oخدمات

الصالصفحة الرئيسية

كتابات نقدية

مقامقالات

كتب

بدر - العدد 185

السيد  الدكتور زهير الاعرجي لـ (بدر):

الشهيد الصدر الاول خلق مناخاً من الانسجام والتضامن بين الجماعة

8 نيسان 1996م

 

الشهيد الصدر خلق مناخاً من الانسجام والتضامن بين الجماعة

 

           بمناسبة الذكرة السنوية السادسة عشرة لشهادة المرجع والمفكر الكبير السيد الصدر توجهت بدر الى سماحة السيد الدكتور زهير الاعرجي وسألته عن ملامح الفكر الاجتماعي للشهيد فاجاب مشكوراً:

           في البدء لابد من التأكيد على ان الامة الاسلامية المعاصرة قد خسرت احد اعظم مفكريها وفلاسفتها المرجع الديني الاعلى آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر، في وقت كانت ترى في افكاره بصيص امل ينقذها من براثن اعداء الاسلام واعداء الحرية والانسانية، وقد قال الكاتب الامريكي الفلسطيني الاصل (حنا بطاطو) في احد كتبه عن الحركة الاسلامية في العراق بما نصه: (ان مقتل المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر يعتبر اكبر ضربة فكرية ضد الشيعة الامامية في العصر الحديث. وبفقدانه فقد خسرت الطائفة الشيعية اعظم مفكريها المعاصرين). وهو بلاشك يعكس قلق وتخوف القوى الاستكبارية من امتداد الوعي الاسلامي الذي قاده بنجاح هذا العالم الرباني العظيم.

          ان شموخ السيد الشهيد الصدر الفكري لم يكن محصوراً بالجانب الاكاديمي النظري من الدراسات الفقهية والاصولية فحسب، بل تعدى الى صياغة نظرية متكاملة حول القيادة الشرعية في الاسلام. فلاشك ان القيادة السياسية والاجتماعية من آثار السنن التكوينية التي صممها المولى عز وجل للجماعة؛ فالقيادة الشرعية لا ترشد الافراد للتوجه الى المنحى الاخلاقي الذي شكلته لهم الشريعة فحسب، بل انها تعتبر من اهم الوسائل للتأثير على سلوك الافراد. الا ان القيادة لا تؤدي مهامها الرسالية مالم تتمكن من بسط يدها عن طريق نوع من انواع السلطة الشرعية التي تلزم الافراد بسلوك معين.

          وبطبيعة الحال ، فان النظرية الاسلامية ترفض الاشكال القيادية الثلاثة التي طرحتها النظرية الغربية:

1-              القيادة (الدكتاتورية). وهي القيادة التي تأمر وتتوقع من بقية الافراد التنفيذ. وامثلتها قيادة الجنرال (فرانكو) في اسبانيا، وقيادة (هتلر) في المانيا النازية، وقيادة (موسوليني) في ايطاليا الرأسمالية.

2-              القيادة (الديمقراطية) وهي القيادة التي تحاول كسب الرضا العام حتى لو كان منافياً للاخلاق، على حساب الالزام الاخلاقي الصحيح الذي تفرضه العقيدة السليمة على الافراد. وامثلتها اليوم الانظمة المعاصرة.

3-              القيادة التي تؤمن بسياسة عدم التخل الا في مواطن الاستثناء. وامثلتها التاج الملكي في بريطانيا وهولندا والسويد.

الا ان النظرية السياسية الاسلامية آمنت بقيادة (الفقيه) الشرعية ، والتي نطلق عليها بـ (الولاية الشرعية للفقيه الجامع للشرائط)، تمسكاً بالتوقيع المعروف عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه): (اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانهم حجتي عليكم). وقد انعكس هذا الرأي – عملياً – في رسالتي الشهيد الصدر العمليتين: (الفتاوى الواضحة)، و(التعليق على منهاج الصالحين).

فولاية الفقيه التي مثلها الشهيد الصدر في ارتباطه بالامة هي القيادة الشرعية المعبرة التي تخلق مناخاً من الانسجام والتضامن والتكاتف بين افراد الجماعة.

