oخدمات

الصفحة الرئيسية

كتابات نقدية

مقامقالات

كتب

 

الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج

عرض وتقديم: طالب الاحمد

مجلة الطاهرة - عدد 75 ذو الحجة 1416هـ

أيار 1996م

 

 

كتاب العدد:

الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج

 

          دأب الاستاذ الدكتور زهير الاعرجي، منذ فترة ليست بالقصيرة، على تناول الابعاد الاجتماعية للعبادات الاسلامية في اطار مشروعه الكبير في نقد النظرية الاجتماعية الغربية، والتأسيس لعلم اجتماع اسلامي. حيث صدر له حتى الآن 14 كتاباً قيّماً في هذ المضمار.

          في كتابه الجديد (الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج)[1] يطرح الاستاذ الاعرجي نظرية جديدة في السلوك الجمعي الاسلامي من خلال تناوله (السوسيولوجي) لمناسك الحج، التي "تتصف بمواصفات متميزة على الصعيدين الروحي والاجتماعي". وهذا التميز يجعل الحج – كما يرى الباحث "مصدراً مستمراً من مصادر التغيير الاجتماعي الناتج عن تفاعل الافراد من مختلف الثقافات والعادات والطبائع البشرية؛ وذلك عن طريق تقريب الافراد – بأجناسهم المتباينة – نحو بعضهم، وتقصير المسافة المكانية بينهم)ص 10.

          اشتمل الكتاب على قسمين؛ في القسم الاول تناول الاستاذ الاعرجي عدة مواضيع مهمة تتعلق بفلسفة السلوك الجمعي الاسلامي، والابعاد الاجتماعية لفريضة الحج، بعد ان مهّد لذلك بعرض النظريات الغربية حول السلوك الجمعي، ونقدها باسلوب علمي رصين ينم عن سعة اطلاع الباحث وتضلعه بمناهج علم الاجتماع ومدارسه المتعددة.

          ونشير هنا الى ان الدكتور زهير الاعرجي يتميز عن الكثير من الكتّاب الاسلاميين الذين تناولوا بالنقد نظريات وافكار مدارس علم الاجتماع الغربي باسلوبه في تفكيك بنية الخطاب الاجتماعي (السوسيولوجي) الغربي، والوقوف عند المنطلقات التي أفرزت منظومته المعرفية.

          في مقدمة القسم الاول من الكتاب يتطرق المؤلف الى دور الحج في البناء الاجتماعي حيث يؤكد في هذا المجال على ان لفريضة الحج بعدين اساسيين يتمثل الاول بالنشاط "التعبدي الفردي وما يصاحبه من خشوع وتواضع وتذلل للمولى عز وجل". أما البعد الثاني فيتجسد في النشاط الاجتماعي "الذي يتمثل بالسلوك الجمعي وما ينتج عنه من تفاعل بين الافراد من مختلف الاجناس، ويؤدي بالنهاية الى التغيير الاجتماعي الذي هو الأصل في نشاطات السلوك الجمعي"ص 15.

          وبعد ان يتطرق الى أثر التهذيب الاخلاقي والطهارة المادية والروحية في توجيه السلوك الجمعي اثناء مناسك الحج واحاطتها بأجواء من السمو الروحي يتناول الاستاذ الاعرجي مراحل مناسك الحج واثرها في تدعيم التضامن والتكافل الاجتماعي، بين ابناء المجتمع الاسلامي، وتأكيد أولوية الولاء العقائدي، وجعله مرتكزاً اساسياً للبناء الاجتماعي العام.  وفي السياق ذاته يشير المؤلف الى أثر مناسك الحج في "ترسيخ القيادة الدينية المرجعية في حياة الامة الاسلامية، لان المفترض بالحجيج ان يقلّدوا فقيهاً مرجعاً يرشدهم الى تعاليم دينهم، وهذه القيادة الشرعية الفكرية لها مردودها الايجابي على انسياب العمل الاجتماعي وانسجام الافراد في توجهاتهم العملية والروحية" ص 19.

