oخدمات

الصالصفحة الرئيسية

كتابات نقدية

مقامقالات

كتب

لواء الصدر – العدد 779 السبت 25 رجب 1417هـ

العلامة السيد زهير الاعرجي في حوار

حول قواعد النظرية الاجتماعية في الاسلام

التحرير

في حوار مع (لواء الصدر)، الدكتور زهير الاعرجي:

ان القرآن الكريم تناول كليات الاجتماع الانساني

 وطرح قضايا الفضيلة والرذيلة في المجتمع

 *اجرت (لواء الصدر) حواراً مع سماحة الدكتور زهير الاعرحي تناول الهيكلية العامة لبحوث النظرية الاجتماعية الاسلامية التي طرحها والقواعد التي استندت عليها اصول هذه النظرية والنقد الموجه للنظرية الاجتماعية الغربية. كذلك اعطى السيد الاعرجي حفظه الله اشارات عن ماهية علم الاجتماع الاسلامي واهم رجالاته في العصر الحديث...

 

س 1: ما هي الهيكلية العامة لبحوث نظريتكم الاجتماعية الاسلامية، وكم صدر الان من هذه البحوث؟ وكم بقي منها؟

**السيد الاعرجي: الهيكلية العامة لبحوث النظرية الاجتماعية تتلخص بفكرة مفادها ان ادارة المجتمع الاسلامي في زمن الغيبة تتم عبر تنظيم المؤسسات الاجتماعية على ضوء الشريعة ومبادئ الاسلام في تحقيق العدالة الاجتماعية، ولاشك ان هذا القدر من الادارة لا يتحقق ما لم يدرك الفرد حقوقه وواجباته الشخصية والاجتماعية من زاوية الالتزام الديني والاخلاقي الذي آمن به، ولما كان الانسان بطبيعته اجتماعياً، كان لزاماً عليه ان ينظم المؤسسات الاجتماعية التي تخدمه وتشبع حاجاته وتوفر له الامان كالمؤسسة التعليمية، والسياسية، والتجارية، والقضائية، والطبية، والصناعية، والزراعية، والثقافية، والاعلامية، ومؤسسات توزيع الثروة الاجتماعية، والضمان الاجتماعي وغيرها. وهذه المؤسسات الاجتماعية تناولتها الشريعة، بشكل من الاشكال، قبل ظهور الدولة الحديثة، الا ان الاهتمام الفقهي العام كان منصباً على دراسة دور الفرد في المجتمع، وتشخيص طبيعة الوظيفة الشرعية الفردية لا الجماعية. ولم يطمح فقهاء البلاط من مناقشة دور الدولة في تنظيم حقوق الافراد وواجباتهم، بل كانوا مجرد ادوات لامضاء سيرة السلاطين والخلفاء الذين كانوا ابعد الناس عن الاسلام ورسالته السماوية، فانحصرت بحوث ادارة الدولة والنظام الاجتماعي في المدرسة الامامية بسب انفتاح باب الاجتهاد على مذهب اهل البيت (ع).

          وقد احس فقهاؤنا الاعلام (قدس سرهم) بالاهمية الشرعية لادارة الدولة زمن الغيبة، فعالجوها معالجة استدلالية دقيقة وفي غاية العمق عبر مناقشة ولاية الفقيه الشرعية، ومناقشة معنى قضية (اقامة الحدود الى من اليه الحكم)، كالفيض الكاشاني (ت 1091هـ) في كتاب مفاتيح الشرائع، والمحقق النراقي (ت 1247هـ) في كتاب عوائد الايام، والمير فتاح الحسيني المراغي (ت 1250هـ) في كتاب العناوين، والشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266هـ) في كتاب جواهر الكلام، والشيخ مرتضى الانصاري (ت 1281هـ) في كتاب المكاسب، والشيخ النائيني (ت 1355هـ) في كتاب منية الطالب، والسيد البروجردي (ت 1380هـ) في كتاب البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر، والشيخ محمد رضا المظفر (ت 1384هـ) في كتاب عقائد الامامية، والسيد الشهيد محمد باقر الصدر (ت 1400هـ) في كتاب اقتصادنا، والسيد الخميني (ت 1409هـ) في كتاب البيع.

          الا ان هذه البحوث العميقة لفقهاء الامامية لم تثمر في صياغة نظرية اجتماعية اسلامية شاملة، بل بقيت البحوث مستقلة عن بعضها البعض وغير مترابطة فكان من مسؤولية الجيل الجديد من الفقهاء صياغة تلك النظرية الاجتماعية، خصوصاً وان الله تعالى قد منّ علينا بانشاء دولة هي مصداق من مصاديق آثار عمل الفقيه.

