|
|
محاولة جريئة لتحديد ملامح النظرية الاجتماعية في الاسلام عرض وتقديم: الهام هاشم مجلة الطاهرة عدد 83 - 1417هـ - 1997م
|
| كتاب العدد: محاولة جريئة لتحديد ملامح النظرية الاجتماعية في الاسلام نشأ علم الاجتماع في احضان الغرب قبل قرن من الزمان، وقد مرّ في مراحل شائكة من التطور والتغيير، شأنه شأن العلوم الانسانية الاخرى حتى بلغ منـزلة خاصة لدى الغربيين. ولمواكبة الغرب في هذا العلم، أقدم العديد من الدارسين المسلمين على التخصص في هذا المجال ودراسة علم الاجتماع دراسة وافية، ومحاولة أسلمته وإضفاء الصفة الاسلامية عليه، معللّين إغفال الجانب الاجتماعي من الاسلام، والانصراف الى العبادات بمعناها الضيق، الى ضعف الوعي السياسي والاجتماعي لدى المسلمين بسبب انحطاطهم وتكالب القوى المعادية على أوطانهم... وإذ دأب الكثير من المفكرين المسلمين المعاصرين على تبني العلوم والدراسات الاجتماعية وقولبتها بقالب اسلامي، فان من النادر ان تصدّى أحدهم لصياغة نظرية اجتماعية متكاملة وفق القرآن الكريم والسنّة المطهرة. ولذلك فبرأيي ان ما قام به الدكتور زهير الاعرجي من محاولة جريئة لتبيان الخطوط التفصيلية للنظرية الاجتماعية في الاسلام، يستحق الثناء والتبجيل لجهوده الشاقة في هذا الميدان؛ وهو الذي دخل المعترك الاجتماعي بكفاءة ومقدرة الخبير في العلوم الاجتماعية والانسانية.. وكتاب (مباني النظرية الاجتماعية في الاسلام) سفر ضخم، تربو عدد صفحاته على الخمسمائة صفحة، ضم بين دفتيه كل ما يتعلق بعلم الاجتماع، وكيفية صياغة نظرية اجتماعية دينية متكاملة تحلّ المشكلات العالمية المعاصرة. اشار الدكتور الاعرجي في مقدمة الكتاب الى حقيقة مفادها ان قدرة المجتمعات الانسانية على معالجة مشاكلها الاجتماعية المتغيرة تبعاً لتغيّر الزمن، تنبع من قابليتها على رسم تصور شامل للعلاقة الواقعية بين الفرد والجماعة. هذه العلاقة ان لم تقم على أسس سليمة، فان المجتمع سيغرق في مشاكل اجتماعية عديدة، كالفقر والتفاوت الطبقي والتخلّف الثقافي والانحلال الاخلاقي. أما المشكلة الاجتماعية فمن أسبابها، غياب النظام الاخلاقي المدعوم بالتوجيهات الدينية، وعدم الاهتمام بالتربية والتعليم في المجتمع وغيرهما من الاسباب والعوامل، هذه المشكلة لن تنتهي الا عبـر البحث عن نظرية اجتماعية يؤمن بها الافراد، مستمدة من أحكام الاسلام لمعالجة المشاكل المتجددة التي يعاني منها المجتمع بسبب تغير الزمان والمكان. وفي اعتقاد المؤلف ان للنظرية الاجتماعية، جانبين: فلسفي وديني. كما ان الموضوعات التي لها علاقة مباشرة بالنظرية الاجتماعية تترتب بالشكل التالي: 1- المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة. 2- الأهمية الشرعية والفلسفية لصياغة النظرية الاجتماعية. 