|
مقامقالات |
|
|
بدر العدد 164 – 12 جمادي الثانية 1416هـ الموافق 7 تشرين الثاني 1995م ضيف الاسبوع: (بدر) تحاور المفكر الاسلامي السيد زهير الاعرجي حاوره: عامر ملا عيدي |
(بدر) تحاور المفكر الاسلامي السيد زهير الاعرجي حول القضايا الساخنة في الواقع العراقي *هناك عدة مشاريع تجاه العراق ومن قوى مختلفة، تتقاطع اعلبها بشكل مستقيم، كيف ترى المستقبل السياسي للعراق؟ *بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. ان الجواب عن هذا السؤال لا يتم بشكله المطلوب ما لم نفهم طبيعة الحقوق التي نطالب بها من خلال المشاريع السياسية او الجهادية المطروحة على الساحة العراقية. فالامة في عراق اليوم تطالب بالحرية السياسية والحرية في اعتناق وتطبيق العقيدة الدينية التي تؤمن بها. وهذا لا يتم الا من خلال اسقاط نظام الطاغية الظالم وتبديله بنظام مبني على اسس انسانية ودينية. وهذا هو جوهر كل المشاريع السياسية المطروحة، إلا انه يجب ان لا يغيب عن بالنا ان العراق يعتبر من اخطر البلدان في التوازن السياسي العالمي. والسبب في ذلك هو طبيعة تركيبته الاقتصادية والبشرية والدينية. فعلى صعيد تركيبته الاقتصادية، فان مساحة العراق اقل من نصف مليون كليومتر مربع تجري من تحتها مياه اثنين من اعظم انهار العالم وهما دجلة والفرات. وتحت قشرة تلك الارض المعطاء يقع اكبر احتياطي العالم من النفط والغاز الطبيعي (وهو حوالي 140 الف مليون برميل نفط، 850 الف مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي). أي ان تحت كل كيلومتر مربع واحد من الارض العراقية حوالي 200 الف برميل نفط و2 مليون متر مكعب من الغاز. وبمعنى آخر ان العراق جزيرة خضراء عائمة على بحيرة واسعة من النفط والغاز الطبيعي. فالعراق من اغنى بلدان العالم بالخيرات. وبلد فيه هذا اللون وهذا الحجم من الثروات لابد وان تتكالب عليه القوى الشريرة في العالم. ولذلك فان حقوقنا المسلوبة لايمكن استردادها الا بالقوة. فان المسلوب قسراً لا يسترد الا قسراً. اما التركيبة البشرية، فان الثلاثين مليون مواطن عراقي لهم تاريخ متميز في الذكاء والقدرة على الابداع والتكيف الحضاري. واتذكر مقالة للباحث اليهودي (وايزمان) المدرس في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا والمختص بدراسة شخصية (صدام) نشرت في اوروبا خلال حرب الكويت، ذكر فيها بالنص: ان الشعب العراقي يجب ان لا يمنح حرية سياسية من أي لون كان لانه شعب حي ومتحرك ومبدع وله روح "استعمارية".... زاعماً ان الحرية لو اُعطيت لذلك الشعب فانه سيستعمر المنطقة بكاملها. وقد كان ذلك الباحث يركز ويحذر من فكرة قابلية الشعب العراقي على استعمار البلدان الاخرى بسبب قدرات افراده الذكائية وطبيعتهم البشرية المتميزة وسجاياهم الاصيلة في الكرم والشجاعة والاباء. اما التركيبة الدينية فهي من اخطر العوامل التي جعلت القوى الكبرى الظالمة تمزق هذا الشعب الكريم شر تمزيق على يد ذلك النظام الظالم. فأغلب التقادير تشير الى ان نسبة الشيعة العرب في العراق تبلغ تقريباً 70% مع 15% سنة عرب و15% سنة اكراد، ومع ان تلك النسب تقل او تزيد بمقدار قليل، الا ان هذه التركيبة الدينية للشعب العراقي تجعل من العراق دولة نموذجية للتعايش المذهبي والقومي على اساس الاسلام. خصوصاً وان الكل يتكلمون العربية - او يفهمونها على اقل تقدير- ويفهمون تعاليم القرآن الكريم. وخصوصاً ان العراق مهد الولاء لولاية امير المؤمنين (ع)، وفي احشائه حب متمكن لأئمة أهل البيت (ع) وبالاخص سيد الشهداء الامام الحسين المظلوم (ع)، ولا يمكن انتزاعه من قلوب الناس بأي صورة من الصور. فكم قدّم من الشهداء الابطال في سبيل صيانة الدين والعرض والشرف.
