(ص 23 - 45)

دوافع تخفيف العقوبات:

          وتلك الحقائق الثلاث المذكورة آنفاً لها مغزى خاص في فهم التكامل الاخلاقي لفكرة العقوبات في النظرية الاسلامية. ونضيف بان الفلاسفة يطرحون سؤالاً ذا اهمية خاصة، وهو : هل يجوز لنا ان نخفف الحكم الصادر بمعاقبة الجاني ؟ خصوصاً اذا ما افترضنا بان لذلك الجاني شخصية محترمة اجتماعياً ، وان ما دفعه لارتكاب الجناية او المخالفة هو اما التحريض او الاغراء الشديد. فتجيب النظرية (النفعية) بالايجاب زاعمةً بان تخفيف الحكم الجنائي الصادر ضد الجاني مهم جداً على المستوى الاجتماعي ، لان المجتمع لاينتفع من معاقبة ذلك الفرد الذي ارتكب الجناية في وضع نفسي استثنائي . ولذلك ، فاننا نستطيع ان نغفر له جريمته او مخالفته الجنائية ! الا ان هذه النظرية تقع في تناقض واضح وهو ان هذه العقوبة لو كانت ردعية ، فان التخفيف لايردع بقية الجناة عن العزوف عن الجريمة . ولو كانت هذه العقوبة جزائية فان تخفيفها لا يحقق عدالة جنائية بين الجاني والمجني عليه . ولو كان الاغراء الشديد او التحريض سبباً من اسباب تخفيف العقوبات ، لانتشرت الجنايات والمخالفات الجنائية بشكل مضاعف . وقد نستدرك هنا ونقول بان التحريض الذي قد يؤدي الى تخفيف العقوبة المزعومة يحتاج الى تعريف وتحديد دقيق . فاذا كان يعني الاعتداء الجسدي فيجب ان يقابل بالمثل ، وان كان يعني الاعتداء اللفظي او السلوكي فانه يدخل في عناوين شرعية اخرى كالقذف او المحاربة ونحوها . فليس هنا من حجة لتبرير تخفيف العقوبات الصادرة ضد الجناة.

 الجناية وحالات التحريض:

          ولاشك ان التحريض ، في النظرية الاسلامية ، يدخل تحت تلك العناوين التي تستلزم دفاعاً عن النفس. فاذا كان اعتداءً جسدياً فان للمعتدى عليه حق الدفاع عن النفس الى ان يرفع الاذى عن نفسه . فاذا قُتل المهاجم (الجاني) من قبل المجني عليه ، فلاشيء على المجني عليه ، ولكن لايجوز للاخير ان يقتل الاول اذا ولى هارباً . ونستلهم من الآيات القرآنية الشريفة : (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)[1] ، (... ولاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين)[2]، (والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون)[3] قاعدة كلية حول التعامل مع فكرة التحريض . فالتحريض له دور مهم في تشخيص الحالة الجنائية بدقة عظيمة وقد يغير شكل الحكم الجنائي ، الا انه يجب ان لايبرر التعدي من اي طرف من الاطراف على الطرف الآخر . لان رد الاعتداء يلزم ان يكون متساوياً مع حجم الاعتداء الاولي ذاته . فاللطم اعتداءً على وجه فرد آخر لايستدعي ـ مع كونه تحريضاً ـ على مهاجمة اللاطم وقتله ، بل ينبغي الاقتصاص مثلاً بمثل . ولكن لو اتفق ان الملطوم قتل اللاطم ، فان المجني عليه في الحالة الاولى سيكون جانياً في الحالة الثانية . ويترتب على ضوء ذلك ، الحكم الشرعي الخاص بالقضيتين معاً . ومن المسلّم به ان الجناية الثانية ليس لها تبرير اخلاقي حتى على المستوى العرفي العقلائي . اما الاغراء الشديد فهو وان يلعب دوراً في انشاء الجناية او المخالفة الشرعية ، الا ان الاصل في القضاء ارادة الجاني او المخالف وقصده وتصميمه في اداء المخالفة الجنائية او الشرعية .

