنا القول في ذلك في مكان آخر من هذا الكتاب . وفيما يلي بعض الروايات الواردة في القسامة : 1 ـ سئل الامام جعفر الصادق (ع) عن القسامة ، فقال : (الحقوق كلها ، البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، الا في الدم خاصة ، فان رسول الله (ص) بينما هو بخيبر اذ فقدت الانصار رجلاً منهم فوجوده قتيلاً فقالت الانصار : ان فلان اليهودي قتل صاحبنا ، فقال رسول الله (ص) للطالبين : اقيموا رجلين عدلين من غيركم اقيده برمته ، فان لم تجدوا شاهدين فاقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمته . فقالوا : يا رسول الله ما عندنا شاهدان من غيرنا وانا لنكره ان نقسم على ما لم نره فوداه رسول الله (ص) ، وقال : انما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي اذا رأى الفاجر الفاسق فرصة [من عدوه] حجزه مخافة القسامة ان يقتل به فكفّ عن قتله والاّ حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً ، والاّ اغرموا الدية اذا وجدوا قتيلاً بين اظهرهم اذا لم يقسم المدّعون)[7] . 2 ـ وعنه (ع) ايضاً ، قال : (ان الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في اموالكم ، حكم في اموالكم ان البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، وحكم في دمائكم ان البينة على المدعى عليه واليمين على من ادعى ، لئلا يبطل دم امرئ مسلم)[8] . 3 ـ وعنه (ع) ايضاً ، قال : (اذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً فان أبوا ان يحلفوا اغرموا الدية فيما بينهم في اموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين)[9] . 4- ومع ان رواية سلمة بن كهيل التالية ضعيفة السند، استضعفها بالخصوص الشهيد الثاني في شرح اللمعة الدمشقية، وذكر ان طريق رواتها جاء من طرق العامة، الا اننا ندرجها هنا لمجرد توضيح الاسلوب المفترض اتخاذه في التعامل مع العاقلة في قتل الخطأ. ونص الرواية كما يلي: (أتي أمير المؤمنين برجل قد قتل رجلاً خطأ، فقال (ع) له: من عشيرتك وقرابتك؟ فقال: ما لي بهذا البلد عشيرة ولا قرابة. فقال: فمن اي البلدان انت؟ قال: انا رجل من اهل الموصل ولدت بها ولي بها قرابة وأهل بيت. قال: فسأل عنه امير المؤمنين (ع) فلم يجد له بالكوفة قرابة ولا عشيرة. قال: فكتب الى عامله على الموصل: اما بعد فان فلان بن فلان وحليته كذا وكذا، قتل رجلاً من المسلمين خطأ فذكر انه رجل من أهل الموصل وان له بها قرابة وأهل بيت وقد بعثت به اليك مع رسولي فلان وحليته كذا وكذا فاذا ورد عليك ان شاء الله وقرأت كتابي فافحص عن امره وسل عن قرابته من المسلمين، فان كان من أهل الموصل ممن ولد به واصبت له قرابة من المسلمين فاجمعهم اليك. ثم انظر، فان كان رجل منهم يرثه له سهم في الكتاب لا يحجبه عن ميراثه احد من قرابته فالزمه الدية وخذه بها نجوماً في ثلاث سنين. فان لم يكن له من قرابته احد له سهم في الكتاب وكانوا قرابته سواء في النسب وكان له قرابة من قبل ابيه واُمه سواء في النسب ففضّ الدية على قرابته من قبل ابيه وعلى قرابته من قبل امه من الرجال المدركين المسلمين، ثم خذهم بها واستأدهم الدية في ثلاث سنين. وان لم يكن له قرابة من قبل ابيه ولا قرابة من قبل امّه ففضّ الدية على اهل الموصل ممن ولد ونشأ بها ولا تدخلن فيهم غيرهم من أهل البلد. ثم استأد ذلك منهم في ثلاث سنين في كل سنة نجماً حتى تستوفيه ان شاء الله. فان لم يكن لفلان بن فلان قرابة من أهل الموصل ولم يكن من اهلها وكان مبطلاً في دعواه فردّه الي مع رسولي فلان بن فلان انشاء الله فانا وليّه والمودي عنه، ولا يبطل دم امرئ مسلم)[10] . كفارة القتل: وهي كفارة اوجبها الشارع اضافة الى الدية في قتل المؤمن عمداً ، او قتل شبه الخطأ او قتل الخطأ المحض . وتقسم الى قسمين : 1 ـ في قتل المؤمن عمداً وظلماً ، تجب كفارة الجمع وهي عتق رقبة مع صيام شهرين متتابعين واطعام ستين مسكينا . و «الاجماع على ذلك مضافاً الى النصوص التي منها صحيح بن سنان عن ابي عبدالله (ع) : سئل عن المؤمن يقتل عمداً ، أله توبة؟ قال : ان كان قتله لايمانه فلا توبة له ، وان كان قتله لغضب او سبب من اسباب الدنيا فان توبته ان يقاد منه ، وان لم يكن علم به احد انطلق الى اولياء المقتول ، فأقر بقتل صاحبهم فان عفوا عنه ، ولم يقتلوه اعطاهم الدية ، واعتق نسمة ، وصام شهرين متتابعين ، واطعم ستين مسكيناً توبة الى الله عز وجل»[11] . 2 ـ في قتل الخطأ المحض ، وشبه العمد ، تجب الكفارة المرتبة ، وهي عتق رقبة ، فان عجز فصيام شهرين متتابعين ، فان عجز فاطعام ستين مسكينا . ويتخير في الاطعام الواجب بين اشباع المساكين والتسليم اليهم، والمدار في الاشباع ان يأكلوا بمقدار شبعهم قل او كثر . ولا بد من اكتمال عدد المساكين الذين ينبغي اطعامهم ، وهو ستين مسكيناً . فلا يجزي اشباع فرد مرّتين ، بل لابد من اطعام ستين فرداً . ويجزي في الاشباع كل ما يتعارف عليه من غذاء يأكله الناس مطبوخاً كان او غير مطبوخ . اما في التسليم فالواجب مُد ، والافضل مُدّين ، ومقدار المُد ثلاثة ارباع الكيلو غرام الواحد . والاصل في التسليم الى المسكين انه تمليك له ، فيملك ما قبضه ويفعل به ما شاء . ويتساوى الصغير والكبير بكمية التسليم . والمراد بالمسكين هنا ، الفقير الذي يستحق الزكاة ، وهو من لا يملك قوت سنته ، لا فعلاً ولا قوة . فالموظف ذو الدخل المحدود مثلاً يملك قوت سنته بالقوة ، والغني يملك قوت سنته بالفعل ، وليس المسكين منهما . ولا شك ان الكفارات المالية بحكم الديون فلو مات من وجبت عليه الكفارة اخرجت من اصل المال . واما الكفارات البدنية كالصيام فلا يجب على الورثة اداؤها الاّ اذا اوصى بها الميت ، فتخرج حينئذ من ثلثه . الدفاع عن النفس: وبطبيعة الحال ، فان الشريعة الاسلامية لم تسمح للفرد بالاستسلام للظلم الذي ينزله عليه فرد آخر ، بل أكدت على وجوب الدفاع عن النفس بكل الوسائل الممكنة ، كجرح المهاجم او قتله ، من غير حاجة الى اذن الامام(ع) او نائبه ، اي دون الحاجة الى الحصول على اذن خاص من الدولة . فلو هجم فرد على آخر ناوياً قتله وجب دفعه بكل الوسائل مع الامن من الفساد وليس على القاتل حينئذ شيء على صعيد العقوبات المنصوصة . ولكن لا يجوز للمدافع ان يتعدى الى القتل مع امكان الدفع بالجرح ، ولو تعدى الى القتل بلا لزوم ، ضمن الدية . اما في حالة هجوم لص او غيره على دار فرد او نحوها ليسرقه او ليتجاوز على عرض زوجته او بناته ، وجب دفعه ايضاً باي