*اذن ماهو المستقبل السياسي للعراق؟ * بملاحظة هذه العوامل جميعاً فان العراق سيبقى موطناً للصراع الاقليمي والعالمي والاضطهاد والتعذيب ما لم نتسلح نحن بقوة الايمان ونتوكل على الله ونعتمد على انفسنا في تحرير بلدنا من براثن العلمانية والديكتاتورية وحكم الفرد الواحد.ان مسألة تحرير وطننا ستبقى امانة في اعناقنا حتى نلقى الله سبحانه وتعالى يوم الحساب. ان تكليفنا الشرعي تجاه وطن المقدسات سيبقى دوماً العمل من اجل ازالة الظلم السياسي والاجتماعي الذي جلبته القوى الكبرى لنا عن طريق وكلائها في المنطقة: حزب البعث وعفلق وصدام.
*هل لديكم ارقام حول حجم المأساة العراقية، والى اين يسير برأيكم الحريق الشامل في العراق، وما هي مخلفاته الحضارية؟ والى متى يستمر؟ *ان الارقام التي تطرح دائماً حول المأساة العراقية انما تطرح من اجل خدمة الجهات السياسية التي تتبنى طرحها، فلا نستطيع ان نثق بصورة مطلقة بتلك الارقام التي تتبناها المؤسسات الغربية مثلاً، وهي نفس المؤسسات التي وقفت موقف المتفرج تجاه انتهاكات حقوق الانسان في العراق كل تلك السنوات الطويلة، ووقفت موقف المتفرج ايضاً ابان الحرب العدوانية ضد الجمهورية الاسلامية في ايران والجرائم الفظيعة التي ارتكبت من قبل النظام العراقي بحق المدنيين العزل في تلك الحرب. ولكننا نعلم اجمالاً بان المأساة العراقية وصلت الى مراحل خطيرة اليوم خصوصاً فيما يتعلق بنقص المواد الغذائية والطبية بين افراد الشعب المظلومين. وقد ساهم النظام بشكل مباشر بمقتل اكثر من 350 الف شخص وجرح اكثر من 650 الف شخص في الحرب العدوانية ضد الجمهورية الاسلامية كما ذكرت اكثر التقارير التزاماً بالحيادية. اما في حرب الكويت فان الرقم يزيد على مقتل اكثر من نصف مليون انسان على اقل التقادير. وهذه الجرائم مضافة الى ارقام الاعدامات المذهلة لعلماء الدين والشباب المؤمن بالرسالة الدينية واساليب التعذيب الوحشية والهجرة شبه الجماعية للعراقيين الى دول العالم وضعت الخريطة الاجتماعية والحضارية للشعب العراقي على حافة رسم جديد لا يمكن حتى التفكير بارجاعها الى سابق عهدها في اي وقت من الاوقات. إلا ان المأساة كما انها تجلب آلاماً على الافراد الذين يعيشونها ويتحسسونها بجوارحهم فانها في الوقت نفسه تفتح لهم بارقة أمل مفادها: ان الدرس المكتسب الذي لا ينسى هو ان امثال تلك المآسي لا يمكن ان تتكرر في الاجيال القريبة المتلاحقة على الاقل. ان للمأساة الانسانية في العراق ابعاداً حضارية خطيرة على الاعداء والاصدقاء على السواء. فهذه المأساة هي التي ستنقل العراق الى مرحلة جديدة متميزة في عمره الطويل. ومن اجل توضيح ذلك لابد من ترتيب النقاط التالية: 1-ان المأساة الحقيقية مؤلمة بذاتها، إلا انها تنقل الافراد او الشعوب التي تمر بها الى مرحلة جديدة. فالأطفال الذين يحرمون من ابسط قواعد التغذية والتعليم سوف يكونوا ادوات ضغط وتأثير على جيلهم لاحقاً. وسوف يكونوا ادوات قصاص وانتقام لمن كان السبب في حرمانهم. فالجيل الجديد سوف يغير باذن الله صورة العراق القائمة الى صورة مشرقة نظيفة من براثن البعث ونظام صدام الظالم. 2-ان حجم المأساة يقاس بالقابلية على التحمل. فاذا انكسرت ارادة الامة – لا سامح الله- فان ذلك سيكون من اخطر نتائج حكم صدام على العراق خلال العقود الثلاثة الماضية. الا ان التأريخ يشهد بان اهل العراق تحملوا اعظم المآسي وخرجوا منتصرين بدينهم وعقيدتهم الحقة. 