3- المعركة ضد النظرية الاجتماعية. فقد حاول اعداء الاسلام محاربة الاسلام عبر الايهام بان الدين غير قادر على ادارة المجتمع الحديث، خصوصاً بعد التطورات الكبيرة التي حصلت بانتشار العلوم والاختراعات. وينتهي المؤلف في المقدمة الى التأكيد بان هذه الدراسة، ستلحقها دراسات وابحاث حول النظرية الاجتماعية الاسلامية، تدلل على قدرة الاسلام على ادارة المجتمع وانشاء المجتمع الممهّد لظهور الامام الغائب (ع). لكن الشيخ الاعرجي في البدء، يفّرق – فلسفياً – بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع؛ فالنظرية الاجتماعية تمثل مجموعة مترابطة من الافكار التي يفسّر بعضها بعضاً، وترشد المؤسسات الاجتماعية نحو هدفها المرسوم في خدمة الانسان اجتماعياً، بينما يمثل علم الاجتماع، طريقة تجريبية للتنقيب، من أجل جمع المعلومات وتحليلها عبر ربط العلة بالمعلول في السلوك الاجتماعي واستنتاج قاعدة كلية تخدم النظرية الاجتماعية، وهو مؤشر علمي لتشخيص مظاهر ضعف النظرية الاجتماعية أو قوتها من خلال تشخيص المشاكل التي يجلبها التطبيق. وتطرّق المؤلف أيضاً الى ان الغرب لم يستطع تقمّص دور الدين في صياغة الافراد وإحياء القيم الاخلاقية وبناء التماسك الاجتماعي، ولكنه نجح في سلخ الدين عن العلوم الاجتماعية، وانكار قدرة الدين على ادارة المجتمع، بل ويعتبر الغرب ان الدين انما هو نتاج العقلية الاجتماعية وليس أمراً غيبياً أرسله الخالق لاسعاد البشرية. ولكن الدكتور الاعرجي يوضّح بان التفكير الغربي هذا، يحمل تناقضاً صريحاً، لانه يفترض ان الدين أقل شمولاً من التفكير الاجتماعي، ولكننا لم نلحظ – على مرّ التأريخ – ان فكراً اجتماعياً قد صاغ رسالة دينية، نظمت شؤون المجتمع وأجابت على جميع الاسئلة المتعلقة بالحياة والموت والكون والبعث والنشور، كما هو شأن الرسالة الدينية، المنسجمة مع الطبيعة الفطرية للمجتمع والتي تهدف الى بناء نظام اجتماعي عادل في الارض.
النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع: ينقسم هذا العنوان الى اربعة فصول. يضم الفصل الاول: العلاقة بين علم الاجتماع والنظرية الاجتماعية، التي هي في الحقيقة، نظرة جديدة للمجتمع الانساني. ويتناول المؤلف في هذا الفصل، عدة مواضيع منها: التمايز بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع، وطبيعة النظرية الاجتماعية في معالجة مشاكل المجتمع، ودور النظرية هذه في تصميم المؤسسات الاجتماعية، وملامح النظرية الاجتماعية الدينية، ليستنتج بان علم الاجتماع ما هو الا أحد مصاديق النظرية الاجتماعية، ويأتي في خدمتها دوماً، متطرقاً الى الاضطراب الغربي في التمييز بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع، وبالتالي الى فشل الغرب في صياغة نظرية اجتماعية كلية. ولم يغفل الكاتب، الخوض في الاتجاهات الفكرية الاوروبية التي سبقت نشوء علم الاجتماع. أما في الفصل الثامي الذي يحمل عنوان (العلوم الاجتماعية الحديثة) فينصرف الدكتور الاعرجي الى دراسة العلوم المرتبطة بالمجتمع، كعلم نشوء الانسان، منتقداً مباني هذا العلم، واضعاً في الحساب التوجه العلمي الجديد، الذي بدأ يتخذ منحى جديداً، يؤكد على ان الظواهر الاجتماعية مهما كانت بدائيتها، تستبطن نظاماً سليماً من أنظمة المجتمع المتميزة. ومع ان منشأ علم الاجتماع كان وما يزال غريباً في اطاره العام، ومنتـزعاً من التقاليد الاوروبية، الا ان ارتباط مبادئه