oخدمات

الصالصفحة الرئيسية

كتابات نقدية

مقامقالات

كتب

قراءة في كتاب: الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج

الكاتب: عباس الاسدي.

المؤلف: سماحة السيد زهير الاعرجي .

الطبعة: الاولى. 1415 هـ / 1994 م .

مجلة الفكر الاسلامي العدد الثامن شوال 1415هـ

 

صـدرت فـي الاونـة الاخـيرة سلسلة كتب في الاجتماع الاسلامي لسماحة السيد زهير الاعرجي مثل: (الـعدالة الاجتماعية )، (ضوابط توزيع الثروة في الاسلام)، (النظام العائلي ودور الاسرة فـي الـبـنـاء الاجـتماعي الاسلامي) ومنها كتاب (الابعادالاجتماعية لفريضة الحج، دراسة في الـسـلـوك الـجـمـعي الاسلامي)، وتتميز هذه السلسلة بكونها تنقد الاتجاهات الارضية في علم الاجتماع مقارنة بينها وبين التصور الاسلامي في هذا الميدان .

وقد جاءتنا قراة للكتاب الاخير ورد فيها:


خطوط عريضة من الكتاب:

يـسـتـعـرض الـمؤلف السيد زهير الاعرجي في كتابه هذا نظرية السلوك الجمعي وشروطه وانـواعـه، ويـعدد النظريات الغربية بهذا الخصوص كنظرية غوستاف لوبون ونظرية الانسلاخ الاجتماعي والنظرية العدوانية ونظرية التقليد العرفية ونظرية الميول والتقارب، ويقرر بعد نقده لها بان منشأ ذلك السلوك هو: (اننا اذا طبقنا هذه النظريات على المناسك التعبدية في الحج، فسوف نلاحظ قصورها جميعا عن الالمام بالاطار الاجتماعي الفريد الذي جات به الشريعة الاسلامية فيما يخص فريضة الحج).
        وفـي مـرحـلـة مـتـقدمة من البحث، يأخذ المؤلف (اكثر انواع السلوك الجمعي تنظيما في العمل، وتصحيحاً في القصد والهدف) الا وهي الحركات الاجتماعية، فيتطرق الى النظريات الغربية، ويـمارس نقده لها كالسابق مع ملاحظة ان النقد يأتي احيانا من المدارس الغربية نفسها، حينما تكشف الـثـغـرات الموجودة في النظريات المطروحة عن مساوئ كبيرة وتناقضات تطرح نفسها بقوة او تـتجاهل بعض الابعاد الاجتماعية المهمة. ثم يعرض لخصائص الحركات الاجتماعية واختلافها عن بـعـضـها حسب النظام الفكري الذي تقدمه، وحجم المشكلة التي تتعامل معها، فيقسمها الى اصلاحية وثورية وفلسفية مثالية .

البراة من المشركين:

يـقـرر الـمؤلف في فصله الموسوم بـ(النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي) بان الحج من اكمل اشـكـال الـسـلـوك الـجمعي الانساني لما يتميز به من دقة وتنظيم، ويسفر التفاعل الاجتماعي بين الافـراد فـي الـمـنـاسـك الـمختلفة عن انسجام فكري يتجه نحو الاعلى لتحقيق غايات اجتماعية وسـيـاسـيـة سامية، ومن ثم فان هذا السلوك يؤدي الى (الانسجام الفكري والروحي والعبادي بين الحجيج، على عكس السـلوك الجمعي في المفهوم الغربي الذي يؤدي الى اعمال الشـغب والعنف).

وفـي واحدة من المفاهيم النظرية الاسلامية في السلوك الجمعي في مناسك الحج يشير المؤلف الى شـعار (البراة من المشركين) بوصفه ارقى الشعارات الاجتماعية التي تؤدي في النهاية الى التغيير الاجـتماعي المطلوب، لان (اعظم الانحرافات التي يدينها الاسلام ويعتبرها مصدر كل انواع الشقاء الانساني هو الشرك باللّه عز وجل).

