|
|
كتاب العدد: محاولة جديدة لاسلمة علم الاجتماع النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم عرض وتقديم : طالب جبار الاحمد مجلة الطاهرة العدد 66 - ربيع الاول 1416هـ آب 1995م
|
| النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم في سياق بحوثه المتواصلة في ميدان التأسيس لعلم الاجتماع الاسلامي ونقد النظرية الغربية اصدر الدكتور زهير الاعرجي كتاباً جديداً حمل عنوان (النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم) تناول فيه الابعاد الاجتماعية للخطاب القرآني الهادي، والتي تشكل بمجموعها منظومة فيمية توجه انماط السلوك الفردي والاجتماعي وكل فعاليات الحياة الاجتماعية بالشكل الذي يحقق للانسانية اهداف الرقي والازدهار. يقول المؤلف، بتواضع العلماء، عن كتابه الجديد "ان هذا الكتاب مجرد محاولة ابتدائية لاكتشاف النظرية الاجتماعية الاسلامية عبر محاكاة كتاب الله الخالد، والانصات لتعاليمه الالهية العظيمة في شؤون الاجتماع الانساني وتنظيم شؤون الافراد ومصالحهم. وهذا البحث هو زبدة ابحاث كتابنا (المجتمع الاسلامي) والذي تسببت بعض الظروف في تأخير نشره. فإن كنت صائباً في طرح آراء الاسلام فبتوفيق من الله سبحانه وتعالى، وان كنت مخطئاً فمن نفس القاصرة" ص 11-12. اشتمل الكتاب على مقدمة وسبعة فصول حملت العناوين التالية: -العدالة الاجتماعية على ضوء القرآن الكريم. -الانحراف الاجتماعي ومعالجته على ضوء النظرية القرآنية. -النظام التعليمي في النظرية القرآنية. -النظام الصحي في القرآن الكريم. -النظام العائلي في النظرية القرآنية. -النظام السياسي في النظرية القرآنية. -النظام القضائي في النظرية القرآنية. بحث المؤلف في الفصل الاول من كتابه قضايا الأجر والمكافأة الاجتماعية، واساليب معالجة الفوارق الاجتماعية في المنظور القرآني، حيث يؤكد في هذا المجال على ان (العدالة الاجتماعية ترتبط في الأصل بنظام يساهم في توزيع عادل للثروة، ولا ترتبط بالزيادة المالية نفسها) ص 21، كما تذهب الى ذلك المدرسة الغربية التلفيقية. ولتدعيم رأيه حول نظرية العدالة الاجتماعية وفق المنظور القرآني يستشهد الاستاذ الاعرجي بالتطبيقات الواقعية لهذه النظرية في التاريخ الاسلامي، وتحديداً في مرحلة صدر الاسلام. ومن هذه الاستشهادات اشارته الى رجوع الصدقات الى بيت المال، واصرار الامام علي بن ابي طالب عليه السلام على ارجاع "الاموال التي منحها الخليفة الثالث لاقربائه وخاصته، قائلاً بشأن ذلك: (والله لو وجدته قد تُزوِّجَ به النساء ومُلِكَ به الإماء لرددته، فان في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجورعليه أضيق). اضف الى ذلك أن الوازع الاخلاقي الذي يتحسس لآلام المعذبين والمستضعفين يجعل التنافس الاقتصادي عملية يقوم بها الافراد من أجل التكامل الاجتماعي لا مجرد تكديس المال" ص 21-22. وفي هذا الفصل يناقش المؤلف طروحات المدرسة التوفيقية الغربية في علم الاجتماع حول قضايا الصراع الاجتماعي، ووظائف التفاوت الطبقي واثره على اشكال التكافل والتضامن الاجتماعي. يبين بعدها معالجات الخطاب القرآني الالهي لظاهرة الفوارق بين الطبقات الاجتماعية وواجبات الدولة في النظام الاسلامي لضمان معيشة كريمة لافراد المجتمع الاسلامي. يقول الباحث في هذا الصدد "وواجب الدولة في النظام الاسلامي ضمان معيشة الافراد، وهي بذلك تتبع أحد هذه الطرق الثلاثة. أولها: أن توفر لهم اعمالاً يرتزقون بها الى حد الكفاية. ثانيها: أن تضمن معيشتهم