          وبعد هذا التمهيد عن دور الحج في البناء الاجتماعي يتطرق الباحث في الفصول التالية الى مفهوم السلوك الجمعي في منظور علم الاجتماع فيقول في هذا الصدد: "فالسلوك الجمعي هو تصرف الافراد تصرفاً جماعياً في مواقف يلفّها الغموض، كالتظاهرات الصاخبة، واعمال الشغب، والحالات الجماعية التي يفقد فيها الافراد تفكيرهم المتعارف، والاشاعات الخطيرة، وحالات الفزع الجماعي وقت الكوارث الطبيعية. اما التظاهرات السلمية، ونشاطات الاحزاب المختلفة، وفعاليات الجمعيات والنوادي فانها تُدرج تحت عنوان (الحركات الاجتماعية) التي هي اكثر تنظيماً من الاشكال الاخرى للسلوك الجمعي، مع ان طابعها جماعي في اغلب الاحيان" ص 21.

          ويعتبر الباحث (السلوك الجمعي) واحداً من "أهم الظواهر الاجتماعية التي يشهدها الافراد في حياتهم العامة لسببين:

الاول: ان السلوك الجمعي غالباً ما يؤدي الى تغيير اجتماعي ملموس. فتظاهرات الطلبة الصاخبة في اوروبا، واعمال العنف العنصرية في اميركا، والحركات الاجتماعية في افريقيا، في الستينات من هذا القرن، كلها أدت الى تغيرات اجتماعية من نوع ما.

والثاني: ان للسلوك الجمعي شروطه؛ فدراسة هذا السلوك على الصعيد الاجتماعي العلمي، وفهم منشئه المعادي للنظام السياسي يساعد السلطة القائمة على احباط اهدافه المعلنة في التغيير الاجتماعي"ص 22.

          وبعد تناوله لمفهوم السلوك الجمعي يتطرق السيد الاعرجي الى انواع السلوك الجمعي، حيث يحدد سبعة تمظهرات اساسية له في الواقع الاجتماعي وهي "الجمهور، الجماهير، الغوغائية، الذعر الجماعي، الاشاعات، الهستيريا الجماعية، الموضات، الرأي العام".

          ثم يعرج الباحث على اهم النظريات الاجتماعية الغربية عن السلوك الجمعي متناولاً اياها بالنقد والتحليل، مؤكداً في هذا السياق على ان "تحليلنا ونقدنا لهذه النظريات يساهم في إرساء لبنة النظرية الاسلامية، لاننا لا نستطيع ان نقنع العالم المعاصر بصحة نظرياتنا الاجتماعية والروحية ما لم نفهم نظريات العالم المعاصر وننقدها" ص 20.

          وقد دأب الاستاذ الاعرجي على اتباع منهج المقارنة في معظم مؤلفاته السابقة التي صدرت في اطار سلسلة (بحوث علم الاجتماع الاسلامي ونقد النظرية الاجتماعية الغربية).

          وما يلفت نظر المتابعين لهذه الابحاث هو ان الدكتور الاعرجي يحتكم دائماً لمرجعية الخطاب الاسلامي المتمثل بالنصوص الشرعية والمفاهيم الالهية في مساجلاته الفكرية مع علماء الاجتماع الغربيين، كما انه يسعى دائماً لفهم نظريات اولئك العلماء في سياقاتها التأريخية والاجتماعية الحاضنة لها، لكي لا تتحول الى مرجعية مركزية تحتكم بقية الافكار والنظريات اليها، كما يطمح الغرب لذلك في اطار سعيه لجعل (المعرفة) سلطة اخرى تدعم هيمنته الاستكبارية في العصر الحديث.

          وفي أكثر من بحث، يكشف الاستاذ الاعرجي عن قصور النظريات الاجتماعية الغربية في فهم الواقع الاجتماعي، بما في ذلك الواقع الذي تنبثق عنه. ولعل الازمة التي يعيشها الفكر الاجتماعي الغربي منذ عقد السبعينات ناجمة بالدرجة الاولى عن هذا الخلل البنيوي حسب تقديرنا.