          اما ما صدر من الكتب التي تناولنا فيها النظرية الاجتماعية فهي ثمانية:

1-              العدالة الاجتماعية وضوابط توزيع الثروة في الاسلام.

2-              النظام العائلي ودور الاسرة في الاسلام.

3-              النظام الصحي والسياسة الطبية.

4-              النظام القضائي وفلسفة حل الخصومات.

5-              النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم.

6-              الابعاد الاجتماعية لفريضة الحج.

7-              الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج.

8-              النظام التعليمي.

هذا ما صدر خلال السنتين الماضيتين، ولنا حوالي عشرة كتب في هذا الحقل لم تطبع، الا انها جاهزة للطبع، منها:

1-              النظام السياسي وفلسفة الدولة .

2-              الفرد في المجتمع الاسلامي.

3-              الابعاد الاجتماعية لواقعة الطف.

4-              الابعاد الاجتماعية لفقه الامامية. وغيرها.

بقي ان اقول انه ورد الى مسامعنا ان كتاب (المجتمع الاسلامي) وهو دراسة نقدية للنظرية الاجتماعية الغربية ومحاولة استنباط نظرية اجتماعية على ضوء مدرسة اهل البيت (ع)، طبع في بيروت في (1000) صفحة ثم اتلف لاسباب مجهولة. فلم ير النور لحد اليوم.

وما صدر من كتب يمثل مرحلة من مراحل تطور النظرية الاجتماعية في الاسلام، اما الآن فقد بدأت بتنفيذ مشروع (موسوعة النظرية الاجتماعية الاسلامية)، وهو مشروع اوسع من مشروع الكتب التي اصدرتها سابقاً، ومواضيع الموسوعة مستقلة بعضها عن الآخر، أي ان كل كتاب يبحث عن موضوع منفصل غير مرتبط بالموضوع الذي قبله. وقد صدر الجزء الاول من هذه الموسوعة باذنه تعالى هذا الاسبوع عنوانه (مباني النظرية الاجتماعية في الاسلام) في 507 صفحة يتناول الجانب الاستدلالي للنظرية الفقهية في الاجتماع، وسوف اشرع بتدريسه في الحوزة العلمية هذه السنة باذنه تعالى، والجزء الثاني عنوانه (الاصول العامة في النظرية الامامية). اما كم بقي من اجزاء هذه الموسوعة فاتمنى ان يبقى سراً تكتشفه الامة كلما يصدر كتاب جديد.

  

س 2: لاشك انك اعتمدت القرآن الكريم كقاعدة تبتني عليها اصول النظرية الاجتماعية الاسلامية؟ فما هو السبب ان تتضمن بحوثكم نقداً للنظرية الاجتماعية الغربية؟

**السيد الاعرجي: نعم تناولت في كتاب (النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم) ملخص ما كتبته في كتاب (المجتمع الاسلامي) لكن من وجهة نظر قرآنيةـ أي انني حاولت الاستدلال بالآيات القرآنية، وحسبما اوصلني فهمي الظاهري لتلك الآيات الشريفة، من اجل صياغة النظرية الاجتماعية، وقد استخدمت منهجاً نقدياً علمياً في ذلك فحاولت نقد النظريات العالمية، وليست الغربية فقط، في الاجتماع الانساني وتحطيم مبانيها الفكرية، ثم حاولت استنطاق القرآن المجيد والتماس معانيه العظيمة في الاجتماع، عبر محاربة الانحراف والتأكيد على القيم الاخلاقية الفاضلة في الاجتماع والتعاون بين البشر. ولاشك اننا لا نعيش اليوم في عالم منعزل، فنحن لا نستطيع ان نستخرج نظرية اجتماعية وندعي انها في مرتبة الكمال ما لم ندرس النظريات العالمية الاخرى وننقدها ونبرز زيفها ومبانيها الباطلة. ولا احد يدعي بان القرآن المجيد كتاب اجتماع بل هو كتاب هداية للانسانية، لكننا لا ننكر انه تناول كليات الاجتماع الانساني، وطرح قضايا الفضيلة والرذيلة في المجتمع، واسلوب العلاقة بين الاغنياء والفقراء، وطبيعة الشخصية الاجتماعية للفرد المؤمن، ولا نستطيع ان نقيم كلام الخالق عز وجل ما لم نقرأ كلام المخلوق. فنحن نستنتج من خلال قراءة النظريات العالمية ونقدها ان الكتاب السماوي الخالد يقدم لنا كليات اساسية ومنارات هداية للنظرية الاجتماعية التي نطمح من خلال صياغتها وتطبيق مفرداتها عبادة الخالق عز وجل، ونحن مطمئنون على سلامة اعراضنا وارواحنا واموالنا.