 صورة (العقوبة) في الرسالة الدينية:

          ولاشك ان المنـزلة الاجتماعية ـ في النظرية الاسلامية ـ لاتلعب دوراً في انشاء الحكم او تحديد شكل العقوبة. فقد وقف أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ـ مُدعياً عليه ـ امام شريح القاضي. واصدر ذلك القاضي حكماً عليه. ولم يستنكر (ع) ذلك ـ وهو خليفة المسلمين في دولة شرعية ـ باعتبار انكسار منـزلته الاجتماعية ! بل كان (ع) يرى ان تلك المناسبة كانت مثالاً طيباً عكست عدالة الاسلام التشريعية والقضائية .

          ويمكننا اعتبار العقوبة الجسدية للجاني بمثابة الدواء للمريض؛ بل يمكننا اعتبار العقوبة اصل سلامة النظام الاجتماعي من الانحرافات والمخالفات الخطيرة . وحتى ان النظريات الاوروبية الجديدة كانت قد زعمت بان الاجرام نوع من الامراض العقلية التي تحتاج الى علاج طبي دون عقوبة جسدية[4]. ولكننا نردّها بالقول بان العقوبة تلقيح وقائي ضد جميع الانحرافات او كل ما يصطلح عليه بالامراض الاجتماعية. فالمرض بذاته يحتاج الى تلقيح حتى يتم تأمين سلامة بقية الافراد من تأثيراته المرضية . فمن اجل منع انتشار مرض الجدري مثلاً ، لابد للافراد من استلام الحقن المضادة التي تنشط الجانب المناعي في الانسان . والانحراف ، اذا كان مرضاً ، حسب زعم النظريات الاوروبية الحديثة ، فان العقوبة والردع – لا العلاج الطبي - تعملان عمل التلقيح الوقائي تجاه تلك الامراض . فهل يحق لنا ان نقول بعد الان ، بان الجاني يجب ان يعالج معالجة طبية سريرية بدل انزال العقاب المنصوص به ؟

          ومن الطبيعي ، فان تعامل الاسلام مع الجناة من خلال فكرة تصميم وتنفيذ العقوبة جعل عملية ارتكاب الجناية او المخالفة امراً صعباً ينبغي دفع ثمنه باي شكل من الاشكال . فالمخالفة الجنائية او الحقوقية لايمكن ان تمر دون عقاب دنيوي محسوس او عقاب اخروي محدوس ضد الجاني . ومن اجل تشكيل صورة متكاملة عن فكرة (العقوبة) على مذهب اهل البيت (ع)، فانه يمكننا تصنيف الآيات والروايات الواردة حولها ، والخاصة بضرورة انزال المعاناة بالجاني بعدالة واقعية. علماً بان فكرة العقوبة في الرسالة الدينية انما تُكفّر ذنب الجاني. وهي ست مجموعات:

المجموعة الاولى : جواز فكرة العقاب بالاصل .

          1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (ان ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم)[5] .

          2 ـ (ان ربك لسريع العقاب وانه لغفور رحيم)[6].

          3 ـ (اعلموا ان الله شديدُ العقابِ وأنّ اللهَ غفورٌ رحيم)[7].

          4 ـ وعن الامام امير المؤمنين (ع): (إنّ الله سبحانه وضع الثواب على طاعته، والعقاب على معصيته، ذيادةً [8] لعباده عن نقمته ، وحياشةً [9] لهم الى جنته)[10] .

المجموعة الثانية : انزال المعاناة بالجاني تماماً كما ان الجاني انزل المعاناة بالمجني عليه .

          1 ـ فقد ورد في النص المجيد: (ولكم في القصاص حياةٌ يااولي الالباب لعلكم تتقون)[11].

          2 ـ (ياايها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم القصاص في القتلى ...)[12] .

          3 ـ (الشهرُ الحرامُ بالشهرِ الحرامِ والحرماتُ قصاص)[13] .

          4 ـ (وكتبنا عليهم فيها ان النفسَ بالنفسِ والعين بالعين والانف بالانف والاذُنَ بالاذن والجروحَ قصاصٌ ...)[14].

          5 ـ (ومن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً)[15].