وطـالـمـا كان هذا النوع من الانحرافات هو الاعظم فلا شك في ان المناداة بالبراءة منه ستكون من اعـظم العبادات ولاسيما في تلك الاجواء الموجهة ربانيا، والتي تنتج افكارا جمعية ارقى على عكس مـا تـتـوقـعه النظرية الغربية من السلوك الجمعي الموجه من قبل الارض لا السماء، لهذا قال الامام الـخـمـيـنـي (ره ) في بيانه الى الحجاج سنة 1987: (ان اعلان البراءة من المشركين هو ركن من الاركان التوحيدية ومن الواجبات السياسية للحج) بل يذهب الامام الى اكثر من ذلك حينما يؤكد: ان اعـلان الـبـراءة لا يـنـحـصـر فـي ايـام الـحـج ومـنـاسـكه، وهو اعلان لا يمكن ان يبـلى لان سـنة النـبي (ص) لاتبـلى.

ويخلص الامام الى ان اعلان البراة هو الخطوة الاولى للكفاح والجهاد، وعلينا ان نتحمل المسؤولية في الاسـتمرار بالمراحل الاخرى .

فـاذا كان هذا الاعلان هو الاساس والمرحلة الاولى لانطلاقة الامة في جهادها الطويل في تحكيم الاسلام ووراثة الارض فمن البديهي ان ينطوي على اهمية استثنائية في الحج وفلسفته، باعتبار ان مـوسـمه يجمع الناس من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، ولا انفع لهم من ان ينسجموا مع افكارهم ومـعتقداتهم، ويتحركوا باتجاه تحقيقها على الواقع العملي في السيادة على النفس والثروات، وصولا الى وراثة الارض وتثبيت حكم اللّه فيها.

مفاهيم اخرى:

يعدد سماحة المؤلف عشرين مفهوما لتوضيح الرؤية الاسلامية للسلوك الجمعي في موسم الحج، هذا السلوك الذي فرضته الشريعة ابتغاء مقاصد محددة كثيرة يمكن نيلها بهذه الفريضة المقدسة على مر التاريخ، من تلك المفاهيم ما ذكرناه قبل قليل. ومنها ما يخص اكتساب الخبرات الاجتماعية الامر الذي يساهم في بناء الدولة العالمية الواحدة، او انه انعكاس لعدالة الاسلام الاجتماعية في اشباع الفقراء ومساندتهم عـاطـفـيـا ومعنويا. ومنها الطهارة الروحية والمادية، حيث يعتبر الحج في هذا الموسم الخاص من اطهر التجمعات الانسانية على وجه الارض، ويعكس التجمع في احد مفاهيمه ايضا طبيعة الشريعة وجوهرها في المساواة بين الافراد في الاحكام الشرعية .

وثمة تركيز لافت للنظر يثبته السيد الدكتور الاعرجي في تحميل الشريعة للفرد الحاج مسؤولية فردية في خضم ذلك التجمع العظيم، حيث تعكس ركعتا الطواف الواجبتان اصالة الفرد في السلوك الجمعي الاسلامي، فالفرد المكلف مسؤول عن صلاته مسؤولية شخصية وليست جماعية، ولعل غفلة الغرب عـن هـذا الـجـانـب المهم الذي يفتقر اليه في مظاهر ومصاديق سلوكه الجمعي هو الذي دفعه الى الاعتقاد بسلبيات السلوك الجمعي الحاصل من العقل الجمعي.

كـما ان هناك مفردة جديرة بالذكر تميز السلوك في الحج عن غيره من حالات السلوك الجمعي، الا وهي ديمومة هذه الشعائر ابد الدهر وديمومة شعاراتها واهدافها وشموليتها، فيما تنتهي اية حركة اجـتـماعية تستهدف الاصلاح او حل مشكلة معينة (كحركات التحرر الوطنية من الاستعمار التي تنحل مع رحيله).

