oخدمات

الصالصفحة الرئيسية

كتابات نقدية

مقامقالات

كتب

المبلغ الرسالي العدد 85 - 4نيسان 1996م

الفقهاء والعلماء يتحدثون عن اهمية دور الزمان والمكان في عملية الاستنباط والاجتهاد

لقاء مع سماحة السيد الدكتور زهير الاعرجي

 

صحيفة المبلغ الرسالي تحاور عدداً من الفقهاء والعلماء المشاركين في مؤتمر الاسس الفقهية عند الامام الخميني

 سماحة السيد الاعرجي : ما لم نواكب التغيرات الاجتماعية ونفهم تأثيراتها فاننا سوف

نفقد القدرة على تشخيص الموضوعات

 

صحيفة المبلغ الرسالي حاورت عدداً من الفقهاء والعلماء المشاركين في مؤتمر الاسس الفقهية عند الامام الخميني. وكان هذا اللقاء مع سماحة العلامة السيد زهير الاعرجي.

**المبلغ الرسالي: بعد الترحيب بكم حبذا لو تقدمون صورة اجمالية عن مقالتكم في هذا المؤتمر؟

**السيد الاعرجي: بسم الله الرحمن الرحيم. لاشك ان طبيعة ادراكنا لتأثير الزمان والمكان على الاجتهاد لا يكتمل مالم نشخص بدقة فلسفية معنى الزمان والمكان كلاً على حدة ثم نجمع بينهما لاحقاً، على صعيد الاستنتاج. فالزمن حقيقة ذهنية نتصورها في عالم التحليل وليس حقيقة خارجية، بمعنى ان الزمن ليس قضية مادية نلمسها. نعم نحن نلحظ وسائل قياس الزمن كالشمس والقمر والأرض.

          فدوران الارض حول الشمس يكوّن لنا الفصول الاربعة التي تشكل السنة بمفهومنا، ودوران القمر حول الارض يكوّن الشهور القمرية، ودوران الارض حول نفسها يكوّن الايام. والخط العالمي للتوقيت، وهو خط وهمي مفترض يمر بالمناطق غير المأهولة من الكرة الارضية، يعكس حقيقة الزمن الذهنية. فاذا وقفت على ذلك الخط فانك تستطيع ان تضع قدماً يوم السبت واخرى يوم الاحد.

          وهذا يعني ان الزمن يعيش في اذهاننا في عالمنا الارضي من اجل تسهيل مهمتنا في الحياة. ولذلك فان اختلاف الزمن في الحياة الآخرة يعكس الفكرة القائلة بان الزمن من تركيباتنا الاجتماعية على وجه الارض، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (وان يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون)[1]. واختلاف طبيعة الزمان تعكس اختلاف طبيعة الاكوان وطبيعة مقاييسها الزمنية.

          اما فلسفة المكان، فهي تعبّـر عن ان الافراد الذين يعيشون على تربة واحدة لابد وان يشتركوا بالنظر الى الاشياء الخارجية بذهنية مشتركة. وتلك الذهنية المشتركة تؤدي الى تشكيل ما يسمى بـ (العرف الاجتماعي). فالافراد الذين يعيشون على مكان جغرافي واحد يشكلون عرفاً اجتماعياً عقلائياً موحداً.

          ومن خلال إدراك هذه القاعدة الفلسفية في الزمان والمكان، فلابد ان نتصور ان اجتماعهما سوف يكوّن حقيقة اجتماعية لا مفرّ منها، وهي حتمية التغير الاجتماعي.

          فالمجتمع البشري القائم على اساس تغير الزمان والمكان، يتغير في كل يوم. ومالم نواكب التغيرات الاجتماعية ونفهم تأثيراتها على الافراد. فاننا سوف نفقد اهم ميزة من ميزاتنا العقلية وهي القدرة على تشخيص الموضوعات.

          ولاشك ان دقة تشخيص الموضوعات تؤدي بالضرورة الى دقة تشخيص الاحكام المرتبطة بها. فمن المسلّم به عند فقهاء الطائفة ان الاحكام الشرعية ثابتة ولن تتغير ابداً، والى ذلك يشير الحديث النبوي الشريف: (حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة). فثبوت الاحكام الشرعية الالهية مسلّم بالبديهة، فكما ان المساواة (=) في مسألة (2+2+=4) تحصل في الماضي والحاضر والمستقبل ولن تتغير تلك النتيجة الرياضية مع تغير الاجيال. كذلك الاحكام الشرعية الكلية الثابتة فانها لن تتغير. ولكن تغير الموضوعات العرفية ومصاديق الاحكام يؤدي احياناً الى اخضاع تلك المواضيع الى احكام اخرى. ومثال ذلك ان الملكية الشخصية كانت في الماضي منحصرة في النقدين والقضايا العينية كالبيوت والاراضي والمزارع التي يمكن ان نراها رأي العين. أما اليوم فقد تغيرت بعض وجوه الملكية واصبحت قضية غير مرئية متمثلة بالسندات والاسهم وايداعات البنوك ونحوها. فلابد، وبملاحظة تغير الزمان والمكان، من تطبيق الكليات الشرعية على الاوجه الجديدة للملكية في مثالنا السابق. ومن هنا فاننا نستطيع ان نُرجع كل متغير الى ثوابته الشرعية الدينية. فحرمة استخدام وسائل القتل المتطورة هي حالة خاصة متغيرة لقاعدة عامة وهي (حرمة الاعتداء على النفس البشرية). ووجوب دفع الدين – عن طريق الكمبيالة او البطاقة الالكترونية الحديثة – هي حالة خاصة متغيرة لقاعدة عامة وهي (وجوب الوفاء بالعقد) او (وجوب الوفاء بشروط العقد بين الطرفين المتعاقدين). وارجاع تلك الفروع الى اصولها يحقق سعادة عظمى للنظام الاجتماعي.

          وطبيعة تأثير الزمان والمكان لا يجعلنا نبحث عن الوظيفة الشرعية التكليفية للافراد فحسب، بل يجعلنا ننظر ايضاً الى قضية الحقوق والواجبات من زاوية نظرية (المصلحة والمفسدة) ونظرية مقاصد الشريعة. فالتغير الاجتماعي الذي حصل في المجتمعات المعاصرة، وبروز شكل الدولة الحديثة جعلنا نقف وجهاً لوجه امام حاجات الافراد الجديدة المتغيرة (كالتعليم والتطبيب) اضافة الى حاجاتهم الثابتة (كالأجر العادل، والسكن، والضمان الاجتماعي). وهذا التقريب يدعونا الى التوجه نحو صياغة نظرية حقوقية فقهية شاملة للفرد والجماعة ومحاولة تطبيقها على نطاق مجتمع الدولة الاسلامية زمن الغيبة.

          ان طرح تأثير (دور الزمان والمكان) في العصر الراهن كان من بركات الفقيه آية الله السيد الخميني (رضوان الله عليه)، واليه يرجع الفضل في هذا النشاط العلمي الفقهي الذي لم تشهد الطائفة الشيعية مثيلاً له في التاريخ. والحمد لله رب العالمين.  

 


[1] سورة الحج: الآية 47.

 

 

z.araji@xtra.co.nz