|
مقامقالات |
|
|
قراءة في كتاب النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم بقلم: محمد حسن زراقط مجلة الحياة الطيبة - العدد الثالث عشر
|
| مرجعية القرآن الشاملة للتأسيس الحضاري – النـزوع الاجتماعي في القرآن
قراءة في كتاب النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم
تأليف: الدكتور زهير الأعرجي الناشر: المؤلف التاريخ: الطبعة الأولى، 1994م، قم، إيران.
يفتتح الدكتور زهير الأعرجي، وهو أحد العلماء المهتمين بعلم الاجتماع ، كتابه بعرض سريع لبعض النظريات الغربية حول مفهوم العدالة الاجتماعية، فيصنِّف مجموعة من علماء الاجتماع (دوركهايم وسبنسر وبارسونز)، ضمن إطار المدرسة التوفيقية ويعتقد أن هؤلاء جميعاً جعلوا المعيار في تحديد قيمة الأجر الذي يتلقاه العامل على عمله هو المنفعة التي تعود على المجتمع جراء هذا العمل، ثم يقرِّر أن هذه المدرسة لم تراعِ، في توزيعها للثروة، توفير الحد الأدنى للمواطنين جميعاً. وأما الإسلام، فقد ضمن العدالة الاجتماعية من خلال مجموعة من التدابير الاحترازية التي اتخذها في مجال توزيع الثروة أولاً، ومن خلال معالجة بعض الفوارق الطارئة ثانياً. فعلى المستوى الأول فرض الإسلام المساواة في توزيع الثروات والغنائم والمكاسب التي تدخل في مالية الدولة الإسلامية وفي التاريخ شواهد عدة، تكشف عناصر الإدارة الإسلامية في بعض مصاديقها على الأقل، على هذا الأمر. ولو فُرِضَ حصول تفاوت بين احتياجات بعض الناس وبين ما يحصلون عليه من موارد، وهو ما يسمى بمشكلة الفقر، فيرى الدكتور الأعرجي أن الإسلام قد وضع حلولاً ناجعة لهذه المشكلة التي تهدد بنية المجتمع لو أهملت أو عولجت بشكل خاطئ. والحل الذي يشير إليه الدكتور الأعرجي، هو ما يمكن تسميته بالنظام الضريبي الإسلامي ومنه الخمس والزكاة، والكفارات والصدقات المستحبة[1]. ويرى أن: "...الواقع يشير إلى أن المجتمع الإسلامي يصرف أكثر من خمسة وعشرين بالمائة من ثرواته العينية والنقدية على الطبقة الفقيرة... بينما يصرف النظام الرأسمالي الأمريكي، مثلاً، اثنين بالمائة فقط من وارادته على الفقراء كإعانات غذائية لإشباعهم"[2]. وحول طريقة حساب هذه النسبة في المجتمع الإسلامي يمكن الإشارة إلى أن هذه الأموال لا تصرف بأجمعها على الفقراء: فالخمس مثلاً يعطى قسم كبير منه للمقاتلين وهو خمس غنائم الحرب والزكاة توزع على أصناف ثمانية بينها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[3] يمثل الفقراء واحداً منها خاصة أن كثيراً من الفقهاء لا يشترطون نسباً محددة لتوزيع الزكاة على الأصناف الثمانية من المستحقين، "لا يجب بسط الزكاة على الأصناف الثمانية وإن استحب مع سعتها ووجود الأصناف فيجوز التخصيص ببعضها، وكذا لا يجب في كل صنف البسط على أفراده فيجوز التخصص ببعضها"[4]. والأمر الآخر الذي تجدر الإشارة إليه، هو أن دفع الخمس والزكاة متروك، بحسب القاعدة الأصلية، إلى المكلفين والتزامهم الشخصي بدفعهما ولا تَفْرِض الدولة طريقة خاصة للجباية الإجبارية، فقد ورد عن أمير المؤمنين(ع) في وصيته لبعض جباة الزكاة: "...لا تجتازن عليه كارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخد منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فإن قال قائل: لا. فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة. فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه، فإن أكثرها له"[5]. وعلى هذا فإن زيادة هذه المبالغ وقلَّتها تتبع درجة التزام المسلمين الديني وعدمه. وكلما ارتفعت درجة الالتزام كلما قلّت نسبة الكفارات وبالتالي لا يمكن الحديث عنها كمورد ثابت يدخل في تقدير نسبة ما يصرف على الفقراء من موارد الدولة الإسلامية.