          6 ـ وعن أمير المؤمنين (ع): (فرض اللهُ الايمانَ تطهيراً من الشرك ... والقصاص حقناً للدماء)[16] .

          7 ـ ولايجوز تعدي حدود الله، ففي رواية محمد بن يحيى عن الامام الباقر (ع): ان امير المؤمنين (ع) أمر قنبر ان يضرب رجلاً حّداً فغلط قنبر فزاده ثلاثة اسواط، فاقاده علي (ع) من قنبر بثلاثة اسواط)[17] . والسند غير تام بالحسن بن صالح الهمداني الثوري الذي لم يوثقه علماء الرجال.

          8 ـ وان العقوبة لاتطال احداً غير الجاني، كما ورد في قوله تعالى: (ولاتزرُ وازرةٌ وزرَ اخرى وإن تدعُ مثقلةٌ الى حملها لايحملُ منه شيءٌ ولو كان ذا قربى ...)[18] .

          9 ـ وفي خبر سماعة بن مهران، عن ابي عبد الله (ع) قال: (إن لكل شيء حداً ومن تعدى ذلك الحد كان له حد)[19] . والسند غير تام بـ (عثمان بن عيسى) الذي ضعّفه علماء الرجال.

المجموعة الثالثة: جواز العفو مع قيام اصل القصاص على ساق ، والتشجيع على درء الحدود .

          1 ـ فقد ورد في النص المجيد: (...فمن عفي له من اخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء اليه باحسان...)[20] .

          2 ـ (...فمن تصدق به فهو كفارةٌ له...)[21] .

          3 ـ صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال: سألته عن قول الله عز وجل: (...فمن تصدق به فهو كفارةٌ له...)، فقال (ع): (يكفّر به عنه من ذنوبه بقدر ما عفا). وسألته عن قول الله عز وجل: (...فمن عفي له من اخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء اليه باحسان...)، قال (ع): ينبغي للذي له الحق ان لا يعسر أخاه اذا كان قد صالحه على دية، وينبغي للذي عليه الخق ان لا يمطل أخاه اذا قدر على ما يعطيه، ويؤدي اليه باحسان)[22] .

          4 ـ ومرسلة محمد بن علي بن الحسين عن رسول الله (ص) ايضاً: (ادرؤا الحدودَ بالشبهات)[23] .

المجموعة الرابعة : وجوب اقامة الحد عند تحقق الشروط .

          1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (تلك حدود اللهِ يبينها لقوم يعلمون)[24] .

          2 ـ (...ما فرطنا في الكتاب من شيء...)[25] .

          3 ـ وفي مرسلة احمد بن محمد بن عيسى عن الامام الصادق (ع): (ما خلق الله حلالاً ولا حراماً الا وله حدّ كحدود الدار فما كان من حدود الدار فهو من الدار، حتى ارش الخدش فما سواه ، والجلدة ونصف الجلدة)[26] .

          4 ـ وعنه (ع) ايضاً لبعض من اوصاه: (فعليك باقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الاحمر والاسود)[27] .

المجموعة الخامسة : ان العقوبة تُكفّر ذنب الجاني .

          1 ـ عن امير المؤمنين (ع) : (ما عاقب الله عبداً مؤمناً في هذه الدنيا الا كان أجود وأمجد من ان يعود في عقابه يوم القيامة ...)[28] .

          2- ومن طرق أهل السنة:

أ - عن رسول الله (ص) : (من أذنب ذنباً فأقيم عليه حدّ ذلك الذنب فهو كفارته)[29] .

          ب - وعنه (ص) : (لا يمر السيف بذنب الا محاه)[30] .

المجموعة السادسة : المسؤولية الشخصية وتعيين الحقوق والواجبات .

          1 ـ ففي المسؤولية الشخصية فقد ورد في النص المجيد: (فلنسئلنَّ الذين ارسل اليهم ولنسئلنَّ المرسلين)[31] .

          2 ـ (وقفوهم انهم مسؤلون)[32] .

          3 ـ (فوربك لنسئلنهم اجمعين عما كانوا يعملون)[33] .