 

س 3: حبذا لو اعطيتم للقارئ الكريم نبذة عن علم الاجتماع الاسلامي ورجالاته في العصر الحديث؟

**السيد الاعرجي: هناك فرق جوهري بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع، وقد وقع في خطأ عدم التمييز بينهما الكثير من المفكرين والناشرين ايضاً، وبضمنهم الناشر الذي نشر بعض الكتب التي كتبتها ففوجئت بعنوان (بحوث في علم الاجتماع الاسلامي) على بعض الكتب وهو خطأ يستحق القارئ الكريم من طرفي اعتذاراً. اقول: ليس هناك علم اجتماع اسلامي ما لم تقام دولة اسلامية زمن الغيبة او زمن الحضور، فعلم الاجتماع يبحث عن مصاديق النظرية الاجتماعية، والنظرية الاجتماعية تمثل مجموعة مترابطة من الافكار التي تفسر بعضها بعضاً، وترشد المؤسسات الاجتماعية نحو هدفها المرسوم في تحقيق العدالة الحقوقية وخدمة الانسان في عالمه الاجتماعي المحيط به.

          بينما يمثل علم الاجتماع طريقة تجريبية للتحري والتنقيب من اجل جمع المعلومات وتحليلها عبر ربط العلة بالمعلول في السلوك الاجتماعي، واستنتاج قاعدة كلية تخدم النظرية الاجتماعية، فنحن نفهم علم الاجتماع على اساس انه مؤشر علمي لتشخيص مظاهر ضعف النظرية الاجتماعية او قوتها، عن طريق تشخيص المشاكل التي يجلبها التطبيق، فاذا اكتشف علماء الاجتماع مثلاً بان ستين بالمائة من الافراد في مجتمع غني يعيشون حياة الفقر، فاننا سندرك بان هناك مشكلة خطيرة في انعدام توزيع الثروة الاجتماعية بين الافراد في ذلك المجتمع. فعلم الاجتماع علم تجريبي، وليس هناك من داعٍ بان نطلق عليه علم اجتماع اسلامي ما لم يخدم الامة الاسلامية على النطاق التجريبي. اما النظرية الاجتماعية، فباعتبار مبانيها النظرية فاننا نستطيع ان نصفها بالنظرية الدينية لان مبانيها مستمدة من احكام الشريعة.

          وعلى ضوء هذا الفهم فليس هناك علماء اجتماع مسلمون بالمعنى الذي نريده او نتمناه بل ليس هناك من تصدى للتفريق الفلسفي بين النظرية الاجتماعية وعلم الاجتماع. وكل ما موجود في السوق الثقافي الخاص بعلم الاجتماع، الا ما شذ، هو مجاميع علمية مترجمة لا نستطيع فهمها او هضمها، لانها دخلت ساحتنا الثقافية والدينية ونحن في غفلة من امرنا، ولا ندري ما يخطط لنا، ولا نعرف ما يدبر لابعادنا عن عقيدتنا عبر عناوين لا تحمل لنا ما يربطنا بواقعنا الاجتماعي والفكري والديني.

 

س 4: هل تعتبر بحوثكم هذه تكملة لبحوث اسلامية سابقة ام هي جديدة في طرحها؟

**السيد الاعرجي: هذه البحوث والكتب التي صدرت وسوف تصدر لنا باذنه تعالى في حقل النظرية الاجتماعية هي بحوث جديدة. نعم كتبت سابقاً ثلاث حلقات في الاعلام الاسلامي، والشخصية الاسلامية، والرأي العام الاسلامي سنة 1971م، واعدتُ كتابتها سنة 1974م، وطبعت في بيروت سنة 1976م. ثم كتبت (الاخلاق القرآنية) في مجلدين سنة 1983م. وحققت بعض الكتب الفقهية والرجالية مثل (حرمة ذبائح اهل الكتاب) للشيخ البهائي، و(الوجيزة في علم الرجال) للشيخ المشكيني، و(صلاة الجمعة) للشيخ الحائري (رحمهم الله جميعاً)، الا انني تركت الكتابة التقليدية ، وانشغلت مدة 7 سنوات في بناء منهج علمي فكري استدلالي. فكان اول نتاج المرحلة الثانية من حياتي الفكرية هو كتاب (المجتمع الاسلامي). ثم اصدرتُ الكتب الثمانية التي ذكرتها آنفاً، واستقر رأيي الآن على بذل الجهد في اصدار كتب (موسوعة النظرية الاجتماعية الاسلامية) بعناوينها المتنوعة وتدريسها في الوقت نفسه لطلبة الحوزة العلمية والجامعة. والحمد لله رب العالمين.          

   

 

 

z.araji@xtra.co.nz