الاساسية في حالة عدم توفر فرص العمل. ثالثها: أن تنشئ لهم هيئات ولجاناً متخصصة لاستحداث مختلف الاعمال في الزراعة والصناعة والاعمال التجارية. وكل هذه الطرق الهادفة لضمان معيشة الافراد يمكن ايجادها ضمن حدود الدولة والنظام الاجتماعي"ص 34. وبعد ان يعود لنقد فكرة (العدالة الاجتماعية) في النظريات الغربية، وتحديداً عند المدرسة التوفيقية، والمدرسة الماركسية، والمدرسة التوفيقية، ومدرسة (ماكس وبر) بعمق ينمُّ عن سعة اطلاع الباحث وضلوعه في مجال (علم الاجتماع) يختم الفصل الاول من الكتاب بتناول الاسباب الداعية الى استمرار الظلم الاجتماعي، والتي يختـزلها في عاملين اساسيين هما: 1- السيطرة على منابع القوة الاجتماعية. 2- النظام الفكري لطبقة الاقوياء. في الفصل الثاني (الانحراف الاجتماعي ومعالجته على ضوء النظرية القرآنية) يبحث المؤلف الانحرافات الاجتماعية الرئيسية واساليب معالجتها، ويتناول ايضاً النظريات الاجتماعية الغربية بخصوص الانحراف بالنقد والتحليل. وفي مقدمة الفصل يشير الباحث الى ان نجاح النظرية القرآنية في تحليلها ومعالجتها لظاهرة الانحراف الاجتماعي يمكن ارجاعه الى اربعة اسباب رئيسية، لم "تلتفت اليها النظريات الاجتماعية المعاصرة كنظريات (الانتقال الانحرافي) ، و(القهر الاجتماعي)، و(الضبط الاجتماعي)، و(الالصاق الاجتماعي) التي سنتناولها بالنقد لاحقاً باذن الله. وهذه الاسباب الاربعة هي: الاول: العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي جاء بها الاسلام وحاول تطبيقها على الافراد. الثاني: العقوبة الصارمة ضد المنحرفين كالقصاص والدية والتعزير. الثالث: المساواة التامة بين جميع الافراد امام القضاء والشريعة في قضايا العقوبة والتأديب والتعويض. الرابع: المشاركة الجماعية في دفع ثمن الجريمة والانحراف، كإلزام عائلة المنحرف دفع دية القتيل عن طريق الخطأ، ودفع دية القتيل الذي لا يُعرف قاتله من بيت المال" ص 53. بعد ذلك يعقد الاستاذ الاعرجي مقارنة بين نظام العقوبات في النظرية القرآنية ونظام العقوبات في النظرية الغربية. ويشير في هذا المقام الى تباين النظرة لدور السجن في اصلاح المنحرفين اجتماعياً عند النظريتين، يقول المؤلف "وفي الوقت الذي لا يحمل فيه السجن عقوبة رادعة في النظرية القرآنية، الا انه يعتبر محور العقوبات في النظام الغربي. بل ان النظريات الاجتماعية الغربية الحديثة جعلت (السجن) المصدر الرئيس والساحة الحقيقية لمعالجة الانحراف. ولابد ان يعترف دعاة النظام القضائي الرأسمالي اليوم، بفشلهم بجعل السجون ساحة العقوبات الاساسية لمعالجة الانحراف وتقويم المنحرفين، لأن ثلاثة أرباع المنحرفين الذين يطلق سراحهم من السجون الرأسمالية بعد اتمام مدد عقوباتهم يرتكبون جرائم جديدة، مساهمين بذلك في هدر الاموال التي صرفت عليهم لتأديبهم في تلك المؤسسات الردعية. ولكن السجن في النظرية الاسلامية، ما هو الا عقوبة مساندة للعقوبات الاساسية الفورية كالقصاص والحدود والديات والأرش على اختلاف انواعها وازمان دفعها؛ لأن الجناية أو الجرم ليس الا عمل مربك للنظام الاجتماعي. فلابد للنظام الاسلامي من التحرك سريعاً لمعالجة ذلك الانحراف" ص 84. في الفصل الثالث من الكتاب يتناول المؤلف النظام التعليمي في النظرية القرآنية، ودور العقل في عملية تحصيل المعرفة، والدور الاجتماعي والعلمي للمدرسة في المجتمع الاسلامي. ويشير في هذا السياق الى أن تدخل الدولة في المجتمع الاسلامي لفرض التعليم الاجباري لحد المرحلة