3-ان الايمان برسالة الدين هو الذي يخفف من عمق المأساة. فالدين يحث على التعاون والتكاتف والتحمل. وان تكليفنا الشرعي ينحصر فيما نكون قادرين على ادائه ضمن حدود طاقاتنا وامكانياتنا. اما اذا كان الامر خارجاً عن ذلك فاننا نوكله الى الله القادر القاهر الجبار ونسأله ان يفرج عنا. ولكن ذلك لا يعني اننا نستسلم بسهولة، بل ان لنا في مأساة سيد الشهداء الامام الحسين (ع) واهل بيت النبوة (ع) قدوة واسوة وبلسماً. فالتكليف يدعونا الى نصرة المظلومين، اما النتيجة فانها موكولة الى الباري عز وجل. 4-ان استمرار المأساة رهين باستمرار ابتعادنا عن الله سبحانه. فاذا اخلصنا النية للخالق عز وجل وطهرنا قلوبنا من التعلق بغيره، فان ربك قادر على فتح ابواب السموات والارض بالخير والرحمة والعطاء والنصر والتسديد. 5-ان التأثير الذي ستتركه مأساة (وجود صدام في السلطة) على الشعب العراقي يشابه الى حد ما التأثير الذي تركه (وجود ادولف هتلر) على المانيا، والتأثير الذي تركته الحرب العالمية الاولى على العالم الاسلامي، والتأثير الذي تركه (الشاه) على الشعب الايراني. ففي كل تلك الامثلة نرى ان الشعوب قد انتفضت ونزعت عنها غبار الذل والهزيمة بعد انتهاء تلك الفترة المظلمة من تاريخها. فالمانيا بعد سنوات من (هتلر) اصبحت اقوى دول اوروبا. والعالم الاسلامي بعد سنوات عديدة من النهب والسلب والتخلف والاستعمار اصبح يعيش الصحوة الاسلامية العالمية التي تنادي بتطبيق احكام الشريعة على الارض، وكان من اعظم مفجريها آية السيد الخميني. وايران في عهد الجمهورية الاسلامية اصبحت من اقوى دول المنطقة اقتصادياً وثقافياً وحضارياً.
*ما هي اسباب عرقلة المشروع الاسلامي الوحدوي؟ *ان المشروع الاسلامي الوحدوي لا يمكن فهمه الا من خلال فهم مشاريع التنظيمات والشخصيات التي حاولت تكوين ذلك المشروع والعمل بموجبه لتغيير الوضع السياسي والاجتماعي في العراق. فالتنظيمات والاحزاب كلها تعتبر اطرافاً في الحركة الاجتماعية. والحركة الاجتماعية انما تنشأ من اجل معالجة قضية او مشكلة اجتماعية خطيرة، فاذا ما عولجت تلك المشكلة، فان الحركة الاجتماعية لابد وان تنحل مع انحلال تلك المشكلة. فتنشأ عندها حركات اخرى لمعالجة مشاكل جديدة. وبتعبير آخر ان الحركات الاسلامية انما انشئت في الاساس لتغيير وتبديل الوضع السياسي والاجتماعي العلماني بوضع سياسي واجتماعي اسلامي جديد يستمد وجوده من احكام الشريعة الاسلامية الغراء. وهذا هو سبب نشوء الحركات الاسلامية في العراق منذ الستينيات ولحد اليوم. ولكن ما عرقل المشروع الاسلامي الوحدوي هو الطموح الى ما بعد التغيير الاجتماعي وتبديل شكل السلطة والمجتمع في العراق... لان الحركة الاجتماعية يجب ان تعبئ كل قوتها المادية والبشرية من اجل تبديل الوضع السياسي بالجهاد وبذل الدماء والتضحيات ومواجهة العدو وجهاً لوجه. اما من يحكم بعد الانتصار فهو ما لا ينبغي التفكير به في وقت ينهمك النظام الظالم فيه باستخدام اقسى الوان البطش والتعذيب بحق الابرياء الابطال من ابناء شعبنا، فهذا مثله كمثل من يريد اجراً على عمل لم ينجز بعد. اننا لا نستطيع ان نواجه نظاماً معادياً للاسلام كحزب البعث وصدام واسيادهما من قوى الغرب ما لم نتسلح بالحد الادنى من اخلاص النية لله تعالى وصدق السريرة تجاه بعضنا. ان من مصلحة القوى الكبرى المعادية للاسلام ان تخلق اسباباً نفسية مؤلمة لعرقلة المشروع الاسلامي بالتلميح بتسليم الحكم الى جهة دون اخرى. في هذا الوقت نتساءل: اما آن الآوان لان نتعلم ان مرضاة الله سبحانه عبر اخلاص القصد، والعمل هو الذي يوصلنا الى آمالنا في احقاق الحق وازهاق الباطل (ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز). اما آن الآوان ان نتعلم ان السلطة واقامة حكم الشريعة ينبغي ان تسلم الى الأكفأ، الاعلم، القادر على فهم طبيعة ادارة الشعوب وفهم طبيعة العالَم، والقادر على التخلي عن الطموحات الدنيوية الزائلة؟!
|
|