نحو كان ولو انجر الى قتل المهاجم ، ولا يجوز للمعتدى عليه الاستسلام للمهاجم ، كما اجمع الفقهاء . بل عليه التصدي له مع مراعاة الايسر فالايسر ، ومع التعدي يضمن المدافع الضرر . والنصوص الشرعية العامة واضحة في ذلك كالمروي عن رسول الله (ص) : (من قتل دون ماله فهو شهيد)[12] ، والمروي عن الامام الصادق (ع) : (اذا دخل عليك رجل يريد اهلك ومالك فبادره بالضربة ان استطعت ، فان اللص محارب للّه ولرسوله «ص»)[13] . وبالاجمال فـ «اذا قصد رجل دم رجل او ماله او حريمه فله ان يدفعه بأيسر ما يمكن دفعه به ، فان كان في موضع يلحقه الغوث اذا صاح دفعه عن نفسه بالصياح ، وان كان في موضع لا يلحقه الغوث دفعه باليد ، فان لم يندفع باليد دفعه بالعصا ، فان لم يندفع بالعصا دفعه بالسلاح»[14] . ولو ادبر المهاجم واعرض فلا يجوز الاضرار به . ويُحدّ المحارب ، وهو كل من جهز سلاحاً لأرعاب الناس وارادة الافساد في الارض ، بالقتل أو الصلب او القطع مخالفاً ، وسنذكر ذلك لاحقاً عند حديثنا عن الجرائم المرتكبة ضد النظام الاجتماعي العام . الاستنتاج: ونستخلص من دراسة احكام العقوبات الاسلامية الخاصة بالجرائم المرتكبة ضد النفس الانسانية وما دونها ، جملة من العوامل المهمة التي تدعم عدالة النظام الاجتماعي وتؤدي بالنتيجة الى قطع دابر الانحراف ، ونوردها كما يلي: اولاً: عامل المماثلة في القصاص ، وتكون على مستويين ، الاول : مماثلة شخصية الفاعل بالمفعول به فى الحرية والدين والعقل والبلوغ . والثاني : مماثلة الجناية كالقتل والقطع والجرح بالجاني ، أي التقاصي مثلاً بمثل عندما تكون المماثلة ممكنة . وتثبت الدية في كل مورد تتعذر فيه المماثلة والمساواة . وكذلك في الضرب الذي لا يسبب جرحاً ، والرفس واللطم والوكز فلا يتعين القصاص ، بل يتعين الارش . فالاصل اذن ، وجوب المماثلة في القتل والقطع بشروطها المذكورة ما لم يتم التراضي بين الطرفين على الدية . وقواعد نظام العقوبات الاسلامي اقرب الى العدالة الاجتماعية من قواعد نظام العقوبات الوضعي. ففي حين يعلن الاسلام بكل قوة ، وجوب المماثلة في القصاص ، يقوم النظام الغربي في تشريعه لعقوبة الانحراف ، بفرض القيود على حرية المجرم عن طريق السجن او العلاج او خدمة مؤسسات الادارة المحلية ، او بتعويض الضحية مالياً . وهذه الاساليب لا تبعد المنحرف عن انحرافه ولا تقدم للضحية مثالاً واقعياً لمعاقبة الجاني ، بل تربك النظام الاجتماعي وتستهلك موارده المالية ، لان السجن والطب النفسي اثبتا فشلهما في علاج المنحرف علاجاً حقيقياً ، كما لاحظنا ذلك سابقاً. ثانياً : عامل التعويض المالي المتمثل بالدية او الضمان . وهو مختص اصلاً بجرائم قتل الخطأ وشبه العمد ، فانهما يوجبان الدية دون القصاص ، وبالتراضي بين الطرفين فيما عدا ذلك . وفي الضرب الذي لا يجرح ولكنه يولّد احمراراً ونحوه ، الارش او الحكومة ، وفي الضرب الذي يسبب الالم فقط التعزير . وتتعين دية المقتول عمداً في حالات استثنائية فقط منها ، فوات المحل كموت القاتل ونحوه . والدية المقدرة شرعاً في قتل المسلم الذكر عمداً الف دينار ، وهو ما يعادل اكثر من 5 ,3 كليو غرام ذهباً او ما قدر شرعاً من الشياه والابل والابقار والحلل والفضة . وهذه الكمية من المال كافية لاغناء العائلة المفجوعة بفقد معيلها ، حتى لا تمُد يدها لاستعطاء الناس . فيضمن القاتل الدية اذا قصد القتل او الفعل الذي يؤدي اليه . اما في اجتماع السبب والمباشر فانه ينظر ، فاذا كان المباشر اقوى ضَمن المباشر ، واذا كان السبب اقوى ضَمِنَ المسبب ، واذا اجتمع السببان لامر واحد ، اتجه الضمان على الاثنين . ولم يتوقف دفع الدية على القتل فحسب ، بل تعدى الى تلف الاعضاء كالعين والانف والشفة واللسان والاسنان ونحوها ، وتلف المنافع كالعقل والسمع و البصر والشم والنطق ونحوه ، والجراح المختصة بالرأس والوجه كالحارصة والدامية والباضعة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمأمومة ونحوها . وفي غير ذلك يتعين الارش الذي تقدره الحكومة . وبطبيعة الحال فان تقدير قيمة الضمان ، في النظام الاسلامي ، تخدم المجتمع عن طريق عاملين: الاول: تعويض الضحية او اسرتها تعويضاً مالياً يسد حاجاتها الاساسية التي حرمت من اشباعها بفقدان المعيل. والثاني: ردع الانحراف الاجتماعي ، بابلاغ المنحرفين علنا بان انحرافهم لا يمر دون ثمن باهض يدفعونه لصالح الضحية وبالتالي لصالح النظام الاجتماعي . وهذا الضمان ليس واضحاً في نظام العقوبات الوضعي، حيث يترك القانون الوضعي للقاضي او لهيئة المحلفين تعيين قيمة ذلك الضمان عند اقراره . واذا كان المنحرف لا يملك مالاً ضاع حق الضحية في التعويض المالي ، على عكس النظام الاسلامي الذي يتعهد فيه بيت المال بدفع الدية اذا عجز القاتل او عاقلته عن دفعها . ثالثا : عامل الدقة في تشخيص العقوبات الخاصة بمختلف الانحرافات . ففي الوقت الذي حدّدت فيه الشريعة القتل العمد وارجعته الى قصد القتل او الفعل القاتل ، والقتل شبيه العمد وارجعته الى العمد في فعله والخطأ في قصده ، والقتل الخطأ وارجعته الى ارادة الفرد شيئاً فاصاب غيره ، فانها وضعت طرقاً دقيقة للاثبات ، منها الاقرار مرة واحدة ، والبينة الشرعية وهي شهادة العدلين ، واللوث او القسامة وهو تحليف المدّعي وعشيرته في حالة قيام القرينة مع عدم استجماع شرائط القبول خمسين حلفاً . وبذلك وضع النظام الاسلامي المجتمع وجهاً لوجه امام الانحراف ، بالمشاركة الجماعية في استئصاله . واضاف انه لا قصاص على المجنون ولا على الصبي ، ولكن دية انحرافهما تؤخذ من العاقلة ، لأن عمد الصبي والمجنون وخطأهما واحد . في نفس الوقت الزم المكلف البالغ بمسؤوليته في دفع الانحراف الاجتماعي ، بحيث ان الفرد لو اعتدى على آخر بجرح او قطع او ذهاب منفعة مهما كانت يسيرة ألزمه بتحمل مسؤوليتها كاملة . رابعاً : العامل الاجتماعي في دفع الدية . وهو ما اصطلح عليه شرعاً بالعاقلة وهي عصبة القاتل و عشيرته التي تتحمل دية الخطأ كاملاً . فاذا لم تكن له عاقلة ، تعيّن على المعتق دفع الدية . فاذا لم يكن ، فضامن الجريرة، وفي انعدامه يكون الامام (ع) او بيت المال مسؤولاً عن دفعها للمجنى عليه . وتعتبر الدية في القتل العمد وشبه العمد في مال الجاني ، ولكنه اذا هرب اخذت من ماله ان كان له مال ، والاّ فمن قرابته الاقرب فالاقرب ، فان لم تكن له قرابة ، دفعها الامام(ع) مباشرة . اما العامد المتمكن مالياً ، فانه يمهل في دفع الدية