بالفلسفة الاخلاقية، يجعلنا ننظر إليه من زاوية دعوته الى الارتكاز العقلائي في تنظيم المجتمع. وهذا التوجه المبدئي لا يتنافى مع مبادئ الدين الحنيف. ولابد من الالتفات الى ان علم الاجتماع تطور سريعاً وانبثق عنه: علم النفس الاجتماعي وعلم الجريمة. وتطرق المؤلف بعد ذلك الى مجموعة من العلوم المرتبطة بعلم الاجتماع، كعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم العلاقات الدولية. وفي الفصل الثالث الذي جاء تحت عنوان (النظريات الاجتماعية المعاصرة..رؤية نقدية)، ارتأى المؤلف، التحدث عن النظرية والافتراض في علم الاجتماع، متناولاً النظريات الغربية في هذا المجال، حيث ان هناك اليوم ثلاث نظريات عالمية تسيطر على الساحة، وهي: 1- النظرية التوفيقية. 2- نظرية الصراع الاجتماعي. 3- نظرية التفاعل الاجتماعي. وقد تعرّض الاستاذ لكل نظرية بشيء من العرض والنقد والتحليل. فهذه النظريات الثلاث ساهمت في تثبيت أسس علم الاجتماع الاوروبي. ثم انتقل الى استعراض نشوء الفكر الاجتماعي وتطوره، والنظرية الاجتماعية عند الفقهاء المسلمين مع عقد مقارنة بين التجربة الاجتماعية لاوروبا والعالم الاسلامي، معزّزاً النتيجة القائلة بالاقتباس الفكري الغربي من الاسلام في هذا الحقل. وفي الفصل الرابع الذي جعل المؤلف عنوانه: (المنهج العلمي لعلم الاجتماع) نطرق الى: - مصاعب المنهج العلمي. - انماط البحث العلمي. - أخلاقية البحث العلمي.
فلسفة المجتمع والعلوم الاجتماعية: وتحت عنوان (فلسفة المجتمع) تكلم الاستاذ المؤلف عن اصطلاح (المجتمع) الذي يشير الى مجموعة كيانات متميزة نستطيع تشخيصها والاعتراف باستقلاليتها؛ هذه الكيانات هي المؤسسات الاجتماعية التي تشكل بمجموعها النظام الاجتماعي. أما الشخصية الاجتماعية فلا تتشكل الا عندما يتعلم الانسان منذ الطفولة المبكّرة كيف يقلّد الآخرين في أفعالهم وافكارهم وسلوكهم الاجتماعي. ان خلاصة الفلسفة الخاصة بـ (المجتمع) والتي تساعد على صيانته من الانحلال، تتبلور في فكرة مهمة تؤكد بان المجتمع يجب ان تكون له "هوية اجتماعية". ويخلص العلامة الاعرجي الى نتيجة أخرى وهي ان الدولة في الاسلام، ليست وحدها مصدر الولاء الاجتماعي، فالجماعة المؤمنة التي أكدت عليها الشريعة في المعاملات والعبادات لها دور أساسي في تقوية هذا الولاء، بينما سيؤدي التوافق والانسجام بين المؤسسات الاجتماعية الى ثبات النظام الاجتماعي واستقراره. ولاشك ان التصميم الاجتماعي للمجتمع الديني يضم جزئين مهمين. الاول: العلاقات الاجتماعية. والثاني: القوانين الاجتماعية التي تحدد وتوضح طبيعة تلك العلاقات. أما الفصل السادس من الكتاب، فيبحث في موضوع الدين في مواجهة العلوم الاجتماعية. وقد استعرض السيد المؤلف النظريات العلمانية في تفسير الدين ونقدها، كالنظرية الماركسية ونظرية فرويد وغيرهما.. هذه النظريات التي تزعم بأن منشأ الدين اجتماعي وليس غيبـي. ونقرأ في الفصل السابع، عناوين، مثل: فرضية "العقد الاجتماعي"، و"الامة في النظرية الدينية"، و"الميثاق القرآني"، و"الارادة الجماعية"، و"نقد الظلم الاجتماعي". ويصل