          4 ـ والمروي من طرق العامة عن رسول الله (ص): (الا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالامير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على اهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم)[34] .

          5 ـ وفي تعيين الحقوق والواجبات. فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): (... ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولايستوجب بعضها الا ببعض ...)[35] .

          6 ـ ومن خطبة لامير المؤمنين (ع) في اول خلافته: (... وشدّ بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده الا بالحق، ولايحلّ أذى المسلم الا بما يجب)[36].

          7 ـ وصحيحة محمد بن يحيى عن الامام الصادق (ع): (ما عبد الله بشيء افضل من اداء حق المؤمن)[37] .

          وهذا الحشد من الآيات القرآنية والروايات النبوية الشريفة يمنحنا بُعداً تحليلياً واسعاً لصياغة النظرية الاسلامية في العقوبات . فلاشك ان الاطار الفقهي هو الذي يحدد المسؤولية الاخلاقية للافراد ، وبالتالي فان فكرة القاء اللوم وتنفيذ العقوبة مشتقة عن هذا الطريق . بمعنى ان المسؤولية الاخلاقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسؤولية الشرعية او القانونية ، بحيث ان العقوبات الاسلامية لاتتوقف عند حد المخالفات الجنائية فقط بل تتعدى الى المخالفات اللفظية والسلوكية الاخرى .

 العقوبة و(العقل المذنب):

          وهنا يبرز سؤال مهم وهو : هل ان العقوبة المشروطة بشروط المسؤولية الاخلاقية تتطلب وجود عنصر عقلي وقت ارتكاب المخالفة ؟ وبتعبير آخر ، هل ان العقوبة يجب ان تطال (العقل المذنب) فقط ؟ والجواب على ذلك توضحه الفكرة الاصولية القائلة بان الجهل بالاحكام في دار الاسلام لا يمكن ان يعذر او يبرر ، وانه لابد للافراد من الفحص في الشبهات الحكمية. فلا مكان اذن لاصالة البراءة في المخالفات الجنائية. وقد اشار امير المؤمنين (ع) الى هذه المفاهيم قائلاً : (ان الله سبحانه لم يخلقكم عبثاً، ولم يترككم سدى، ولم يدعكم في جهالة وعمى . انزل عليكم الكتاب فيه تبيان كل شيء وعمّر فيكم نبيه ازماناً حتى اكمل لكم وله فيما انزل من كتابه دينه الذي ارتضى لنفسه ، وأنهى اليكم على لسانه محابه ومكارهه ، ونواهيه وأوامراه، والقى اليكم بالمعذرة ، واتخذ عليكم الحجة ، وقدم اليكم بالوعيد ، وانذركم بين يدي عذاب شديد)[38]. وفي ضوء ذلك ، فان (العقل المذنب) الذي يتحمل المسؤولية الاخلاقية هو الذي يستحق التجريم وانزال العقوبة. وما (الاكراه) و(الاضطرار) و(الخطأ) و(الاضطراب العقلي) الا عناصر تحجب العقل السليم عن ممارسة نشاطه الطبيعي المعهود ، فيتبدل عندئذ تصميم العقاب. ولكن الاسلام استبدل فكرة (العقل المذنب) بفكرة اعم واشمل وهي فكرة (النية) و(القصد) في اداء العمل ورتب عليها شكل الجزاء الذي يستحقه الفرد تجاهها. فالمسؤولية الاخلاقية نتيجة طبيعية من نتائج نية الفرد وقصده في ارتكاب المخالفات الجنائية او الشرعية. وهذه المسؤولية شرط اساس في تأهيل المخالِف لاستحقاق العقوبات المنصوصة في الشريعة الاسلامية. وبموجب هذه الافكار فان العقوبة الشرعية المتمثلة بالحدود والتعزيرات يجب ان تنفذ بشروطها الشرعية؛ فوجوب اقامة الحد يعكس الفكرة القائلة بان المسؤولية الاخلاقية للافراد ما هي الا اداة عقلية من ادوات السيطرة على افعالهم وتصرفاتهم .