          في القسم الاول من الكتاب يتناول المؤلف بالدرس والنقد اهم النظريات الغربية حول السلوك الجمعي، ومنها: نظرية (غوستاف لوبون)، نظرية (الانسلاخ الاجتماعي)، النظرية العدوانية، نظرية التقليد العرفية، نظرية الميول والتقارب، ويخلص المؤلف بعد نقده لنظريات السلوك الغربية الى نتيجة علمية مهمة مفادها: ان هذه النظريات الغربية لو طبّقت على المناسك التعبدية في الحج فسنلاحظ "قصورها جميعاً عن الالمام بالاطار الاجتماعي الفريد الذي جاءت به الشريعة الاسلامية فيما يخص فريضة الحج" ص 44.

          وفي خاتمة القسم الاول من الكتاب يتناول المؤلف فلسفة السلوك الجمعي الاسلامي، معتبراً "النية": "بمعناها الواسع وهو أداء العمل العبادي بنية التقرب الى الله تعالى، الاساس في السلوك الجمعي الاسلامي، وبدون النية لا يتحقق ذلك السلوك، ولا يتحقق القصد الى تلك العبادة" ص 95.

          أما القسم الثاني من الكتاب فقد تناول فيه الدكتور زهير الاعرجي مواضيع اجتماعية مهمة اعطاها عنواناً جامعاً هو (من ثمار السلوك الجمعي في فريضة الحج).

          ومن هذه المواضيع: "التأثير الاجتماعي في الحج"، "التفاعل الاجتماعي خلال اداء المناسك"، و"الحج في مواجهة اخطار الانعزال الاجتماعي".

          وفي معرض حديثه عن التفاعل الاجتماعي خلال اداء مناسك الحج يؤكد الباحث على ان "التعابير الانسانية كالبكاء والشعور بالذنب والتوبة الخالصة لله سبحانه، والاشارات المنظّمة كانتظام الطواف وافعال الصلاة ورمي الجمرات وتقليد الهدي ونحوها، كلها تمثل رموزاً نتفاعل بها مع ديننا الحنيف وخالقنا العظيم. الا ان هذه الرموزالموحّدة لا تساعدنا على التفاعل الروحي مع خالق الوجود فحسب، بل تساعدنا على التفاعل الاجتماعي مع بعضنا بعضاً ايضاً. لأننا نشعر – عن طريق ممارسة هذه المناسك والاعمال التعبدية – ان للآخرين انفساً تشابه انفسنا في الدعاء والابتهال والتذلل لخالقنا العظيم" ص 112.

          وفي موضوع "الحج في مواجهة اخطار الانعزال الاجتماعي" يتطرق المؤلف الى نقاط عدة تتعلق بدور الحج في مكافحة الانعزال الاجتماعي وتمتين الاواصر الاجتماعية بين اتباع الدين الواحد، ذلك "ان مناسك الحج تعكس طبيعة التجمع الانساني. فالمسلك الجماعي في العبادة يمنح الفرد شعوراً بالاندماج مع الامة الكبيرة المنتشرة  في كل بقاع الارض" ص 139.

          ويرى الباحث ان "الاطار الاجتماعي لأعمال الحج ومناسكه، تدفع الافراد نحو التماسك والتعاون الذي يتحول لاحقاً الى لبنة من لبنات الدولة الاسلامية العالمية. ولاشك ان النشاطات الشرعية للحج الاسلامي انما تساعد جميع الافراد على كسر طوق الانعزال الاجتماعي والغربة الانسانية التي نلاحظ مساوئها النفسية في عالمنا اليوم" ص 141.

          بقي ان نشير في خاتمة المقال الى ان كتاب (الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج) يتضمن افكاراً اجتماعية اسلامية اخرى على جانب من الاهمية لا يغني عن مطالعتها هذا العرض الموجز، كما انها تحتاج من الباحثين والكتاب الى التحاور مع المؤلف بشأنها لأجل مواصلة مشروع التأسيس لنظريات اسلامية في ميدان علم الاجتماع.. وحتى لا تبقى جهود استاذنا السيد الاعرجي "يتيمة الدهر" في ميدان علم الاجتماع الاسلامي.


 

[1]    (الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج) – الدكتور زهير الاعرجي. الطبعة الاولى، 1415هـ - 1994م.

 

 

 

z.araji@xtra.co.nz