المتوسطة يجب ان يكون أمراً ارتكازياً وشرعياً لثلاثة اسباب مهمة هي – حسب وجهة نظر المؤلف- : (اولاً: لأن الفرد يعتبر قاصراً في سن الطفولة؛ فعلى وليه الاهتمام بمصلحته العلمية. ثانياً: لما كان ولي أمر الأمة (الامام المعصوم او نائبه الفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة) مسؤولاً عن بناء الدولة الاسلامية بناءً محكماً في المجال الاقتصادي والسياسي والعسكري، وجب عليه تهيئة مقدمات بناء الدولة من خلال بناء الافراد علمياً وثقافياً قبل البلوغ. ثالثاً: ان العلم بكافة فروعه وألوانه يقرّب المكلف من الله عز وجل، ويجعله اكثر تطبيقاً للاحكام الشرعية واكثر فهماً لدور الدين في النظام الاجتماعي) ص 109. واشتمل الفصل الرابع من الكتاب على بحوث جديدة مهمة عن النظرية الطبية في القرآن الكريم والانظمة الوقائية والغذائية والعلاجية في المنظور الاسلامي. وعن العلاقة بين الطبيب والمريض في المجتمع الاسلامي، يقول المؤلف: "...ولما كان الطبيب مسؤولاً عن ربط الاعراض المرضية التي يظهرها المريض باسم طبي معروف، فإن دوره كخبير يتجاوز مجرد وضع العلاج الطبي، ويذهب الى حد التدخل بشؤونه العبادية الشخصية كقضايا الطهارة مثل الوضوء والغسل، وقضايا التعبد مثل اقامة الصلاة وتأدية الصيام، والتدخل بشؤون الافراد مثل تصرفات المريض الذي يؤدي به مرضه الى الوفاة، وما يترتب عليها من احكام تجاه الهبة والشركة والوصية. فالطبيب هو الذي يحدد المرض المتصل بالموت فيترتب على حكمه احكام تصرفات المريض. وقد يمنع الطبيب مريضه من الصوم، ولكن قد يجيـزه على الغسل للصلاة الواجبة. وقد ينهاه عن السفر بقصد الحج ولكن يجيـزه على الصيام. وقد يحكم على ان مرضه ليس متصلاً بالوفاة. وفي هذه الحالات يتصرف الطبيب من وحي واجبه الشرعي كخبير، فيتجاوز بذلك الدور الذي وضعته له المؤسسة الصحية الى الدور الذي وضعه له الدين" ص 159. ويختم المؤلف هذا الفصل بتناول فلسفة (الطب) في النظريات الغربية ونقدها. الفصل الخامس من الكتاب خصصه المؤلف لمواضيع العائلة في النظرية القرآنية وخصائص النظام العائلي في النظرية القرآنية وفلسفة (العائلة) في النظريات الغربية ونقدها. ويحدد المؤلف في هذا الفصل نظرة الاسلام لمؤسسة العائلة بتعابير دالة موجزة، فيقول: "الاسلام لم ينظر للمؤسسة العائلية باعتبارها مؤسسة اجتماعية لتعويض الخسائر البشرية الحاصلة نتيجة موت الافراد فحسب، بل نظر لها باعتبارها محطة استقرار لعالم متحرك، تنتقل من خلاله ممتلكات الجيل السابق للجيل اللاحق عن طريق الارث والوصية الشرعية؛ ومحطة لفحص وتثبيت انساب الافراد عن طريق اعلان المحرمات النسبية والسببية الناتجة عن الزواج ، وجواز الاقرار بالنسب؛ ومركز حماية الافراد بتقديم شتى الخدمات الانسانية لهم بخصوص الملجأ والمطعم والدفء والحنان. واذا كانت العائلة محطة لشحن الطاقات العملية، وقاعدة لتنشيط الانتاج الاجتماعي، فانها تعتبر – في الوقت نفسه – مركزاً لاشباع الحاجات العاطفية كالحب والحنان والعطف والرحمة، ومكاناً لتهذيب السلوك الجنسي، ومسرحاً لتعلم المعارف الاساسية قبل الخروج للساحة الاجتماعية كاللغة والاعراف والعادات والتقاليد والقيم الاخلاقية. فالعائلة – اذن- تساهم في خلق الفرد الاجتماعي الصالح للعلم والانتاج والمساهمة في بناء النظام الاقتصادي والسياسي للمجتمع" ص 175. وفي الفصل السادس من الكتاب يتناول المؤلف مواضيع مهمة تتعلق بالنظرية السياسية القرآنية وخصائص النظام السياسي الاسلامي، ويؤكد