محور النظرية الاخلاقية الاسلامية في العقوبات:

          ان النظرية الاسلامية الخاصة بالمسؤولية الاخلاقية للافراد تأخذ بقضيتين مهمتين تجعلانها ـ مع مفردات اخرى ـ اهم النظريات الاخلاقية في العقوبات على وجه الارض .

القضية الاولى: هي ان النظرية مع تشديدها على فكرة اخلاقية العقوبة وضرورة وضعها على مسرح التطبيق العملي ، الا انها تشجع بشكل لافت للنظر على فكرة (درأ الحدود بالشبهات) وجواز العفو عن الجاني اذا رغب المجني عليه في ذلك.

والقضية الثانية: هي ان العقوبة تكفّر ذنب الجاني ، وتطهره من تلك المخالفة في الحياة الاخرى .

          وبذلك ، فان النظرية الاسلامية لاتنظر للجاني نظرة طبيعية الا بعد ان تتم معالجة الجناية معالجة حقيقية . فاذا تمت المعالجة الشرعية بتنفيذ العقوبة ، او العفو من قبل المجني عليه او من يتولاه ، رجعت النظرة الطبيعية الشرعية تجاه ذلك الفرد الذي قام بتلك المخالفة . ومصداق هذه النظرة الطبيعية هو تكفير الذنب المرتكب في الحياة الاخرى . ان هذه النظرية الالهية المتكاملة جمعت ما بين اصعب المتناقضات، وحاولت العدالة بين جميع اطراف القضية المتنازع عليها ، وجعلت المسؤولية الاخلاقية للفرد الاصل في التشريع، وبذلك فانها حفظت حقوق الافراد والجماعة ضمن نطاق النظام الاجتماعي والدولة الاسلامية .

 المسؤولية الاخلاقية والقانونية للافراد

          وينبع اهتمامنا بطرح فكرة (المسؤولية الاخلاقية) او (القانونية) على بساط البحث، من زاوية ان هذه المسؤولية الشخصية مرتبطة بشكل مباشر بفكرة (العقوبة) الشرعية او القانونية. وبطبيعة الحال فان (المسؤولية) في المصطلحات الدينية ترتبط ايضاً بمنطوق الجزاء الالهي (الثواب والعقاب) ، والعقوبة الشرعية الدنيوية ، والمسؤولية القانونية في الدولة الشرعية .

          ومن المسلّم به فقهياً وفلسفياً ان المسؤولية الشخصية هي الشرط الاساسي في العدالة القضائية. لان الفرد لايمكن ان يثاب او يكرّم او يعاقب او يلام ما لم يكن متحملاً المسؤولية التامة عن عمله الذي قام به.

          ولاشك ان التعارض الفكري بين مسألتي المسؤولية الفردية والحرية الشخصية هو الذي ادى الى مناقشة فكرة (المسؤولية الاخلاقية) في الرسالة الدينية. فالافراد مسؤولون (اخلاقياً) عن كل اعمالهم وافعالهم الاجتماعية والشخصية ، ولكنهم مسؤولون (قضائياً) عن افعالهم الاجتماعية بالخصوص . الا ان سؤالاً يمكن ان يبرز هنا وهو اننا تحت اي شرط من الشروط مسؤولون عن اعمالنا اخلاقياً ؟ وهل ان المقياس الاخلاقي هو الثواب والعقاب ام الوصول الى الكمال الاخلاقي المطلق ، كما ورد عن امير المؤمنين (ع) : (ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك وانما وجدتك اهلاً للعبادة فعبدتك)[39] ؟ لاشك ان اسمى درجات المسؤولية الاخلاقية في الاسلام هي المسؤولية التي ترى ان العمل يجب ان ينفذ باعتبار معانيه الاخلاقية السامية لا باعتبار الفوائد والثمرات الموضوعية التي يجنيها الفرد من وراء اداءه ذلك العمل .