مدة سنة واحدة ، بينما تمهل العاقلة ثلاث سنين . ولا شك ان اشراك العاقلة فى دفع الدية واشراك القسامة في التحليف حالة اللوث ، تعتبران من اهم العوامل الرادعة للانحراف الاجتماعي . لان الفرد ، لكونه كائنا اجتماعياً ، يرتبط بعشيرته ومحلته وقريته بروابط الزواج والاخوة والاسرية والمصلحة الاجتماعية . وهذه الروابط تقلل من فرص زيغه عن النظام الاجتماعي العام ، وتجعل الجريمة التي يرتكبها فضيحة اجتماعية تجلب عليه وعلى اسرته وعشيرته وصمة لا تمحو آثارها السنون . اما اذا كانت الجناية خطأ ، فان مشاركة العصبة او العشيرة في تسديد ثمنها المالي، يعتبر بمثابة المشاركة الجماعية في مساعدة العائلة المفجوعة ، وتقويتها امام المحن والمصاعب الاقتصادية القادمة. ويمكننا تلخيص اهمية العاقلة في المشاركة في دفع دية الخطأ بالنقاط التالية : 1 ـ ان مساهمة العاقلة في دفع دية الخطأ يخفف من تحمل الفرد كاهل دفع تلك الدية لوحده ، وهو مبلغ هائل ، كما تبين لنا ذلك في الصفحات الماضية . 2 ـ ان مساهمة العاقلة في دفع الدية يساهم في تقوية العلاقات والاواصر الاجتماعية بين ابناء العشيرة الواحدة ويجعلها تقف متحدة في المحن والمصائب التي يتعرض لها افرادها . 3 ـ ان جمع مبلغ الدية عن طريق العاقلة يخفف من العبء الذي تتحمله عائلة المجنى عليه ، خصوصاً اذا عجز الجاني عن تسديد ذلك المبلغ ، فتصبح العائلة المفجوعة ضحية لجريمة اقتصادية ومعاشية خارجة عن ارادتها . فتكون العاقلة عندئذ وسيلة ضمان لاستلام الدية . خامساً : ان القيمومة الشرعية على الاسرة هو المقياس في مقدار الدية ، وليس تفضيل جنس على جنس كما يدّعيه اعداء النظرية الدينية . فدية قتل الذكر المسلم عمداً الف دينار ذهب او نحوه ، ودية المرأة الحرة المسلمة على النصف من اصناف الديات الست، سواء كانت الجناية عليها عمداً او خطأً او شبه عمد ، صغيرة كانت أو كبيرة ، عاقلة كانت او مجنونة. وكذلك الجراح والقطع والشجاج فانه يتساوى مع الرجل قصاصاً ودية الى حد الثلث ، فان زاد عن الثلث رجعت ديتها على النصف من الرجل . وقد ذكرنا سابقاً ان مقادير هذه الديات لم توضع لتقدير قيمة المرأة ، فيكون مقدارها نصف قيمة الرجل . بل ان الاسلام اراد منها معالجة وضع ما بعد الجريمة . فالرجل المقتول الذي يفترض فيه ان يكون معيلاً لعائلة ما ، تذهب ديته الى عائلته التي افتقدت المعيل ، فيكون الدخل المقدر بالف دينار ذهب او نحوه ضمان لنفقات العائلة المعيشية . اما المرأة المقتولة ، فان ديتها المقدرة بنصف دية الرجل تدخل وارد الرجل الذي يفترض فيه ان يكون قيّماً على عائلته ، زوجة كانت المجنى عليها او اختا او بنتا . ودليل آخر على مساواة الاسلام للمرأة والرجل في نظام العقوبات ، هو ان حد القذف وحد المسكر وهو ثمانون جلدة يتساوى فيه القاذف والشارب ، ذكراً كان أو انثى . سادساً : ان عقوبة الاجهاض في النظام الاسلامي ، تعتبر من ادق العقوبات التي جاءت بها الشريعة السماوية ، فقسّمت ديتها بحسب عمر الجنين، ففي النطفة المستقرة في الرحم عشرون ديناراً ، وفي العلقة اربعون ، وفي المضغة ستون ، وفي العظم ثمانون، وفي الجنين التام الذي لم تلجه الروح مائة دينار ، وفي الجنين الذي ولجته الروح