المؤلف في هذا المبحث على ان (نشوء الدولة عن طريق الانبياء عليهم السلام انما جاء من خلال الحاجة الى موازين تحدد العلاقة بين الأقوياء والضعفاء، والاغنياء والفقراء، والحاجة الى تنظيم شؤون الاجتماع الانساني عن طريق الالزام والمسؤولية الفردية والاجتماعية) ص 206. ويشير الاستاذ الباحث الى ان بعض الانبياء عليهم السلام تولوا بصورة مباشرة مهمة الاشراف على شؤون الدولة كداود وسليمان عليهما السلام وتحدى اغلبهم النظام الاجتماعي والسياسي التسلطي القائم في زمانهم. وقام الرسول الأكرم محمد بن عبد الله (ص) ببناء اكمل الانظمة السياسية وارقاها، لأن دولته المباركة مثلت على حد تعبير المؤلف، تجسيداً رائعاً للرسالة السماوية التي اعلنها الاسلام. ويرى الباحث ان جوهر صراع الانبياء عليهم السلام مع سلطات الشرك والاستبداد انما هو في حقيقة الأمر صراع سياسي، ويضرب مثلاً لذلك بصراع النبي موسى والنبي ابراهيم عليهما السلام مع فرعون ونمرود. فصراعهما كان في جوهره يهدف الى تحرير الانسان من التسلط والاستبداد السياسي. ويتطرق الباحث بعد ذلك الى قضية الولاية الشرعية بعد وفاة الرسول الاكرم (ص) ودورها في حفظ الرسالة المحمدية السمحاء، وصيانة حرية الانسان وحفظ النظام الاجتماعي والسياسي المحتكم لمنظومة القيم الاسلامية. وبشأن ولاية الفقيه، التي تمثل امتداداً لخط الانبياء والأئمة عليهم السلام، يقول المؤلف: "...وولاية الفقيه للدولة والنظام الاجتماعي هي امتداد لولايته في الاموال والنفوس. فاذا كانت للفقيه الجامع للشرائط صلاحية التصرف بالنفوس، واصدار فتوى بالجهاد لحفظ النظام الاسلامي، والحكم بالقصاص والدية والقضاء، وصلاحية التصرف باموال القاصرين، والاموال مجهولة المالك، كان الاولى وجوب بسط يده لحفظ النظام الاسلامي عن طريق الولاية الشرعية على السلطات الثلاث القضائية والشوروية والتنفيذية. ويؤكد هذا الرأي العديد من الروايات الواردة عن اهل البيت (ع)، منها سؤال زرارة عن سبب تفوق الولاية على بقية اركان الاسلام مثل الصوم والصلاة والحج والزكاة، فيجيبه: (لأنها مفتاحهن)" ص 222. اما الفصل السابع من كتاب (النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم) فقد خصصه الباحث لثلاثة مواضيع مهمة هي: (اهمية القضاء في النظرية القرآنية)، و(خصائص النظام القضائي في الاسلام)، و(نقد النظام القضائي في الغرب) ويعقد في هذا الفصل مقارنة علمية بين النظام القضائي في الاسلام والنظام القضائي في الغرب ليدلل على نقاط الضعف في النظام الثاني والتي تركت آثاراً سلبية على طبيعة الحياة الاجتماعية في مجتمعات الغرب. ويختم الاستاذ د. زهير الاعرجي الفصل السابع والاخير من كتابه القيّم بالقول: (ان اهتمامنا بدراسة ونقد الانظمة القضائية والاجتماعية الغربية ونحوها يعطينا فرصة عظيمة لاكتشاف النظرية القرآنية والاهتمام ببلورتها ومعرفة مواطن الكمال في بنائها العلوي. ولاشك في ان النظرية الاجتماعية الاسلامية التي لاحظنا ملامحها في كتاب الله الخالد هي اكمل النظريات الاجتماعية وادقها على وجه الارض" ص 278. بقي ان نشير الى ان الكتاب احتوى على افكار اخر كثيرة جديرة بالدراسة والنقاش لم يتسع مقالنا المتواضع للخوض في تفاصيلها او عرضها للقارئ الكريم. ونأمل من المعنيين بتنمية الوعي الاجتماعي والسياسي في المجتمعات الاسلامية، والدارسين لعلوم الانسان والاجتماع ان يواصلوا مشروع الدكتور زهير الاعرجي في التأسيس لعلم اجتماع اسلامي بروح المثابرة العلمية.
|
|