وبطبيعة الحال فان ولاية الفقيه الشرعية في الدولة الاسلامية في عصر الغيبة تعتبر من اهم عناصر ديمومة واستمرار النظام الاجتماعي الاسلامي، لانها تحاول ربط كل مجالات الحياة الشخصية والاجتماعية بالنظرة الاخلاقية والشرعية للاسلام، وبذلك فانها تقلل الى ادنى حد كل شكل من اشكال الصراع الاجتماعي بين الفئات الناشطة في المجتمع.

ولاشك ان القيادة الشرعية للفقيه الجامع للشرائط اكثر اماناً لقيادة الامة – على الصعيد الشرعي – من القيادة العلمانية التي تفتقر الى ادراك الابعاد الفقهية في تصوراتها. فالقيادة العلمانية تفتقد ميزتين تشكلان اصل وجود قيادة الفقيه:

الميزة الاولى: ان المسؤولية الشرعية في اصدار التوجيهات والفتاوى والاوامر لادارة الدولة تنحصر في المرجع الفقيه، بينما تنحل تلك المسؤولية في القيادة العلمانية.

الميزة الثانية: ان القيادة العلمانية – وباعتبار طموحات الافراد الذين يشكلون تركيبتها القيادية- قد تستحسن المفسدة على المصلحة في توجهاتها. بينما يلحظ الفقيه موافقة الشريعة بشكل دقيق لآرائه وفتاويه واحكامه.

          وبذلك فان قيادة الفقيه تخلق انسجاماً اعظم بين افراد الامة، خصوصاً اذا كان ذلك الفقيه ملماً بأمور الاجتماع الانساني والنظرية الاجتماعية الاسلامية. وقد كان شهيدنا الصدر ملماً الماماً شاملاً بالنظرية الاجتماعية الاسلامية التي هي اصل بناء الدولة الاسلامية. ويظهر ذلك من بحثه حول (الفهم الاجتماعي للنص في فقه الامام الصادق عليه السلام).

          ان توجهات الشهيد السعيد السيد الصدر ونشاطاته وافكاره كانت تنصب على اشعار الامة بهويتها وشخصيتها العقائدية الحقيقية. فنحن على اختلاف طبائعنا الشخصية وامزجتنا ونشاطاتنا المتباينة، الا اننا نملك هوية واحدة ، وهي الهوية الاسلامية على خطى أهل بيت النبوة عليهم السلام. وتلك الهوية هي التي تضعنا في موقعنا الصحيح من عالم اليوم. فمع الاقرار بكل التغيرات الاجتماعية والحضارية للشعوب، الا ان الذي يميزنا عن الآخرين ويجعلنا نفتخر بتأريخنا ومبادئنا هو هويتنا الاسلامية الولائية.

          ان التغير الاجتماعي الذي نلحظه كسنّة من سنن التكوين يدعونا لأن ننطلق على خطى الشهيد الصدر نحو الابداع الفكري والعلمي في شتى مجالات الحياة وخصوصاً في المساحات الفكرية التي تحتاج جهداً مضاعفاً كبحوث النظرية الاجتماعية الاسلامية والعلوم المتعلقة بمؤسسات الدولة. ولاشك ان الذي يثلج قلب الشهيد الصدر ويغمر صدره الشريف بالسرور – لو كان بين ظهرانينا حياً اليوم – أمران:

الاول: ان نرجع الى هويتنا الحقيقية، وان نثبت كالجبل الاشم امام كل التغيرات الاجتماعية والسياسية التي تريد ان تبعدنا عن اهدافنا الاسلامية الحركية السامية.

الثاني: ان نحاول انجاز اكبر قدر ممكن من الابداع العلمي والفكري والحركي وان نبتعد عن المحاكاة والتقليد في عالمنا المتغير كل يوم.

          وسلامٌ على شهيدنا الغالي يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً. والحمد لله رب العالمين.

 

 

z.araji@xtra.co.nz