دية كاملة . وفي حين حل الاسلام مشكلة الاجهاض من الصميم قبل نشوء الثورة الصناعية بقرون ، الا ان قضاة النظام الوضعي يحاولون لحد اليوم الاجابة على السؤال الذي يناقش أحقية المرأة في الاجهاض . فمنذ تشريع المحكمة العليا الامريكية سنة 1973 م القاضي بشرعية الاجهاض في قضية (جين رو ضد هنري ويد) ، والقانون يتبدل بين شد وجذب ، ويمين ويسار ، وجواز وحرمة . وكلما يتبدل عضو من اعضاء المحكمة العليا يتبدل القانون الخاص بالاجهاض . وهذا الاضطراب دليل قوي على فشل النظام الوضعي في معالجة مشاكل قضائية خطيرة عالجها الاسلام بكل دقة قبل اربعة عشر قرناً من الزمان . سابعاً : شرعية الدفاع عن النفس . وهو حق مشروع اقرّه الاسلام وحثّ عليه . بل اوجبه دفاعاً عن نفس ومال وعرض الفرد بكل الوسائل الممكنة كجرح المهاجم او قتله ، ولا يتحمل المدافع أية مسؤولية شرعية تجاه المهاجم . ولكن لا يجوز للمدافع التعدي الى القتل مع امكان الدفع بالجرح مثلاً ، واذا تعدى الى القتل بلا لزوم ، ضمن الدية . ثامناً : ان الجرائم التي اطلقت عليها النظرية الغربية اسم (جرائم بدون ضحايا) كالزنا واللواط وشرب المسكر لانها لاتنتج ضحايا بزعمها ، قد وضعتها الشريعة الاسلامية تحت عنوان حق الله سبحانه وتعالى . والتعدي عليها يعتبر مخالفة لامر الله ، ولذلك ثبت فيها العقاب . وجوزت الشريعة للحاكم الشرعي اقامة الحد فيما يتعلق بحقوق الله بمجرد علمه ، ولكنها منعته من القيام بذلك فيما يتعلق بحقوق الناس كالسرقة والقذف . تاسعاً : ومع ان الاصل في تشريع العقوبات معالجة الانحراف ، الاّ ان الاسلام لم يترك جانب مساعدة المحرومين وتثبيت اسس العدالة الاجتماعية ، فشرّع كفارة القتل ، حيث اوجبها اضافة الى الدية في قتل المؤمن عمداً ، او شبه العمد ، او الخطأ المحض . ففي قتل المؤمن عمداً وظلماً اوجب كفارة الجمع ، وفي قتل شبه العمد والخطأ المحض الكفارة المرتبة . ولا شك ان هذا اللون من الكفارات يصب في مصلحة الفقراء ايضاً ، خصوصاً الاطعام ، تسليما كان او دعوة لهم لتناول وجبة غذائية كاملة . لان كل انحراف او معصية تعالجها الكفارة الكبيرة الخاصة بالاطعام ، تشبع ستين مسكيناً ، حيث يتوجب اكتمال عدد الذين ينبغي اطعامهم ، فلا يجزي اشباع الفرد مرتين . وهذه النظرة الانسانية في النظام الاسلامي ترفع الطبقة الفقيرة ، بجانب الموارد الحقوقية الاخرى ، الى مستوى الطبقة العامة من الناس . وفي هذا التشريع التفاتة عظيمة للموازنة بين الخسارة الاجتماعية التي يسببها الانحراف ، وبين الكفارة التي تعتبر ربحاً مادياً ومعنوياً للفقراء . (نهاية ص 101)
السابق صفحة التحميل الصفحة الرئيسية
[1] سورة المؤمنون: الآية 12- 14. [2] الكافي ج 7 ص 343. [3] الغنية ص 99. [4] الكافي ج 7 ص 241. [5] تهذيب الاحكام ج 6 ص 266. [6] جواهر الكلام ج 42 ص 421. [7] علل الشرائع ج 2 ص 228. [8] من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 72. [9] تهذيب الاحكام ج 10 ص 206. [10] الكافي ج 7 ص 364. [11] جواهر الكلام ج 42 ص 408. [12] من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 64. [13] تهذيب الاحكام ج 10 ص 136. [14] المبسوط – الشيخ الطوسي ج 8 ص 75.
|