وفي سياق التسلسل الطبيعي لفقرات الكتاب، يستعرض المؤلف مناسك الحج بالترتيب والتفصيل تحت عـنـوان (الاشـكال الشرعية للسلوك الجمعي في الحج)، ويؤكد في مستهل الفقرة بان ذلك التجمع الـعـظيم للحجيج ـ في بقعة وزمن محددين ـ لابد ان ينطوي على اهداف في التفاعل الاجتماعي بين الافـراد (لان التفاعل الروحي عبر الدعاء والابتهال للّه عز وجل يمكن ان يتم بشكل ومكان آخر مـثـلا، الا ان الـتفاعل الاجتماعي بين الافراد في تلك المواقف لا بد وان يكون من اعظم التفاعلات الاجتماعية بين الناس على نطاق الانسانية جميعا).

ثـم يـخـلـص الـمؤلف الى اربعة استنتاجات، وينتهي القسم الاول من الكتاب بفصل يبحث في فلسفة الـسـلوك الجمعي واهم ما فيه افتراضه وجود دافع ثالث في ممارسة هذا السلوك غير دافعي اللذة والالم اللذين وضعهما فلاسفة اوربا لانماط السلوك الصادرة من الانسان، ذلك هو الامتثال للاوامر الالهية، او كما اسماه (الدافع الامتثالي) الذي يلي النية في القيام بالعمل .

من ثمار السلوك الجمعي في فريضة الحج:

تحت هذا العنوان ادرج المؤلف عدة فصول وفقرات تلقي الضوء على المنافع الاجتماعية المستحصلة من ادا هذه الفريضة المقدسة، فيشير اولا الى التاثير الاجتماعي في الحج ودوره الفاعل في معالجة السلوك الفردي وتصحيحه، ويحصل هذا التاثير الاجتماعي من وعي ابعاد تلك الفريضة من قبل الافـراد، ويـخـلـص الـى القول في هذه الفقرة الى ان: (الحج اعظم ساحة للتاثيرات والتغيرات الاجـتماعية التي تستهدف الرسالة الاسلامية احداثها على الصعيد العالمي) ويعدد ثلاث مواصفات يـجب ان يتحلى بها الحاج حتى يستطيع ان يقوم بتأثير اجتماعي مطلوب وهي باختصار: الثقة بالنفس، والعلم، والمقابلة المباشرة مع الطرف الاخر.

ثـم يـنتقل الكاتب الى فصل آخر يبحث في (التفاعل الاجتماعي خلال اداء المناسك)، ويناقش فيه بـعـض المفردات المؤثرة على هذا التفاعل مثل العبادات والفرائض الاسلامية، ومكانة الفرد على المسرح الاجتماعي، والنفس الاجتماعية، ومعاني الالفاظ والتعابير الجسدية، والقرب المكاني.

ويتطرق في مقطع آخر الى حاجة نفسية لدى الانسان، الا وهي الحاجة الى الانتماء الاجتماعي، الامر الـذي تـتـكـفـلـه مناسك الحج بافضل صوره، فهي (تلهب شعور الفرد المسلم بالانتماء الاجتماعي لـمجتمع التوحيد العالمي)، ويلفت الانتباه في نهاية المقطع الى احد اشكال الاعجاز الاجتماعي في الحج من خلال قيام الملايين باداء هذه المناسك على وجه الدقة ومن حضارات ومجتمعات وتركيبات ثـقـافية مختلفة دون وجود تركيب اداري لادارة تلك الاعمال الجماعية كما يحصل في المؤسسات التعليمية والتجارية والصناعية الكبيرة، ودون سلسلة قيادة لادارة هذا الجمع العظيم من الافراد.
        ويـخـتتم المؤلف كتابه بفقرات اربع اخيرة تابعة للقسم الثاني الذي اتينا على ذكره، يسلك فيها نفس الـمسار الذي انتظمته فصول الكتاب وفقراته في سرد النظريات الغربية، ونقدها، وادخال عنصـر الدين بصـفته عاملا مهما جدا في النظرية الاجتماعية السماوية ـ ان صح التعبير ـ تلك الفصول هي: الـفـرد ضـمـن الـمـجـمـوع، والـحج في مواجهة اخطار الانعزال الاجتماعي من حيث انه يمثل اخـطـر الـعـوامل التي تؤدي الى الاضطرابات العقلية التي تصيب الانسان المحروم من المشاركة في النشاطات الاجتماعية، والتغيير الاجتماعي الذي يحصل بتظافر الجهود، واخيرا فلسفة الاقناع في تحديد الظروف الموضوعية التي تبعث على تغيير اتجاهات الافراد واعتقاداتهم وسلوكهم، اذ يعتبر الحج انشط ساحة في الاقناع والتبليغ للرسالة وضرورة تطبيقها في الميادين الحياتية كافة.