 المسؤولية الفردية والارادة والاختيار:

          وبطبيعة الحال ، فان المسؤولية الفردية لايتحقق تكاملها ما لم ترتبط بمفاهيم (الارادة) و(الاختيار). او بمعنى ادق ، المدى الذي نستطيع فيه ان نطبق مصطلحات (الحرية) ، و(التحلل من الالزام)، و(عدم الاكراه)، و(الارادة) على فكرة المسؤولية الاخلاقية. فهل نستطيع ان نحمّل فرداً ما مسؤولية اخلاقية اذا كانت الظروف الخارجية التي واجهها خارجة عن ارادته وسيطرته الذاتية ؟ وهل نستطيع ان نسلب المسؤولية الاخلاقية عن فرد آخر بدعوى الاكراه ؟ لاشك ان تحقيق العدالة القانونية او الشرعية يتطلب ميزاناً متساوياً لطرفي (الارادة) و(الاكراه) ، يعكسها بصدق ما رواه مفضّل بن عمرو عن الامام الصادق (ع): (لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمرٌ بين امرين)[40] ، وهو من موارد الاطلاق في المسؤولية الشرعية والاخلاقية. وما روي من ان الفضل بن سهل سأل الامام الرضا (ع) بين يدي المأمون ، فقال : يا ابا الحسن ! الخلق مجبورون ؟ فقال: الله أعدل من ان يجبر خلقه ثم يعذّبهم ، قال : فمطلقون ؟ قال : الله أحكم من ان يهمل عبده ويكله الى نفسه[41] . وما رواه واصل بن عطاء قائلاً : احسن ما سمعتُ في القضاء والقدر قول امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) : (أيدلَّك على الطريق ويأخذ عليك المضيق ؟)[42] . ولاشك ان قوة الاختيار الشخصية تتناسب مع قوة الارادة ، الا ان العلم الالهي بقوة الاختيار والارادة الانسانية لايتدخل في رسم شكل العقوبة لانه لايغير من قوة الارادة والاختيار شيء. بيدَ ان الظروف الخارجية التي تُكره الفرد على فعل ما كانت قد عالجتها الشريعة بشكل محكم ، فاخرجت (المُكره) و(المضطر) و(المضطرب عقلياً) عن اطار مسؤولياته الاخلاقية والقانونية ، وجعلت المسؤولية الاخلاقية او القانونية مرتبطة بالحرية الشخصية والقدرة العقلية على فهم وتحليل الواقع الخارجي.

 المسؤولية الاخلاقية والقدرة على الفعل:

          ويُطرح في هذا المقام سؤال جديد وهو : هل ان (القدرة على الفعل) تنطبق على المسؤولية الاخلاقية تماماً كما تنطبق (الحرية على اداء الفعل) ؟ لاشك ان حرية الارادة تختلف جوهرياً عن القدرة على استعمال تلك الحرية . فالعاجز لايكون مسؤولاً عن عجزه على اداء العمل الاخلاقي او الشرعي . ولكن حرية (القرار) ليست كحرية (الفعل) . وبمعنى تصديقي لو ان معاوية بن ابي سفيان اراد ان يذعن لامامة أمير المؤمنين (ع) وينصاع لولايته لفعل ذلك ، الا انه لم يقرر ذلك العمل . ولما كانت حريته الذاتية في القرار كاملة ، اصبح نفسه مسؤولاً ـ على الصعيد الاخلاقي ـ عن عمله اللاحق لقراره الظالم الذي اتخذه لنفسه .