المؤلف الى الاستنتاج بوجود التناقض في فكرتي: (العقد الاجتماعي) و(الفلسفة الاشتراكية). ولم يبق الا البحث عن فكرة المجتمع وطبيعة الاجتماع الانساني وأسس العدالة الاجتماعية في الاسلام الذي قدّم لنا نظرية متكاملة من أجل اسعاد البشرية، خصوصاً في قضايا الحقوق والواجبات. ويختص الفصل الثامن بنظرية المعرفة، إذ يحمل عنوان (القانون والمعرفة في المجتمع)، إذ يشرح الاستاذ الاعرجي الظروف التي أدت الى نشوء النظريات الغربية حول اجتماعية المعرفة، منتهياً الى الاعتقاد بان فلسفة (اجتماعية المعرفة) التي صدّرتها إلينا أوروبا بحاجة الى اعادة نظر، وأقصى ما نتقبله من هذه الفلسفة هو انها تتطابق مع العرف الاجتماعي والارتكاز العقلائي الذي يتفاعل معه الافراد في المجتمع. وبعد ان يتوصل المؤلف الى ان علاقة المجتمع بالافكار المطروحة على ساحته الاجتماعية، علاقة مصيرية وحاسمة، يقوم بنقد النظريات الفلسفية الاجتماعية الغربية الواحدة تلو الاخرى، ليستنتج بأن الايمان بالنظرية الاسلامية التي يكون منشؤها سماوياً ومتطابقة مع سيرة العقلاء هو البديل، فهذا الدين هو الذي ينظم لنا أسلوب حياتنا الاجتماعية والروحية على وجه الارض، كما ينتهي الى القول: بان حاجة المجتمع الانساني الى الشريعة أو القانون، حاجة طبيعية فطرية. لأن الشريعة هي التي تحل المشاكل الاجتماعية التي سببتها طبيعة الاجتماع الانساني والاختلاف بين الافراد.
مدخل الى النظرية الاجتماعية الاسلامية: يقوم الدكتور الاعرجي في الفصل التاسع بالاستدلال على اثبات النظرية الاجتماعية في الاسلام. فالنظرية الفقهية الاجتماعية تمثل عصارة تفكير فقهاء مدرسة أهل البيت (ع) وطموحهم نحو بناء المجتمع الاسلامي. وتحدث المؤلف في هذا الفصل ايضاً، عن دور علم الاصول في تحديد ملامح النظرية الاجتماعية، مؤكداً على ان اصواتاً علمية بدأت تنطلق من الحوزات الشيعية تدعو الى بذل الجهود من أجل الاهتمام بالفقه الاجتماعي في ممارسة عملية الاجتهاد. من هذه الاصوات الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشهيد محمد باقر الصدر والسيد الخميني الراحل. فالحاجة الفعلية لتنظيم المجتمع على ضوء الاسلام تنبثق من فكرة مفادها ان الانسان لوحده – ومن دون الهداية السماوية – لا يستطيع صياغة نظرية اجتماعية متكاملة لادارة المجتمع، فقضية الحقوق والواجبات من أعقد القضايا التي تعجز فيها الانسانية عن تشكيل تصور واضح عن حدود العدالة الاجتماعيةوالحقوقية بين الافراد، خاصة وان النظرية الاجتماعية تمثل حلاً واقعياً للمشاكل التي يعيشها المسلم المعاصر في الزمن الراهن. ويستخلص المؤلف حقيقة مفادها ان النظام الاجتماعي هو المرآة الحقيقية للنظرية الاجتماعية التي يتبناها الفرد في المجتمع الانساني. وهناك عناوين سعى الاستاذ الاعرجي لتوضيحها وهي: هل هناك حاجة فعلية لتأسيس النظرية الاسلامية في الاجتماع؟ وما هو دور النص الشرعي والمنهج العلمي في تشخيص معالم النظرية الاجتماعية؟ وهل ان طرح "النظرية الاجتماعية" يمثل اطروحة مثالية غير واقعية لمشاكل عالم اليوم؟ ثم تطرق الى ارتباط النظرية الاجتماعية بالجوانب الاخلاقية للدين، مجيباً على هذا التساؤل: هل تكفي توجيهات القرآن المجيد واخبار المصطفى (ص) والعترة (ع) عن عناء البحث عن نظرية اجتماعية اسلامية؟ وجواب المؤلف بالطبع هو: لن نستطيع ان نكون بمستوى قيادة العالم والبشرية ما لم نجمع كل المفردات الاخلاقية الاجتماعية في القرآن والروايات الصحيحة المسندة، والكم الهائل من آراء العلماء والفقهاء، ثم نستقرئ منها نظرية اخلاقية اجتماعية متكاملة. ومن المفردات الاخرى المطروحة في الكتاب الذي بين ايدينا: - دور النظام الاجتماعي في صياغة شخصية الفرد. - حدود الحريات الفردية في النظام الاجتماعي. - حقوق الاقليات في النظام الاجتماعي. - بين نظريتنا الاسلامية ونظريات الغرب. ويستنتج الاستاذ المؤلف بان المجتمع الانساني بحاجة دائمية الى نظرية اجتماعية من أجل ادارة المجتمع، وما لم يتحرك الدين لتنظيم الشؤون الاجتماعية، فان أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم ستتعرض للخطر. وفي الفصل الحادي عشر، يتناول السيد الاعرجي مسألة النظام الاجتماعي وتغير الزمان والمكان والنظريات المتعلقة بفلسفة الزمن والرؤية الاجتماعية والدينية للزمان، وانه يساهم في بناء التركيب الاجتماعي للحقيقة الخارجية، والاجتهاد وتغير العرف الاجتماعي. والنتيجة المستفادة من تحليل الامور الآنفة الذكر، ان الزمان حقيقة اجتماعية ذهنية ليس لها وجود علمي خارجي. وعندها تكون الشريعة هي الاصل في طبيعتنا التكوينية، وما الزمن ومتغيراته الا توابع صغيرة تدور في فلك التشريع. أما في الفصل الثاني عشر بحث الكاتب الارضية المساعدة في صياغة النظرية الاجتماعية، فهناك عوامل تجعل الافراد يحسّون بحاجة ماسة الى نظرية اجتماعية دينية تحدد لهم أسلوب التعايش والتعاون الاجتماعي، وهي: 1- ظروف العمل وحقوق العامل. 2- انتقال الملكية. 3- نشوء المدن الكبرى وازدياد عدد السكان. 4- التطور الفني والتقني. 5- المشاركة في الحكم والنشاطات السياسية. فهذه العوامل تفرز مشاكل بحاجة الى حلول، منها: قضايا العدالة الاجتماعية، وعملية تشخيص الحقوق والواجبات للجماعة، والمسؤولية الاخلاقية والاجتماعية للافراد. ان أهمية النظرية الاجتماعية تنبع من أهمية وجودنا الاجتماعي على الارض، فنحن خلقنا من أجل أن نتفاعل مع بعضنا بعضاً على الاصعدة الفكرية والدينية والمعاشية، وما دور الرسالة الالهية الا تنظيم الحياة الانسانية فيما يخص قواعد العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الآخرين. وبمقدور النظرية الاجتماعية، وضع مؤشرات دقيقة للموازين الاجتماعية على نطاق الحكم، والسلطة، والسياسة، والتعليم، والقضاء، والعائلة، والدفاع، والصحة، والتجارة، وتوزيع المال ونحوه. والنظرية الاجتماعية تتميز بأنها تنظر للمجتمع بلحاظ النظرة الكلية الشمولية التي لا تختص بجيل دون جيل أو مكان دون آخر، وهي التي تضع لنا الحقيقة الخارجية التي تستطيع أن تحدد سلوك الجميع ضمن المعالم الاخلاقية المحمولة الينا. وعموماً فان النظرية الدينية في الاجتماع، تعدُّ أكمل النظريات الاجتماعية على وجه الأرض.