اشارات سريعة:

ولـنـا في ختام هذه القراة السريعة ان نسجل بعض الملاحظات التي خطرت على الذهن اثناء مطالعة الكتاب:

اولا: قـد يـتـفـق مـعنا مؤلف الكتاب وقارؤه في ان المعالجة الاجتماعية التي وردت في (الابعاد الاجـتـمـاعية لفريضة الحج) تمثل جزءً من ثمرات هذه المناسك العظيمة التي فرضها اللّه تبارك وتـعالى على العباد، واذا كانت الظروف ملائمة، فلاشك اننا كنا امام انجاز عظيم توفره لنا مناسك الـحج كل عام على المستوى العملي، عباديا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا بل حتى عسكريا، ونرى الـتـاثـيـر الاجـتـمـاعي الجبار لها على الجوانب الحياتية الاخرى، باعتبار ان هذا التجمع السنوي الـعظيم يمكن ان يسجل الموقف السياسي المطلوب، ويشكل القوة الكبرى التي تخيف اعداء اللّه، وقس على هذا في الامور الاخرى.

ثانيا: يمكن ان تسجل هذه الدراسة وامثالها نقطة اخرى في الهدف العلماني ومعسكره سواء كان منكرا لـلـديـن تـمـاما او لا يعترف له باي دور في الحياة العامة، او يضع له دورا هامشيا في حدود معينة، ويحجمه في اطر ضـيقة.

ثـالـثـا: هـنـاك انماط اخرى يمكن تصنيفها ضمن التسمية المتداولة في الكتاب (السلوك الجمعي الاسـلامي)، تؤدي وظيفة اجتماعية راقية، وترقى بالمجتمع الى مستويات عليا، على العكس تماما من النظريات الغربية لهذا النوع من السلوك الجمعي الذي يهبط ـ برأيها ـ بالمجتمع الى مستويات دنيا، بعد ان يفقد العقل الفردي في الجماعة جزءً من نشاطه ويمكن ان نشير هنا الى شعيرة صلاة الجمعة، وكذا الجماعة، حيث توظف هذه العبادة الجماعية التي تمارس ضمن (سلوك جمعي)، ربانيا في
سبيل ترقية الانسان والمجتمع
، وتطهيره من الاثام.

رابعا: ارى ان المقارنة بين ما هو نازل من السماء وبين ما هو موضوع في الارض، اجحاف للحق، لان الـفـارق بـيـن الاثـنـيـن عـظيم بعظم المسافة بين السماء والارض، والخالق والمخلوق، والصانع والـمـصـنوع. ولولا الدعوة الى المجادلة بالتي هي احسن لما كنا نسمح لانفسنا ان نجري مثل هذه المقارنة لان النظريات الارضية قابلة للتغير والتبدل دائما، في حين تنبع النظريات الربانية من مدبر حـكـيـم لا يـخـطـئ ولا يـسهو، فما احرى بالبشرية ـ والحال هذه ـ ان تنطلق في صياغة افكارها ونظرياتها من التعاليم السماوية لكي لا تقع ضحية العقل البشري القاصر.