          ولاشك فانه لابد لنا من التمييز بين المسؤولية الاخلاقية الناتجة عن الافعال التي تحصل عن طريق الاكراه او الاضطرار والافعال التي تحصل عن طريق القصد والتصميم . ولكن هل ان تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية هو طريقة من طرق تهذيبهم مستقبلاً ؟ والجواب على ذلك يكمن في ان المسؤولية الاخلاقية تنشق الى شقين ، الاول : ما يتعلق بالمسؤولية الاخلاقية النهائية ، وهو الامتثال امام المولى عز وجل يوم القيامة لاستلام الجزاء . والثاني : ما يتعلق بالمسؤولية الاخلاقية الاجتماعية ، التي تعتبر الفرد كائناً متكاملاً مع النظام الاجتماعي . فاذا كانت فكرة تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية طريقة من طرق تهذيبهم مستقبلاً ، فانه لابد ان ينطبق عليها مفرد الشطر الثاني . ذلك ان تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية انما ينبع من قابليتنا على الحكم على هؤلاء الافراد اخلاقياً . فاذا كان حكمنا بالمسؤولية الاخلاقية لايؤثر على سلوك الافراد بطرق معتبرة ، فان الهدف الفاضل من الاشارة الى مسؤولية الفرد الاخلاقية سوف ينتفي . ولذلك فان عدم القصد والاكراه والاضطرار ـ في احكام الشريعة الاسلامية ـ تحلل الفرد من مسؤوليته الاخلاقية مؤقتاً، وبالتالي فان التأثير الايجابي للحكم على تلك المسؤولية لابد وان يكون مرتبطاً بالتصميم العقلي السليم على اداء الفعل. وبطبيعة الحال ، فان المسؤولية الاخلاقية للافراد هي من حق الجماعة اكثر مما هي من حق الفرد، لان الثمار الناتجة عن تطبيق شروط المسؤولية الاخلاقية تكون اكثر نفعاً واعظم فائدة للمجتمع وللنظام الاجتماعي بمؤسساته المتضافرة مما كان للفرد بصفته الشخصية .

 الجبر الذاتي والجبر الموضوعي:

          وحرية الاختيار وارتباطها بالمسؤولية الاخلاقية والقانونية للافراد لازالت تثير الكثير من الجدل حول طبيعة تلك الحرية وحدودها. الا ان اهم الاسئلة المثارة حولها هو: هل ان تلك الحرية مقيدة بـ  (الجبر الذاتي) ام بـ  (الجبر الموضوعي) الخارجي ؟ فاجابت المدرسة الفلسفية الاوروبية بزعامة (اف. اج. برادلي)[43] بان النفس  الانسانية تجبر الفرد على اداء عمل معين؛ ولذلك فان الشخص مسؤول عن عمله، اخلاقياً . وزعمت بان تحقق هذا (الجبر الذاتي) لايعني باننا نستطيع ان نتنبأ بالاعمال التي سوف نقوم بها ، لان الاعمال لاتتحقق ما لم تتواجد الشروط الموضوعية الخاصة بها . وهي شروط تتجاوز الابعاد المادية ، بل انها تشمل قضايا روحية واسباب عقلية بحتة .

          لكن (برادلي) ومدرسته الفلسفية لم ينهضا بتصور شامل عن ماهية الجبر الذاتي والجبر الموضوعي . فالفرق ما بين (الجبر الذاتي) و(الجبر الموضوعي) الخارجي يعكس الفرق ما بين الاختيار والاكراه . وحرية (الجبر الذاتي) لايمكن ان يقيدها الاكراه ، لان الاكراه لايأتي الا من الخارج الموضوعي . وحتى لو افترضنا وجود (الجبر الذاتي) الذي يُكره الفرد على اتخاذ القرار ، فان ذلك الجبر لابد وان يكون نفسه تحت تأثير خارجي موضوعي ، وهذا محال لانه يستلزم (الدور) الذي آمن جميع الفلاسفة باستحالته .

          ومن المعلوم اننا اذا آمنا بالجبر الذاتي فاننا سنسلّم بان الجبر قد حصل قبل اتخاذ القرار الشخصي باداء العمل ، وهو مردود ايضاً لان الاكراه لايحصل الا بتأثير خارجي وقت القرار ، كما تبين لنا ذلك قبل لحظات . وبالنتيجة فان القرار ينبع من شروط الخارج الموضوعي وليس العكس . وبذلك ينتفي (الجبر الذاتي) وتتحطم نظرية (اف. اج. برادلي) الفلسفية بشأن حرية الاختيار .