علاج حالات الانحراف الاجتماعي: في الفصل الثاني من كتابه يتحدث الدكتور الأعرجي عن "النظرية القرآنية في معالجة الانحراف الاجتماعي". فيرى أن: "الإسلام صنَّف الانحراف إلى أربعة أصناف، وهي: 1- جرائم الاعتداء على النفس البشرية وما دونها... 2- جرائم ضد الملكية... 3- الجرائم الخلقية... 4- جرائم ضد النظام الاجتماعي"[6]. وقد وضع الإسلام لكل واحدة من هذه الجرائم عقوبة خاصة وآثاراً تترتب عليها، الأمر الذي يُذكر بالتفصيل في كتب الفقه في أبواب الحدود والديات وغيرها من الأبواب الفقهية المعقودة لمعالجة هذه الموضوعات. ويتوقف الكاتب في هذا المجال عند بعض المفردات الاجتماعية لمعالجة بعض انواع الانحراف، فيرى أن إشراك غير الجاني في تحمل الآثار التي تترتب على جنايته، كما في دية قتل الخطأ حيث تتوزَّع الدية على العاقلة، يؤدي إلى التضامن الاجتماعي؛ لأن ذلك يخفف من الأعباء عن القاتل خطأ[7]. وفي باب الديات يستطرد الكاتب فيشير إلى أمر في غاية الأهمية وهو أن الدية ليست ثمناً للميت حتى يُطالَب فيها بالتساوي بين الرجل والمرأة وإنما هي تعويض يراد منه سد الفراغ المالي الذي يتركه موت المعيل في الأسرة[8]. والسؤال الذي يخطر بالبال هنا، هو أنه لو كان الرجل المقتول غير معيل أو كانت المرأة المقتولة معيلة، فهل تتغير قيمة الدية؟ وهذا أمر بدأ بعض الفقهاء بالبحث عنه والتفكير فيه. ثم يتابع الكاتب في هذا الفصل، استعراض النظريات الغربية في مجال الانحراف، فيشير إلى أربعة منها، هي: 1- نظرية الانتقال الانحرافي 2- نظرية القهر الاجتماعي 3- نظرية الضبط الاجتماعي 4- نظرية الإلصاق الاجتماعي[9]. وبعد عرضه لهذه النظريات الأربع ونقدها، يرى أن أقربها، إلى النظرية القرآنية هي نظرية الضبط الاجتماعي. وفي تقييمه النهائي لنظام العقوبات الإسلامية يرى أن هذا النظام هو الأرقى في قطع دابر الجريمة والقضاء عليها، وبخاصةإذا لاحظنا أن العقوبة هي إحدى العلاجات التي يضاف إليها غيرها مما يتميز به الإسلام من نظام تربوي ونظام مالي وغير ذلك. ولا يمثل السجن إلا عقوبة مساندة للعقوبات الأخرى بينما هو العقوبة الرئيسة في النظام الغربي، وبملاحظة معدَّلات الجريمة في الغرب نجد أنَّ روّاد السجون لم يتغيروا بعد قضاء فترة عقوباتهم، بل تحوّلت السجون في كثير من الأحيان إلى مدارس لتعليم الجريمة وإتقان فنونها[10]. سائر فصول الكتاب: أكمل الكاتب كتابه في فصول سبعة جاءت على النحو الآتي: - الفصل الثالث: النظام التعليمي في النظرية القرآنية. - الفصل الرابع: النظام الصحي في القرآن. - الفصل الخامس: النظام العائلي في النظرية القرآنية. - الفصل السادس: النظام السياسي في النظرية القرآنية. - الفصل السابع: النظام القضائي في النظرية القرآنية. ومن بين هذه الفصول جميعاً أرغب بالتوقف عند الفصل الرابع الذي يرى الكاتب فيه أن الأساس في استخراج النظرية القرآنية هو موقف القرآن من أهمية الحفاظ على النفس الإنسانية: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)[11] ثم يتابع تحديد النظرية القرآنية في مجال الطب ببيان أسسها وعناصرها من خلال مجموعة الأوامر والإرشادات التي نص عليها القرآن لضبط تعاطي الإنسان مع طعامه وشرابه، فيرى أن القاعدة الأساس هي إباحة الطيبات وتحريم الخبائث وكل ما يضر بصحة الإنسان. ويركِّز على الأساس الوقائي في نظرية القرآن الطبية، فيرى أن الغرب أهمل هذا الجانب: "ففي العقد الأخير من القرن العشرين يموت في الولايات المتحدة بسبب عادة سيئة واحدة يمكن الوقاية منها –وهي التدخين- أكثر من 350,000 فرد سنوياً ويكلِّف هؤلاء النظام الصحي الأمريكي من أدوية وعناية طبية قبل موتهم مبلغاً يقدر بأكثر من عشرين بليون دولار. ولكن لو طبق نظام الوقاية لوفر على ذلك المجتمع هذا المبلغ الكبير من المال، وأرجع قسماً من هؤلاء إلى أعمالهم وإنتاجهم"[12]. هذا ولكن الكاتب لا يشير إلى أن فقهاء المسلمين لم يتَّفقوا على تحريم عادة التدخين ما يوقع النظام الطبي الإسلامي في المأزق نفسه، إن كان مأزقاً، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على هذه المسألة لإثبات نقص في النظرية الطبية الغربية وامتياز للأخرى الإسلامية. وفي الختام فإني وإن كنت لا أسمح لنفسي بتقييم الكتاب لا بالإيجاب ولا بالسلب، إلا أنني لا أجد مفراً من الاعتراف بأن القارئ لهذا الكتاب يشعر أن وراءه جهداً علمياً يحمد صاحبه عليه سواء اتفق معه في بعض التفاصيل أم اختلف.
[1] انظر النظرية الاجتماعية ص 25. [2] المصدر نفسه ص 26، 27. [3] سورة براءة: الآية 60. [4] السيد الخميني، تحرير الوسيلة، ص 312. [5] الامام علي (ع)، نهج البلاغة ج 3 ص 23. [6] النظرية الاجتماعية ص 55. [7] المصدر نفسه ص 62 [8] المصدر نفسه ص 63 [9] انظر: المصدر نفسه ص 77. [10] انظر: المصدر نفسه ص 84. [11] سورة المائدة: الآية 32. [12] النظرية الاجتماعية ص 167.
|
|