نماذج من مفردات النظرية الاجتماعية الاسلامية: يطرح الدكتور الاعرجي في الفصل الثالث عشر، نظام العقوبات في الاسلام، حيث يسلّط الاضواء على فلسفة العقوبات والمدارس الغربية حول هذه المسألة، كما يقوم بنقد انظمة العقوبات في الغرب، بعدها يعرج للحديث عن فكرة "العقوبة" في المذهب الشيعي الامامي، ومحور النظرية الاسلامية في هذا الخصوص. أما في الفصل الرابع عشر، فمحور حديث المؤلف يدور حول العدالة الاجتماعية في الاسلام وفلسفتها، وفكرة "المساواة" عند الاغريق وفي الفلسفة الغربية، ثم يتناول مبادئ العدالة الاجتماعية في الشريعة الاسلامية والتي تتجسد في ثلاث نقاط: المبدأ الاول: الاختلافات التكوينية بين الافراد، حقيقة واقعية لا يمكن انكارها، وفكرة "العدالة الاجتماعية" في الاسلام انما تكون جابراً للاختلافات التكوينية التي خلقت اصلاً مع الافراد. المبدأ الثاني: لما كان تحقيق المساواة العقلية بين الافراد مستحيلاً واقعاً، فقد أكدت الرسالة الالهية على تحقيق المساواة العرفية. المبدأ الثالث: ان الاختلاف بين الفاضل والمفضول في الشريعة الاسلامية يعكس الاختلاف في القدرات العقلية والجسدية بين الافراد. ومع كل ذلك، فان أطروحة النظرية الاسلامية في العدالة الاجتماعية أشمل من أطروحات النظريات الغربية، ولهذا فان العدالة الاجتماعية في الاسلام تلحظ الفروقات في شخصيات وقدرات وقابليات الافراد، ولا تلحظ انهم متساوون بالاصل فتظلمهم دون علم. بيد ان النظريات الغربية قد وقعت في فخ المساواة التكوينية المزعومة، حيث نادت بالمساواة لا في التعامل الاجتماعي فحسب، بل بالمساواة في أصل نشوء الافراد، وهو بلاشك يؤكد على كمال الرسالة الالهية، وضعف تلك النظريات. وفي الفصل الرابع عشر، تطرّق الكاتب الى فلسفة القضاء في النظرة الاسلامية، مستنتجاً بان السعادة الحقيقية التي جاء من أجل تحقيقها الاسلام، لا تنبع من فكرة المساواة بين الجاني والمجني عليه بعد وقوع الجناية، بقدر ما تنبع من فكرة المساواة بين الافراد في الحقوق والواجبات قبل وقوع الجناية. أما اذا وقعت الجناية، فلابد من معالجتها بالقصاص والحدود والديات. وهذا العلاج النهائي هو الذي يجلب السعادة النهائية للافراد وللمجتمع بصورته الكلية. وأخيراً فقد كشف المؤلف في الفصل السادس عشر، جوانب من السلوك الجمعي لفريضة الحج، وذلك لان للتأثير الاجتماعي قوة عظيمة في معالجة وتصحيح السلوك الفردي. فالافراد يبنون نظراتهم الشخصية حول الحقائق الكونية والاجتماعية والعقائدية من خلال الاعتماد على نظرات وآراء الآخرين. ويناقش الاستاذ الاعرجي بعض المفردات المؤثرة على التفاعل الاجتماعي، وهي: - العبادات الاسلامية واثرها في هذا التفاعل. - الفرد وموقعه الخارجي على المسرح الاجتماعي. - النفس الاجتماعية. - معاني الالفاظ والاشارات الجسدية. - القرب المكاني. فمن طرق الاتصال والتأثير الاجتماعي بين الافراد هو تقدير المسافة المكانية التي تفصلهم عن بعضهم بعضاً. وقد قسّم علماء الاجتماع المساحة المكانية حول الفرد، الى أربعة أقسام، وهي: 1- المساحة الزوجية. 2- المساحة المكانية الخاصة بالاصدقاء وذوي القربى. 3- المساحة الاجتماعية. 4- المساحة القيادية. ولاريب ان المساحة الزوجية، هي المساحة المكانية التي يمنحها الفرد لزوجه، فالقرب المكاني بين الزوجين يعتبر من أكثر الأماكن خصوصية على الصعيد الشخصي. ويصل مؤلف الكتاب في النهاية الى نتيجة مفادها ان عملية التغيير الاجتماعي لا تثمر الا اذا تضافرت جهود الافراد في الاقناع بتبديل السلوك الفردي والجماعي المتعلق بالقيم والعادات الاجتماعية، فلا تستطيع الامة أن تغيّر من سلوكها الاجتماعي مالم تتأثر فئة واسعة من الافراد بمفردات التغيير وشروطه. ولاشك ان انسجام الافكار الاسلامية الخاصة بالحج مع الطبيعة الفطرية يساهم بشكل فعال في تقبل مفردات التغيير الاجتماعي. |
|