          وهذه النتيجة تقودنا الى مناقشة مثمرة لفكرة (حرية الارادة) التي جاءت بها النظرية الاسلامية طبقاً لمذهب اهل بيت النبوة (ع) . فمع ان الاعمال والافعال لاتحصل عن طريق (الصدفة) الا في الحالات الاستثنائية ، الا ان المسؤولية الاخلاقية ترتبط دائماً بحرية الارادة التي يمتلكها الفرد ضمن بناءه التكويني الذي صممه له الخالق عز وجل . ولذلك فان النظرية الاجتماعية والدينية تفسح المجال لتحميل الافراد مسؤولية اعمال بعضهم تجاه البعض الآخر . وهذا لايعني ان (الجبر الذاتي) او (الجبر الموضوعي) يتدخلان في تحديد المسؤولية الاخلاقية على نطاق الجماعة والنظام الذي يحكمها . بل ان (حرية الارادة) هي التي تصمم شكل الافعال التي يقوم بها الفرد ، وبالتالي طبيعة المسؤولية التي يتحملها .

          ولاشك ان هذا التصور يعطي تبريراً اخلاقياً للعقوبة ، باعتبار ان الجاني او المجرم يستحق ذلك الاذى المُنزل به على الصعيد الاخلاقي . فالعقوبة لاتهدف الى تجريد الجاني من انسانيته بقدر ما تعكس مبدأً اساسياً يعلن بان شروط العدالة الجنائية او الحقوقية قد تحققت . والنتيجة ، ان عناصر (حرية الارادة) ، و(المسؤولية الاخلاقية) ، و(الجزاء) الذي ينتظر الانسان ، يجب ان تؤخذ كلها على ضوء عقيدة ذلك الفرد الاخلاقية والدينية ، لا ان ينظر اليها باستقلال عن مبادئه وقيمه الاخرى .

 (نهاية ص 45)

السابق               صفحة التحميل                  الصفحة الرئيسية

 


[1]  سورة البقرة: الآية 194.

[2]  سورة البقرة: الآية 190.

[3]  سورة الشورى: الآية 39.

[4]  علم الاجتماع والمرض الاجتماعي – باربرا ووتون. لندن: 1959. وايضا: العقوبة والغاء المسؤولية – اج ال هارت. لندن: 1962.

[5]  سورة فصلت: الآية 43.

[6]  سورة الاعراف: الآية 167.

[7]  سورة المائدة: الآية 98.

[8]  ذيادةً: منعاً لهم عن المعاصي الجالبة للنقم.

[9]  حياشةً: سوقاً الى جنته.

[10]  نهج البلاغة حكم 368.

[11]  سورة البقرة: الآية 179.

[12]  سورة البقرة: الآية 178.

[13]  سورة البقرة: الآية 194.

[14]  سورة المائدة: الآية 45.

[15]  سورة الاسراء: الآية 33.

[16]  نهج البلاغة حكم 252.

[17]  وسائل الشيعة ج 18 ص 312.

[18]  سورة فاطر: الآية 18.

[19]  الوسائل – كتاب الحدود والتعزيرات ج 18 ص 311 حديث 2.

[20]  سورة البقرة: الآية 178.

[21]  سورة المائدة: الآية 45.

[22]  الوسائل – كتاب القصاص ج 19 ص 88.

[23]  الوسائل ج 18 ص 336.

[24]  سورة البقرة: الآية 230.

[25]  سورة الانعام: الآية 38.

[26]  بحار الانوار ج 2 ص 170.

[27]  مستدرك الوسائل ج 3 ص 216.

[28]  تحف العقول ص 152.

[29]  كنـز العمال خ 12964.

[30]  المصدر السابق خ 12969.

[31]  سورة الاعراف: الآية 6.

[32]  سورة الصافات: الآية 24.

[33]  سورة الحجر: الآية 92- 93.

[34]  صحيح البخاري ج 3 ص 1459.

[35]  شرح نهج البلاغة ج 11 ص 91.

[36]  المصدر السابق ج 9 ص 288.

[37]  اصول الكافي ج 2 ص 170.

[38]  نهج البلاغة خطبة 48.

[39]  شرح نهج البلاغة ج 10 ص 157.

[40]  بحار الانوار ج 5 ص 17.

[41]  المصدر السابق ج 5 ص 59.

[42]  المصدر السابق ج 5 ص 58.

[43]  النظرية الاخلاقية – ريتشارد برنادت. نيوجرسي: برنتس هول، 1959. وايضا: اشكاليات النظرية الاخلاقية – مورتيس شوليك. برنتس هول، 1939.